في طرفٍ قديم من الكرك،
كان هناك بئرٌ لا ماء فيه
لم يكن عميقًا جدًا
ولم يمت فيه أحد
ولم تُحكَ عنه معجزة
تستحق أن يتناقلها الناس.
غرابته الوحيدة أنه لم
يكن يعيد الصوت
إذا انحنى طفل فوقه وصاح باسمه
ابتلع البئر الاسم.
إذا رميت حجرًا،
سمعت ارتطامه في القاع
أما الكلمات، فلا
لهذا كان أهل الحي يسمّونه
البئر الأصمّ
وكانوا يمرّون به كما يمرّ الناس
بالأشياء التي عجزوا عن تفسيرها
حتى ملّوا الخوف منها
إلا امرأة اسمها م��يم
كانت تأتي إليه كل خميس
بعد الغروب
تنحني فوق فمه
وتقول جملة واحدة،
ثم تعود إلى بيتها.
فعلت ذلك ثلاثين عامًا
لم يعرف أحد ماذا تقول
وحين شاخت
بدأت حفيدتها ترافقها.
كانت تنتظرها بعيدًا،
عند شجرة تين شقّت جذورها الصخر
وتراقب جدّتها تضع كفّيها
على حافة البئر وتهمس
ذات مساء سألتها:
لماذا تتكلمين معه إذا كان لا يجيب؟
قالت مريم:
لأنه لا يعيد الكلام.
لم تفهم الطفلة
فأضافت:
الناس يعيدون كل شيء.
وسكتت.
ماتت مريم في أول شتاء
بعد دفنها بأيام
ذهبت الحفيدة إلى البئر وحدها
كانت المدينة تحت المطر تبدو
أقدم من نفسها
حجارة البيوت داكنة
والقلعة بعيدة فوق المرتفع
والضباب يأكل أطراف الجبال
حتى كأن الكرك آخر قطعة يابسة بقيت
في العالم
وقفت عند البئر
انحنت
أرادت أن تقول شيئًا لجدّتها
لكنها لم تعرف ماذا
فقالت اسمها فقط:
مريم
للمرة الأولى منذ أن عرف
أهل الكرك ذلك البئر،
عاد صوت
لكنه لم يقل:
مريم
قال اسم رجل
ارتدت الفتاة إلى الخلف
لم تعرف الاسم
عادت إلى البيت وسألت أمها عنه
تغيّر وجه أمها
قالت:
من أين سمعتِه؟
من البئر.
جلست الأم
وبعد صمت طويل،
أخبرتها أن ذلك كان اسم شاب
أحبّته مريم قبل زواجها
اختفى في سنة بعيدة
ولم يعرف أحد إن كان هرب
أو قُتل
أو ابتلعته واحدة من الحروب
التي كانت تمرّ بالبلاد
وتترك الأمهات وحدهنّ مع الأبواب
لم تتحدث مريم عنه قط
فهمت الحفيدة عندها ما كانت
جد��ها تفعله ثلاثين عامًا
لم تكن تذهب إلى البئر لتتكلم
كانت تذهب لتضع شيئًا فيه
كل خميس،
كانت تأخذ ذكرى صغيرة
من صدرها وتتركها في الظلام
لعل قلبها يصير أخف.
لكن القلوب لا تخفّ بهذه السهولة
والآبار، مثل البشر،
تمتلئ حتى حين لا يكون فيها ماء.
مرّت أعوام
هُدمت بيوت، وبُنيت أخرى،
وغادر أبناء كثيرون إلى عمّان والخليج وبلاد أبعد لا تعرف شيئًا عن حجارة الكرك
ثم قررت البلدية ردم البئر
قالوا إنه خطر على الأطفال
جاء العمال في الصباح بشاحنة من التراب.
وحين ألقوا أول حمولة،
خرج من البئر صوت
ثم صوت آخر
ثم مئات الأصوات
توقّف الرجال
لم تكن صرخات
كانت أسماء
أسماء رجال ونساء وقرى
وأطفال
ووعود وأماكن
ثلاثة قرون من الكلام الذي
لم يُقل خرجت دفعةً واحدة،
حتى امتلأ الوادي بالأسماء
وتوقفت المدينة كلها كأن أحدًا
ناداها باسمها القديم كركا.
ثم سكت البئر
وبقي البئر مفتوحً��.
البيوت يمكن أن تُهدم،
والوجوه يمكن أن تُنسى،
والأسماء يمكن أن تمّحي
عن شواهد القبور
لكن ما لم نستطع قوله
في حياتنا
يبحث دائمًا
عن فمٍ آخر.
أعرف الآن ..
ما الذي يحدث
لا يمكنك الحفاظ
على كل شخصٍ
في حياتك للأبد
ثمّة أشخاص
يُقصد من وجودهم
أن يكونوا شمسًا
تشرق كل مرّةً عليك
تضيء ما حولك
وتخلّصك من عتمتك
ثمّة أصدقاء، عشّاق
ليس مهمًا أنك أجريت
محادثةً عميقةً
مع أحدهم عند الثانية صباحًا
ليس مهمًا أنك شاركت قلبك
حتى لو لايزال
بإمكانك رسْمَ
خطوط ابتسامتهم
مثل خريطةٍ لطريقٍ تألفه
لابدّ وأن يأتي وقتٌ
للمضيّ قدُمًا
لإطلاق سراحهم
بعيدًا عن ذلك
أردتك فقط أن تعرف؛
ستشعر دائمًا
كما لو أنك البيت
بالنسبة لي
مهما كان ذلك مؤقّتًا
إلا إنّه يظلّ جميلًا.
أحيانًا..
يكون الوداع قاسي��ا؛
رغم أبدية فعل المغادرة
يظل الآخر محتلًا
المساحة الكبيرة
ذاتها داخل صدرك
ال��داع ليس الخاتمة
ليس خط النهاية
الذي يتوجب
عليك عبوره لتنسى
أترى..
من الصعب التراجع
عن حب أحدهم
من الصعب انتزاع
رائحته من أكياس
الوسائد
أو تجاهل اسمه
عندما يقال
من الصعب نسيان
شعور التعلق
بجمال أحدهم
وراحتك معه
الناس لا يختفون؛
يظهرون
على نواصي
الشوارع
وفي الضحكات
المألوفة
الوداع..
ليس مثلما يدعي
البعض سهلًا
الوداع..
ليس وداعًا
حقًا
ليس لمن
لا يزال يهتم
ليس لمن
بقي وسط
حطام الإعصار
الذي أحب يومًا.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك .. ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك
اللهم متعنا باسماعنا و��بصارنا وقوتنا ما احييتنا .. واجعله الوارث منا
اللهم لا تسلب منا الايمان فإنك من سلبته منه فإنك لا تعيده له ابداً
اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا .. ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا
اللهم اجب لنا دعائنا في ساعةٍ ويومٍ تستجاب به الدعوات يا رب العالمين
🤲🏼