لا أقترب كثيرًا .. ولا أبتعد تمامًا، أكتفي بأن أكون ظلًّا خفيفًا لا يلتصق بأحد .. ولا ينطفئ لأجل أحد، أتعلم أن ما يليق بروحي يأتي بلا ضجيج، وما يرحل عنها يمضي وكأن الليل ابتلعه.
لذلك .. أفتح قلبي للطمأنينة، وأغلقه عمّا يثقلني، وأمشي بخطواتٍ تعرف طريقها حتى في العتمة.
يوماً ما، تبتعد بخطوات هادئة، تظن أن غيابك سيحدث دوياً أو يترك فراغاً، لكنك تكتشف أنك انسحبت من حياة أحدهم كما تنزلق قطرة ندى من على ورقة شجر .. بلا أثر، وبلا نداء يرجوك أن تعود، بل ربما براحة صامتة وكأن غيابك كان أمنية لم يجرؤوا على البوح بها.
ومشاعرنا أثمن من أن تنثر في طريق من لا يقدرها.
في النهاية، تبتسم بقلب صاف وإن كان متعباً، تتنهد بهدوء وتتذكر صوت الجدات الدافئ، حين كن يختصرن كل فلاسفة الأرض بكلمات تشبه رائحة الخبز والمطر، يقلنها بتسليم مطلق للسماء: الله جاب .. الله خد .. الله عليه العوض.
مهووس بالتخفّي والهروب من الأنظار، يحدق بموطئ قدميه حين يمشي لكي لا يصطدم بأعين المارة، ينتظر انشغال الأصدقاء لينسحب، يقف خلف الزحام، يتسلّل بخفّة من الحشد، ينتبه من شروده بحذر، ويتحاشى التلويح بعمد..
لا يختبئ، هو موجود .. لكنه يقاتل كي لا يلحظه أحد.
عن الشعور باللا شيء، الفراغ تمامًا، كما لو كانت روحك مثقوبة برصاصة جندي غاضب.
الوقت يجر أطرافه، وحراس الأفكار غائبين.
عن الوقت المتوقف بحيرة، لا لحظات سابقة ولا أحلام مستقبلية .. عن التلاشي والرغبة بالاختفاء الأبدي.
لا أقترب كثيرًا .. ولا أبتعد تمامًا، أكتفي بأن أكون ظلًّا خفيفًا لا يلتصق بأحد .. ولا ينطفئ لأجل أحد، أتعلم أن ما يليق بروحي يأتي بلا ضجيج، وما يرحل عنها يمضي وكأن الليل ابتلعه.
لذلك .. أفتح قلبي للطمأنينة، وأغلقه عمّا يثقلني، وأمشي بخطواتٍ تعرف طريقها حتى في العتمة.