حين يكون المعلّم مدرسةً
للعلم رجالٌ يتركون أثرهم في العقول قبل الدفاتر، وفي الأخلاق قبل الشهادات، فإذا جرى ذكرهم لم نستحضر أسماءهم وحدها، بل عادت معهم سنواتٌ كاملة من العمر؛ بما فيها من براءة البدايات، وشوق التعلّم، ووجوه الزملاء، وهيبة المعلّم، والذكريات التي لا يبهت لونها مهما تعاقبت السنون. ومن أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم في نفوس أبناء الأبواء بالعلم والتربية الأستاذ الفاضل حمدي بن حمادي بن سلوم المحمدي رحمه الله، الذي أمضى سنواتٍ من عمره معلِّمًا في مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، وانفضّت تلك الصفوف منذ أعوام، وما زال كثيرٌ من طلابها يذكرون معلّمهم بكل محبة وامتنان.
إذا وقف في فصله بدأ حديثه في هدوء، ثم أخذ يقرّب المعنى إلى طلابه بأسلوبٍ واضح، فلا يضيق بسؤال، ولا يمل من إعادة البيان، حتى تتكشف الفكرة في الأذهان، فإذا تناول التاريخ ربط الأحداث بأسبابها ونتائجها، وإذا شرح الجغرافيا وصل بين الخرائط وواقعها، وربط أسماء ال��لدان والجبال والبحار بما يعين على فهمها واستقرارها في الذاكرة، حتى يخرج الطالب من الدرس وقد ازداد فهمًا، لا حف��ًا فحسب.
أما العربية، فقد كانت رفيقة حديثه ودروسه، وقد تولّى تدريسها زمنًا، فازدادت صلته بها رسوخًا، يحفظ من الشعر ما يروق لفظًا ومعنى، ويستشهد به في موضعه، ويقف عند الإعراب وقفة المتمكن، ويضبط الألفاظ ضبطًا دقيقًا، ولم يكن يقف بطلابه عند حدود المقرر؛ بل كان يفتح لهم أبوابًا أخرى، فيذكر كتابًا نافعًا، أو شاعرًا مجيدًا، أو حادثةً تاريخية، فيخرج الطالب من حصته وقد حمل سؤالًا جديدًا، أو رغبةً في كتاب، أو شوقًا إلى معرفةٍ تمتد إلى ما وراء صفحات المقرر.
وكان له مع القرآن صحبةٌ لا تنقطع؛ لا يكاد يترك ورده اليومي من كتاب الله. وكانت إذاعة القرآن الكريم رفيقة يومه�� يأنس بتلاوتها، ويجد في آياتها سكينةً تملأ قلبه، حتى غدت جزءًا من عاداته التي عرفه بها من خالطه، ولم يكن ذلك مما يتحدث به، وإنما سلوكٌ هادئ لازم حياته، فانعكس على سمته، و��دوء طبعه، ولين جانبه، وحسن معاملته للناس.
ولم يكن أثره في طلابه ثمرة شرحه وحده؛ فقد كانت أخلاقه تسير إلى جانب علمه. ربّى بهدوئه قبل حديثه، وبابتسامته قبل نصيحته، وبحسن معاملته قبل توجيهه. عرفه طلابه هادئ الطبع، حسن المعاملة، عادلًا في تعامله، قريبًا من النفوس، يوجّه برفق، ويغرس القيم بسلوكه قبل كلماته، فكانت أخلاقه درسًا لا يقل أثرًا عن الدروس التي ألقاها.
وخارج أسوار المدرسة، عُرف أبو حسني وفيًّا في صداقته، حافظًا للود، جميل العشرة، متواضعًا قريبًا من الناس. عرف للصحبة حقها، وللمودة قدرها، وكانت الزيارة عنده لغةً من لغات الوفاء؛ يصل بها من يحب، ويؤنس بها من يزور، ويجدد بها عهود المودة. فلا تكلف في مجلسه، ولا تصنع في حديثه، وإنما وجهٌ بشوش، وكلمةٌ رقيقة، وتواضعٌ يرفع صاحبه في القلوب قبل المجالس.
لهذا لم يكن حضوره في ذاكرة طلابه وأصحابه مرتبطًا بحصةٍ دراسية، أو مجلسٍ عابر، بل بصورة إنس��نٍ أحبوه لخلقه كما أحبوه لعلمه. فإذا اجتمع بعضهم، أو دار الحديث عن مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، عاد اسمه حاضرًا بينهم، وكأن المجلس لا يكتمل حتى يكون له فيه ذكر؛ يبتسمون وهم يستعيدون أيامًا جمعتهم به، ويتحدثون عن هدوئه، ولطف عبارته، وحسن استقباله لطلابه، ثم يمضي الحديث، ويبقى اسمه آخر ما يغادر المجلس. ومهما تباعدت الأيام، وتعاقبت السنون، بقيت صورته في القلوب على صفائها الأول؛ فلم تستطع السنون أن تبهت ذكره، ولا أن تنزع من النفوس تلك المودة الصادقة التي غرسها بحسن خلقه، ولطف معاملته، وتواضعه الذي عُرف به.
وأجمل ما يتركه الإنسان بعده ذكرٌ يبتسم له الن��س كلما ذُكر، ويدعون له كلما مر اسمه على ألسنتهم. ظل الأستاذ حمدي حاضرًا في الدعوات، وفي الأحاديث، وفي الذكريات الجميلة التي يأنس بها من عرفوه، حتى غدا ذكره بابًا يُفتح على زمنٍ يحن إليه أصحابه كلما أقبل الحديث عن أيام الدراسة.
رحم الله أستاذنا الجليل أبا حسني رحمةً واسعة، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وجعل ما علّمه من علم، وما ربّى عليه من أخلاق، وما غرسه من قيم، وما حفظه من ود، في موازين حسناته.
اللهم أفض عليه من واسع رحمتك، واجعل القرآن العظيم شفيعًا له، واجعل ما تركه في نفوس طلابه ومحبيه نورًا يجري له أجره، وارفع درجته في عليين، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأكرم نزله في جنات النعيم، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
قال رسول الله ﷺ:
«إنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنَّة، وإنَّ الرجلَ ليَصدُقُ حتى يُكتبَ عند اللهِ صدِّيقًا»
— رواه البخاري ومسلم