مِن أحَبّ ما يُحبّه اللّهُ في عبِده أنِ يَنسبَ كلَّ فضل إليه، وألا يرى لنفسه حولًا ولا قوّة؛ فالموفَّق حقًّا من يعلم أنَّ نجاحه بتيسير الله، ورزقه بكرم الله، وطمأنينته بعون الله، وأنّه لولا اللّٰه ما اهتدى، ولا اجتهد، ولا وصل! يحبّ أن يسمع من عبده: "هذا من فضل ربي"، "الله وفقني، اللّٰه يسّر لي، اللّٰه علّمني، اللّٰه فتح علي، اللّٰه رزقني"
ولو لم يُرد اللّٰه لعبده التيسير، لما استطاع الوصول مهما اجتهد؛ فانسبوا كل جميل إلى الله؛ فإنّ الفضل كلّه منه، ومن نَسَبَ النِّعَمَ إليه أحبَّه اللّٰه وبارك له في كل ما أوتي، وزاده من فضله وكرمه
وعكس ذلك ما قاله قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، فنسب الفضل إلى نفسه، فكانت عاقبته أن خسف الله به وبداره الأرض؛ فالسعيد من نسب النعمة إلى مُنعمها، والشقي من اغترَّ بها ونسي واهبها
كلما ازددتُ تأملًا في هذا الدين العظيم ازددتُ يقينًا بأنه الحق الذي ارتضاه الله لعباده؛ دينٌ جمع بين صلاح العقيدة، وكمال الشريعة، وجمال الأخلاق، فلم يترك بابًا من أبواب الخير إلا دلّ عليه، ولا خُلُقًا كريمًا إلا حثّ عليه!
تقرأ القرآن فتجده سُبحانه يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾، ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾..
ثم تقرأ في السنة النبوية الشريفة، فتجد المصطفى ﷺ يربط كمال الإيمان بسلامة الصدر ومحبة الخير للغير حين قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وفي بيته: "يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق"، "من لا يرحم لا يُرحم"
عظمة هذا الدين لا تكمن فقط في دعوته للمحبة والرفق واللين والتسامح والعطف!، بل في أنه جعل لنا أجوراً عظيمة على هذه المشاعر الخالصة والتعاملات اللينة، ليتحول المجتمع المسلم بفضل هذه التوجيهات إلى جسد واحد يشد بعضه بعضاً!
"لو تذكّرت سابق فضله عليك لما خفت شيئًا! لو تذكّرت عظيم لطفه سبحانه، وكم مرة نجاك من كرب ظننت أنك هالك فيه، وستره لك رغم عصيانك، ورزقه لك بالكثير من حيث لا تحتسب، لاطمأن قلبك، وما كنت الآن مشغولًا بتدبير أمورك وكأنك وحدك! مهمومًا قلقًا، ناسيًا أننا محاطون بلطفه! فاستودع أمرك لله، وأحسن الظن به، فما خاب قلبٌ تعلّق بربّه؛ وأعيذك بالله أن تكون الدنيا أكبر همك"
طُوِيَت صحفُ مواسمِ الطَّاعاتِ يا عبدَ الله، انتهى رمَضان، وولَّت العشرُ الأواخر، انقضت ستَّ شَوال، خُتِمت العشرُ الأوائل، وودَّعَنا عرَفة، الثابت على طاعة اللّٰه يُدرك أن الحياة كلها سفرٌ إلى اللّٰه فلا يزال يتنقل مِن عبادة إلى آخرى حتى آخر رمق له فيها! قال السعدي عند قول اللّٰه ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾: "استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى اللّٰه بأنواع العبادات .. حتى يأتيك الموت"
قال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-: دعاء يوم عرفة مجاب كلُّه في الأغلب.. وقال الأوزاعي: «أدركت أقوامًا كانوا يخبئون الحاجات ليوم عرفة ليسألوا الله بها»
لستُ ممّن يكثرون ذكر تجاربهم، لكنّي والله ما دعوتُ الله في يوم عرفة بدعوةٍ إلا رأيتُها تتجلّى كفلق الصبح
