مهتم بالتاريخ، والأدب، والفكر، ومؤلف كتاب بلاد ما وراء النهر، فائز بجائزة الدولة التشجيعية لعام 2024م عن جائزة التاريخ والآثار، وعضو في رابطة الأدباء الكويتيين.
هناك عدد غير قليل من علماء التراث العربي الإسلامي لا نكاد نعرف من سيرهم إلا النزر اليسير؛ فما وصل إلينا عنهم غالبًا يقتصر على ما دوّنوه بأنفسهم في مؤلفاتهم العلمية من أسمائهم، وأسباب تأليف كتبهم، وبعض الأخبار والقصص المتناثرة بين ثنايا مصنفاتهم، مما يتيح للباحث أن يرسم صورة عامة، وإن كانت ناقصة، عن حياتهم وشخصياتهم.
ومن أبرز هؤلاء العلامة بديع الزمان إسماعيل الجزري، صاحب كتاب «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل»، إذ استطعنا التعرف إلى شيء من سيرته من خلال ما ذكره في مقدمة كتابه عن نفسه، ومصادره، والملك الذي ألّف الكتاب باسمه. وكذلك شرف الزمان المروزي، المعاصر للسلطان السلجوقي ملك شاه، ويحيى بن العوام الإشبيلي، وغيرهم كثير من علماء الهندسة والعلوم الطبيعية، ويرجع ذلك في جانب كبير منه إلى أن أصحاب كتب التراجم والتاريخ لم يولوا المهندسين وعلماء الطبيعيات العناية نفسها التي أولوها لعلماء الفقه والحديث والأدب وسائر العلوم الشرعية واللغوية. ومن ثمّ أصبحت ندرة المعلومات عن هؤلاء العلماء إحدى الإشكاليات الكبرى التي تواجه مؤرخي العلوم العربية.
قدّمت الراحلة الدكتورة ماجدة مخلوف، رحمها الله، للثقافة العربية مؤلفات رصينة وأبحاثًا قيّمة، غير أن أعظم ما خلّفته يتمثل في ترجمتها لكتابين من أنفس ما نُقل إلى العربية. أولهما مذكرات الأمير التيموري بابُر، ذلك السلطان المغامر الذي فقد ملكه في سمرقند، فخرج منها ليؤسس لنفسه إمبراطورية مترامية الأطراف في الهند. وثانيهما كتاب التراث العلمي العثماني، الذي يتناول سير العلماء العثمانيين وإسهاماتهم في مواصلة مسيرة العلوم العقلية، واستكمال ما شيده علماء الحضارة الإسلامية عبر القرون السابقة.
كتب عالم النبات والفلاح العظيم يحيى بن العوام الإشبيلي -عاش في القرن السادس الهجري- كتابه الشهير الفلاحة الأندلسية، الذي يعد من أبرز المؤلفات في مجاله. يبلغ حجم الكتاب حوالي 1000 صفحة، ويتضمن 34 فصلًا تتناول موضوعات متعددة، منها الزراعة وتربية الحيوانات، بالإضافة إلى تقديم إرشادات دقيقة للمزارعين، ويحتوي الكتاب على وصف تفصيلي لـ 585 نوعًا من النباتات، وشرح طرق زراعة أكثر من 50 نوعًا من أشجار الفاكهة. كما تناول خصائص التربة وإعدادها، واستخدام السماد الطبيعي، وأمراض النباتات وطرق علاجها. لم يقتصر محتوى الكتاب على الزراعة فقط، بل شمل أيضًا العديد من العلوم والمعارف المتعلقة بالنبات والحيوان.
وكان ابن العوام أول من قدّم فكرة الريّ بالتقطير، ولعلّ ضعف معرفة كثير من مؤرخي العرب بإسهاماته جعل إسرائيل تنسب هذا الابتكار إلى نفسها. غير أن المهندس الزراعي التونسي صلاح الدين عمامي كان أول من أشار إلى سبق ابن العوام في هذا المجال، وذلك خلال مؤتمر عالمي لتاريخ العلوم عند العرب عام 1983م، حيث احتج على هذه الدعوى وقدم حججًا دامغة تثبت أسبقية العالم الأندلسي. وقد لقيت جهوده تقديرًا كبيرًا، حتى إن الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت استدعاه آنذاك وكرّمه.
