(فكلي واشربي وقري عينا)
لم يقلها الله لامرأةٍ كانت تعيش أيامًا هادئة، خاليةً من الخوف والهموم، بل قالها لمريم وهي في أشدّ لحظاتها ضعفًا؛ أنهكها المخاض، وأحاط بها الخوف، وكانت تنتظر مواجهة قومها وما قد يقولونه عنها من قذفٍ وتكذيب !
ومع ذلك، أمرها الله أن تأكل وتشرب وتقرّ عينها
رسالة لكل قلبٍ أثقلته الاحتمالات: اهدأ، واستمتع بما بين يديك، ولا تُفسد لحظتك بالخوف مما لم يحدث بعد.
ما كان خارجًا عن إرادتك، فتدبيره ليس مسؤوليتك؛ تدبيره عند الله وحده، ولو عشنا هذا اليقين بصدق، لسقط عن أرواحنا ثقل الاحتمالات، ولأدركنا أن الطمأنينة ليست في معرفة ما سيحدث، بل في معرفة مَن يدبّر ما سيحدث.
يا بنتُ
عُمرُكِ ليس حبراً
والسلامْ!
هو قصةٌ
عن كيف يُمكنُ للنساءِ
حياكةَ المعنى
على ثوبِ الغمامْ!
هو ومضةٌ
ضاءتْ برغمِ قتامةِ الرؤيا
وسارتْ بالحقيقةِ
مشعلاً
حتى تقشَّع حولنا هذا القَتَامْ!
هو يا فتاةُ
جسارةٌ كبرى
ووثبٌ فارعٌ
صوبَ المقاماتِ الجِسامْ
أوَتذكرينَ
المَشيَ حافيتَينِ في جمرِ الغوايةِ
وحدنا
والليل
واللاءاتُ سيَّجتِ الدروبَ
فلا وراءَ ولا أمامْ!
أوَتذكرينَ
تعثُّرَ الخطواتِ في الطُرقِ التي
قد أنكرَتنا
واستحالتْ يا فتاةُ إلى ظلامْ؟
أوَتذكرينَ
تربُّصَ الدنيا بنا
وضياعَ خطوتِنا
ارتباكَ عبورِنا
بين الهواجسِ والرؤى الحيرى
إلى هذا الركامْ؟
لكنَّنا
سرنا
لبيتِ الشمسِ
نُوقِظُها
ونكتبُ في جبينِ الفجرِ
أولَّ خطِّنا
ونطيرُ في هذا الفضاءِ
كأنَّنا
الأقواسَ
واليدَ والسهامْ!
يا بنتُ
لسنا وحدنا
إنَّ المعيةَ فكرةٌ
فتحاملي
حتى على جرحٍ بقلبِكِ
لا يكلُّ
ولا يملُّ
ولا يُنيمُ
ولا ينامْ!
"وأحسستُ أنك يوم ارتحلت
أخذت مفاتيح قلبي..
فما عاد يهفو لطيفٍ سواك
وما عاد يسمع إلا نِداك..
وأنك حين ارتحلت
سرقت تعاويذَ عمري
فصارَ مُباحًا
وصارَ مُشاعًا"
هل جربت أن تمتلك في داخلك عالمًا تجد فيه الأُنس والجمال والثراء، عالمًا يغنيك عن اللهث خلف حياة غيرك، أو الانشغال بخصوصيات الناس، أو الاهتمام بالسفاسف، عالمًا تشتاق إليه كلما ابتعدت عنه، يحوي حكاياك، أحلامك، إنجازاتك؛ هنيئًا لكل من امتلَك هذا العالم بين جنبيه.
— شروق القويعي