اللهم ما سألناكَ من خيرٍ فأفضْ علينا منه، وما قصُر عنه دعاؤنا ولم تبلغه مسألتنا فابتدِئْنا به من واسع فضلك، إنك أنتَ الجواد الكريم، البرُّ الرحيم
فضل يوم عرفة: ينزل اللّٰه إلى السماء الدنيا يوم عرفة في عشية عرفة، حيث أن عشية عرفة هي الوقت ما بعد صلاة الظهر وحتى آخر وقت النهار وهو غروب الشمس، ليسمع شكوى المظلوم ويستجيب دعاء المؤمن ويرفع هم المهموم ويجبر قلب المكسور ف ألِحُّوا بالدعاء لأنفسكم ولمن تحبون
صيام يوم عرفة يكفر سنتين من الذنوب سنة قبل وسنة بعد! قال النبي ﷺ: (صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ على اللّٰه أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)
الدعوة فيها مستجابة لا تُرد أمامكم أعظم الساعات، وفيها كثرة العتق من النار، وفيها مباهاة اللّٰه بأهل عرفة أهل السماء
قال ابن رجب -رَحِمهُ الله-: وأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره
فتح الباري (16/9)
إجابة الدعاء في يوم عرفة هو ثمرة قلبٍ تهيأ وتأدّب في محراب الطاعة خلال الأيام العشر التي سبقتْه
فكأن الله سُبحانه يربّي قلوبنا في هذه العشر، ويُطهرها بالذكر والعمل الصالح، لتصل إلى يوم عرفة وهي في أعلى مقامات القرب والإنكسار، فتنهمر الدعوات صادقة، وتُفتح لها أبواب السماوات؛ فمن أحسن استقبال العشر بالطاعات، وأقبل فيها على ربّه بصدق، كان حريًّا أن يُستجاب دعاؤه في يوم عرفة، وأن ينال من فضل الله ورحمته ما تقر به عينه
فكلما ازددت من الله قربًا بالطاعات في هذه الأيام؛ كلما كنت أرجى إجابةً، وأقرب رحمةً في يوم الموقف العظيم.. فاغتنم هذه الأيام، وأكثر فيها من الذكر والطاعة، لعلّها تكون سببًا في إجابة الدعوات وفتح أبواب الرحمات
"من رحمة اللّٰه أنهُ لمّا جعلَ #عشر_ذي_الحجة أفضل الأيام، فضّل "الذِكر" فيها لِسهولته، حتى ينال الأجر كل راغِب ولا يُحرم منه إلا مَن يستحق الحرمان"
ومن شعار المؤمنين في العشر تعظيم اللّٰه بتكبيره وإعلان ذلك جهرًا به: اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، اللّٰه أكبر، والله الحمد
الصيام من أفضل الأعمال وأعظمها أجرًا، وإذا وافق أفضل أيام الدنيا تضاعَفَ أجره وتعاظَمَ شأنه، فمن قوي على الصيام في #عشر_ذي_الحجة، فلا يفرط فيه؛ عمل لا مثل له في أفضل أيام الدنيا
الراوي أبو أمامة الباهلي: "يا رسول اللّٰه مرني بعمل قال عليك بالصوم فإنَّهُ لا عدل له"| خلاصة حكم المحدث: صحيح
مع قرب #عشر_ذي_الحجة نصيحتي: "لا تُفرّط في ختمةٍ واحدة على الأقل، وهي والله يسيرة، وأنتَ في خير أيام الدنيا والعمل الصالحُ فيها أحب إلى اللّٰه من غيرها، والقرآن أحب الأعمال التي يُتقرب بها إلى ربِّ العزة والجلال"
ختم القرآن في عشر ذي الحجة:
اليوم الأول: من سورة الفاتحة إلى سورة آل عمران
اليوم الثاني من سورة النساء إلى سورة المائدة
اليوم الثالث: من سورة الأنعام إلى سورة التوبة
اليوم الرابع من سورة يونس إلى سورة الإسراء
اليوم الخامس : من سورة الكهف إلى سورة النور
اليوم السادس من سورة الفرقان إلى سورة فاطر
اليوم السابع من سورة يس إلى سورة الحديد
اليوم الثامن من سورة المجادلة إلى سورة الناس
اليوم التاسع: يكون للدعاء والتهليل والتكبير