من خلال الأخبار علمتُ برحيل المؤرخة الجليلة والمترجمة القديرة الدكتورة ماجدة مخلوف، أستاذة التاريخ العثماني بجامعة عين شمس، وصاحبة الإسهامات العلمية في التأليف والترجمة.
عرفتُ الراحلة أول ما عرفتها من خلال ترجمتها الرائعة لمذكرات بابُر شاه، ثم تابعتُ بعد ذلك مؤلفاتها وترجماتها ومحاضراتها التي كشفت عن علمٍ راسخٍ وجهد دؤوب. وكان بيني وبينها تواصل غير مباشر عبر أحد الأصدقاء، إذ أرسلتُ إليها نسخة من كتابي، إنه لخبرٌ حزين أن تفقد الساحة العلمية العربية هذه القامة الأكاديمية، التي أفنت عمرها في خدمة التاريخ الإسلامي وتراثه.
رحم الله الدكتورة وأسكنها الفردوس الأعلى.
لقد أدرك العرب، منذ فجر دولتهم، المكانة الرفيعة التي حظي بها فلاسفة اليونان وعلماؤها، فكان للمؤلفات اليونانية النصيب الأوفر في حركة الترجمة التي ازدهرت في بغداد. وقد أشرف الخلفاء العباسيون ووزراؤهم على ترجمة عدد كبير من تلك المؤلفات، فكوّنوا نخبة من المترجمين من الفرس والسريان واليهود والعرب للعمل على نقلها إلى العربية. وفي هذا الكتاب يتناول المستشرق الإنجليزي دي لاسي أوليري كيفية انتقال العلوم اليونانية إلى المشرق بعد فتوحات الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، متتبعًا ذلك من خلال الوقائع السياسية والثقافية التي أسهمت في انتشار التراث اليوناني وتداوله بين الأمم الشرقية.
كان زكي مبارك أحد الأسماء البارزة في الأدب المصري الحديث؛ فإلى جانب حصوله على ثلاث شهادات دكتوراه، إحداها من جامعة السوربون، عُرف بقلمه الحاد وشخصيته الجدلية، وكان ناقدًا أدبيًا ذا مكانة رفيعة. غير أنه أمضى جانبًا كبيرًا من عمره في مقارعة الخصوم وكشف عيوب مخالفيه، حتى طغت معاركه القلمية على عطائه الفكري. ولعلّه لو بذل طاقته الهائلة في التأليف العلمي وبناء الأفكار لكان قد تجاوز كثيرًا من أدباء عصره، لكنّه آثر خوض السجالات الأدبية على التفرغ لمشروع فكري أكثر اتساعًا وعمقًا.
كذلك نجد - استاذ فهد - في سير الشخصيات العظيمة نماذج اجتمع فيها علوُّ العلم مع قصورٍ في الخُلُق؛ فليس كل عظيمٍ في علمه عظيمًا في سجاياه. ومن ذلك ابن سينا، الذي بلغ منزلة رفيعة في العلم والمكانة في عصره، وظل تأثيره ممتدًا عبر القرون. ومع ذلك، تذكر بعض المصادر أنه كان شديد الاعتداد بنفسه؛ إذ استهان بفلاسفة بغداد وألقى مؤلفاتهم على الأرض، كما أنه لما التقى الفيلسوف مسكويه سخر منه على الرغم من أن مسكويه كان يكبره بنحو خمسين عامًا. غير أن هذه المآخذ، على ما فيها، لم تُنقص من مكانة ابن سينا العلمية، لما قدّمه من إسهامات عظيمة تركت أثرًا بالغًا في تاريخ العلم والفكر.
#حديث_المنازل_والديار
لا تحتاج سوريا إلى المُولات. المُولات في بلاد المُولات مخصصة أصلاً لفئتين:
1 - الذين لا يجدون وقتًا للتسوق فيذهبون بعد ساعات العمل فيشترون ما يحتاجون من مكان واحد. وقد تراجعت هذه الفئة بعد انتشار الشراء عبر الشبكة العنكبية؛
2 - الأماكن الحارّة جدًا التي يحتاج الناس فيها إلى التسوق في أماكن مكيفة.
