لم يكن الشيخ #عبدالله_المحسن فقيهًا فحسب، بل كان موسوعيَّ المعرفة؛ فكتب في العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والتجويد، ولم تقف عنايته عند العلوم الشرعية، بل برع في الأدب والبلاغة، حتى كتب منهجاً في النصوص الأدبية للصف الثالث الثانوي في معهد الجامعة الإسلامية عام 1388 هجرية
القرآن العظيم في حياة الشيخ العالم عبدالله صالح المحسن رحمه الله
الحمد لله، أما بعد:
فقد كان القرآن العظيم هو أساس البناء العلمي والإيماني عند علماء الشريعة، ومنه تنبثق سائر العلوم الشرعية، ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أكثر العلماء رسوخًا في العلم أشدَّهم صلةً بكتاب الله حفظًا وتلاوةً وتدبرًا وقيامًا و تعلُّماً وتعليمًا.
ومن تأمل سير العلماء العظماء وجد أن القرآن العظيم كان نقطة التحوّلِ والانطلاق في حياتهم العلميِّة، فمن القرآن العظيم استمدُّوا قوة الحفظ، وصفاء الفهم، وحسن الاستنباط، وثبات الرأي، وثبات العبادة، حتى صار القرآن الكريم ظاهرًا في علمهم ضميناً لقِيَمهم وقِيْمتهم.
ولعلَّ من هؤلاء العلماء العالم الجليل الشيخ عبدالله صالح المحسن رحمه الله فهو ممن نشأ على القرآن العظيم وجعله قاعدة للتعلُّم والتعليم.
كان القرآن العظيم أوَّل علمٍ تلقّاه الشيخ بشغف، وأوّلَ علمٍ منه حفظ؛، ثم لازم القرآن العظيم علماً وعملاً ما بين إمامته للمصلّين، إلى تعليمه في الكتاتيب للصغار، ثمّ تعليمه في المدارس والجامعة للكبار، وإلى تدوينه وتأليفه للكتب في التجويد والتفسير والتدبّر؛ حتى أصبح القرآن رفيق عمره، ولست أنساه رحمه الله وهو على فراش المرض قبل وفاته بأقلَّ من السنة؛ فكنت أراجعه في بعض ما كتبه في تفسير القرآن العظيم ليكمل بعض ما نقص منه .
** نشأته مع القرآن الكريم **
وُلد جدّي الشيخ عبدالله بن صالح المحسن رحمه الله في بلدة "الشيحية" بمنطقة القصيم، ونشأ في بيت عُرف بالصلاح والاستقامة. وكان والده صالح بن محسن المحسن من أهل الديانة والخير والصلاح، كما كانت والدة الشيخ عبدالله جدّتي مزنة الحمد المحسن رحمها الله ابنة عمّه، ولم يُرزق منها إلا الشيخ عبدالله وأخته الشقيقة مُنيرة رحمهم الله، وله إخوة وأخوات من الأب.
كانت "الشيحية" في تلك الحُقبة بلدة يغلب على أهلها الاشتغال بالزراعة ورعاية الماشية، ولم تكن فيها مدرسة يتلقى فيها الصغار مبادئ القراءة والكتابة، بل كان الاعتماد في العلم على الكتاتيب في القرى والبلدات المجاورة.
أدرك والده صالح مبكرًا أهمية تعليم ابنه القرآن العظيم، فكان يصحبه معه في فصل الصيف إلى "البكيرية" ليلتحق بكتاتيبها، حيث بدأ أولى خطواته في تعلُّم كتاب الله تعالى وهو في السابعة من عمره.
تلقّى مبادئ القراءة على الشيخ محمد صالح الخزيم وعلى أخيه الشيخ سليمان صالح الخزيم رحمهما الله، فقرأ عليهما الهجاء، وحفظ عندهم جزء عم، وكانت تلك البداية المباركة التي فتحت له باب الارتباط بكتاب الله تعالى.
وقد آتاه الله تعالى منذ نعومة أظفاره ذكاءً وفطنة، وسرعة فهم؛ فلم يقتصر على ما يتلقَّاه من مُعلِّميه، بل أصبح يراجع بنفسه ما تعلَّمه منهم، ويُكرِّرُ الحروف مع حركاتها حتى تمكَّن من القراءة، ثم واصل التعلُّم باجتهاده حتى أتمَّ تلاوة المصحف كاملًا مع ضبط الحروف وهو في أوائل السابعة من عمره.
ولم يكتف والده بما حصّله ابنه عبد الله من التعليم، بل أخذه معه إلى "المريدسية"، فأقام الشيخ عبد الله عند الشيخ عبد العزيز العلي السعوي رحمه الله قرابة شهرين، فراجع عليه القرآن والهجاء، وزاد من إتقانه للقراءة، وكل ذلك قبل أن يتجاوز السابعة من عمره، وهذا يدلُّ على ما وهبه الله ﷻ من نبوغٍ مُبكِّرٍ في التعلُّم والحفظ.
أصبح القرآن الكريم مِحور حياة الشيخ عبد الله المحسن، فلم يكن مجرد محفوظ يتلوه، بل كان منهجًا يُلازمه، وكانت هذه النشأة المباركة هي اللبنة الأولى نحو العلم والتعليم وبارك الله ﷻ له في ذلك.
** عنايته بالقرآن الكريم في صغره **
على الرغم من أنَّ والده صالح بن محسن في بداية حياته لم يكن من أهل الثراء، ثم فتح الله عليه الدنيا بعد ذلك؛ إلا أنَّه كان من أهل الصلاح والديانة، وقد أدرك أنَّ خير ما يورثه لابنه هو القرآن الكريم والعلم الشرعيّ، فكان يحرص على اصطحابه إلى المساجد، ويُعوّده ملازمة بيوت الله، ويشجعه على تلاوة القرآن الكريم وحفظه.
وقد أثمرت هذه التربية المباركة محبةً عظيمة لكتاب الله تعالى، حتى أصبح القرآن رفيق الشيخ في عبادته اليومية، وكان من أبرز مظاهر ذلك اعتكافه مع والده في العشر الأواخر من شهر رمضان وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.
ويذكر الشيخ عبد الله رحمه الله أنَّه كان يختم القرآن الكريم في العشر الأواخر ختمةً كاملة مع ستّة أجزاء وذلك في كلّ يوم منها، أي ما مجموعه أكثر من ثنتي عشرة ختمة في العشر الأواخر فقط، وهو يدلُّ على كثرة ملازمته للقرآن في تلك السن المبكرة، وقوة همَّته، واعتياده طول المكث مع كتاب الله تعالى.
لم يكن هذا الإقبال على القرآن سببه مناسبة شرعيّة أو موسميَّة؛ بل كان منهجًا لازم الشيخ منذ صغره، وكان لذلك أبلغ الأثر في قوة حفظه، وصفاء ذهنه، وتمكُّنه من العلوم الشرعية فيما بعد.
**القرآن الكريم أساس طلبه للعلم **
لمَّا رأى والده صالح المحسن رحمه الله ما أكرم الله تعالى به ابنه عبدالله من الذكاء، وسرعة الحفظ، وشدة الإقبال على القرآن الكريم، ازداد حرصه على تعليمه، وأيقن أن هذه الموهبة تحتاج إلى رعاية وتوجيه، فواصل أخذه إلى العلماء، ولم تمنعه قلة ذات اليد من بذل ما يستطيع في سبيل تعليم ابنه.
ولمَّا بلغ نحو العاشرة من عمره عاد به والده إلى البكيرية مرة أخرى، فقرأ على الشيخ محمد بن مقبل رحمه الله، كما قرأ على الشيخ عبد العزيز السبيّل رحمه الله، ولم تقتصر دراسته عليهما على القرآن الكريم، بل بدأ يتلقى المختصرات في العلوم الشرعية، فجمع منذ صغره بين حفظ القرآن، وتحصيل أصول العلم، وملازمة العلماء.
وكان لهذه المرحلة الأثر البالغ في تكوين شخصيته العلمية؛ وكان من نعم الله تعالى عليه أن نشأ في زمن كان العلماء يربطون بين القرآن والعلم، فلا يقدَّم طالب إلى الفقه أو الحديث أو غيرهما حتى يُحسن قراءة كتاب الله، ويضبط ألفاظه، ويتقن تلاوته، فشبَّ الشيخ عبد الله على هذا المنهج العظيم، الذي جعل القرآن الكريم أصلًا لكل ما تلقاه بعد ذلك من علوم الشريعة.
** عنايته بالقرآن الكريم في مكة المكرمة**
لما بلغ الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله الخامسة عشر من عمره، رأى أن المرحلة المقبلة من حياته تقتضي الجمع بين طلب الرزق ومواصلة طلب العلم الشرعيّ، ولا سيِّما أنه كان يفكر في الزَّواج وتكوين أسرة والاستعداد لتحمُّل المسؤوليات الطبعية في الحياة؛ فشدَّ رحاله حينئذٍ إلى مكة المكرمة، بعد قصة في قبوله مع الهجَّانة العسكر - سيكون لي حديث عنها بإذن الله تعالى -.
وكان انتقاله إلى مكة المكرمة نقطة تحول مهمة في حياته؛ حيث اجتمع له شرف العمل في تلك البقاع المباركة في "قلعة أجياد" مع ملازمته لحلقات العلم في المسجد الحرام، فكان يغتنم أوقات فراغه في حضور دروس العلماء، مستفيدًا من البيئة العلمية بجوار الحرم المكّي.
فحضر عند كثيرين في الحرم المكّي وتعلّم عندهم القرآن وعلومه مع العلوم الشرعيّة الأخرى.