التسوق في سوق الحميدية في دمشق الذي ينتهي عند الجامع الأموي، أو في السوق الطويل في حماة، أو في سوق المدينة في حلب - على سبيل المثال لا الحصر - متعة لا يعرفها إلا الراسخون في العلم😀
للتو عدنا من رحلة جميلة إلى سورية استمرت عشرة أيام، تنقّلنا خلالها بين دمشق وحمص ثم الساحل السوري الساحر بمدنه وقراه المتناثرة على ضفاف البحر. وسورية بلد لا تكفي كلمة الجمال وحدها لوصفه؛ فهو بلد عظيم بروعة طبيعته، وتنوّع بيئاته، وسحر تاريخه وآثاره، رغم مشاهد الدمار التي لا تزال ماثلة في بعض مناطقه، ولا سيما حمص وأرياف دمشق. غير أن الزائر سرعان ما ينسى تلك المشاهد أمام دماثة أخلاق السوريين، وحسن معاشرتهم، وكرم ضيافتهم، وطيب طعامهم.
واللافت أن هذه الأخلاق ليست حكرًا على فئة دون أخرى، بل هي خصلة راسخة في وجدان المجتمع كله؛ فالكرم، والكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة ترافقك أينما حللت، من ضفاف بردى في دمشق إلى شواطئ طرطوس، وصولًا إلى أطراف كسب، حيث تنتصب الجبال الخضراء الشاهقة
يذكر الأديب القبطي لويس عوض في مذكراته (أوراق العمر) أن أساتذته من أقباط مصر كانوا يتدارسون القرآن الكريم باعتباره كتابًا أدبيًا شديد الأهمية، لما له من مكانة رفيعة في اللغة العربية وآدابها.
لا تزال البحوث والدراسات التي تتناول العصر الأموي تتزايد مع تطور مناهج البحث التاريخي، ولا ريب أن حساسية ذلك العصر وعظمة أحداثه كانتا من أبرز الدوافع التي حملت الباحثين على سبر أغوار تاريخه واستجلاء خفاياه. فعلى الرغم من قصر الحقبة الأموية زمنيًا، فإنها تُعد من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي تعقيدًا، لما شهدته من فتن وصراعات داخلية وفتوح واسعة غيّرت وجه العالم الإسلامي.
ويزيد من صعوبة دراسة هذا العصر أن معظم المؤلفات التي وصلتنا عنه دُوِّنت بعد زوال الدولة الأموية بعقود طويلة، كما اندثر كثير من آثارها العمرانية التي تمثل دليلًا ماديًا مهمًا على أحداث التاريخ وتطوراته. ومع كثرة ما كُتب عن هذه المرحلة، أرى أن من أبرز ما أُلِّف فيها كتاب (الدولة الأموية) للمؤرخ يوسف العش، وهو من أجود ما كُتب في بابه، وإن كان يؤخذ عليه ميله إلى النظرة المثالية للعصر الأموي. كما يُعد كتاب (تاريخ الدولة العربية) للمستشرق الألماني يوليوس فلهاوزن من أكثر الدراسات جدية وعمقًا في التحليل والنقد، على الرغم من أنه كُتب من منظور استشراقي واضح.
أكثر القضايا التي ناقشها جورج صليبا في مؤلفاته وأبحاثه إشكالية تطور العلوم العربية بعد زمن الإمام الغزالي، الذي حمّله عدد غير قليل من المستشرقين الغربيين مسؤولية انحطاط العلوم العربية. وقد أبطل صليبا هذه التهمة من خلال تتبعه نشأة العلوم وتطورها قبل الغزالي وبعده، ليصل إلى نتيجة مدعّمة بالحجج والبراهين، مفادها أن العلوم بعد الغزالي، ولا سيما الفلك والرياضيات، شهدت تطورًا ملحوظًا. واستند في ذلك إلى دراسة مؤلفات كبار العلماء، مثل نصير الدين الطوسي، ومؤيد الدين العرضي، وابن الشاطر، والخفري. بل إن صليبا يرى أن انحطاط العلم العربي كان ذا أسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، وفي مقدمتها اكتشاف رأس الرجاء الصالح وتحول مسارات التجارة العالمية، مما أثّر سلبًا في اقتصاد العالم الإسلامي، وانعكس بدوره على الحركة العلمية فيه.
وفد المستشرق اليهودي المجري أرمينيوس فامبري إلى بخارى سنة 1862م في مطلع شبابه، متخفّيًا بزيّ صوفي، وكان يتقن عدة لغات، منها التركية والفارسية والأوزبكية. وقد جمع خلال رحلته معلومات غزيرة عن تاريخ بلاد ما وراء النهر وجغرافيتها، ثم ألّف كتابه الشهير تاريخ بخارى.