وكان من أبرز من أخذ عنهم في تلك المرحلة الشيخ عباس بن صدقة بن عبد الجبار رحمه الله، أحد علماء المسجد الحرام، والذي اختاره الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله بعد المشاورة ليكون إمامًا ممثلًا للمذهب الحنفي ضمن الأئمة الذين عُيِّنوا للإمامة في المسجد الحرام؛ وقد لازم الشيخ عبد الله حلقاته، وانتفع بعلمه، وأخذ عنه ما تيسَّر من العلوم الشرعية.
وأقام الشيخ عبد الله في مكة قرابة سنتين، جمع خلالهما بين العمل الشريف، وطلب العلم، وملازمة حلقات العلماء، فازدادت صلته بالقرآن الكريم رسوخًا، وقويت مراجعته له، واتَّسعت معارفه في العلوم الشرعية، مستفيدًا من تنوُّع العلماء الذي حضروا لمكة من أهل نجد، وكذلك من العلماء الوافدين من شتَّى بقاع الأرض إلى المسجد الحرام.
ولم يكن أثر مكة المكرمة مقتصرًا على زيادة التحصيل العلمي، بل أسهمت كذلك في كثير من فهمه وعلمه وتوسيع مداركه.
**إمامته في الشيحية وتعليمه القرآن الكريم**
عاد الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله ومعه الوجيه محمّد الحواس من مكة المكرمة؛ ومحمد الحوّاس هو من وجهاء الشيحيّة-رحمه الله - وكان له الأثر الكبير لقبول الشيخ عبد الله في رحلته المكّية للانضمام إلى الهجّانة.
ازداد الشيخ عبد الله بعد رحلته رسوخًا في حفظ القرآن الكريم، واستفاد من حلقات العلم في المسجد الحرام، وقد يسَّر الله تعالى له خدمة دينه والوفاء لبلدته التي ولد فيها "الشيحية"، فكان أوَّل ما تولاه إمامة المصلين وتعليم أبناء بلدة "الشيحيّة" كتاب الله تعالى.
وقد أمَّ رحمه الله أهل الشيحية مدة أربع سنوات، وكانت إمامته امتدادًا طبعياً لما نشأ عليه من ملازمة القرآن الكريم، وإتقان تلاوته، وحسن أدائه. وقد عُرف بين أهل بلدته بحفظه لكتاب الله، وصحة قراءته، وحسن صوته، فاطمأن الناس إلى إمامته، وأقبلوا على الصلاة خلفه.
ولم تقتصر رسالته في "الشيحية" على الإمامة، بل كان يُعلِّم أبناء البلدة القرآن الكريم، ويصحح لهم التلاوة، ويُقرئهم على الوجه الذي تلقَّاه عن شيوخه، كما كان يعلِّمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، فجمع بين الإمامة والتعليم والتوجيه.
وكانت هذه السنوات الأربع من أوائل أعماله التعليميّة، وأسهمت في صقل شخصيته في التعليم والإمامة، كما أكسبته خبرة عملية في تربية الطلاب، والتعامل مع الناس.
** رحلته العلمية إلى "بريدة" **
بعد المرحلة التي قضاها في إمامة أهل "الشيحية" وتعليمهم، اتجه الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله إلى مواصلة طلب العلم، فانتقل إلى مدينة "بريدة"، التي كانت آنذاك من أبرز المراكز العلمية في منطقة القصيم، يقصدها طلاب العلم للأخذ عن علمائها والانتفاع بمجالسهم.
فقرأ على الشيخ عمر بن سليم رحمه الله، وقرأ وأخذ عن الشيخ صالح الخريصي رحمه الله، وغيرهما؛ ولازمهم في دراسة عدد من الفنون الشرعية؛ ومنها ازداد رسوخًا في علوم القرآن والتفسير والتجويد.
ولم يقتصر طلبه للعلم على حلقات العلماء، بل التحق كذلك بمعهد بريدة العلمي، وكان من الطلاب المتميزين فيه، وقد ظهر نبوغه العلمي في أثناء دراسته، حتى اختُبر في بعض المراحل الدراسية، فاجتاز الاختبار بنجاح، وانتقل مع أربعة من زملائه إلى مرحلة أعلى وهو ما يسمّى عندهم بـ - القفزة -، وهو يدلُّ على تفوُّقه العلمي، وتميُّزه بين أقرانه.
وكان لهذه المرحلة أثرٌ بالغ في تكوينه العلمي؛ إذ جمعت بين التأصيل على أيدي العلماء، مع الدراسة النظامية، فتهيأ بعد ذلك للانتقال إلى مدينة الرياض، ومواصلة دراسته في كلية العلوم الشرعية، التي أصبحت فيما بعد (كلية الشريعة)
** إمامته في "الرياض" و"جدة" ومكانته في تلاوة القرآن العظيم**
لما انتقل الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله إلى مدينة "الرياض" لمواصلة دراسته النظامية في كلِّية العلوم الشرعية – التي تم تعريفها بعد ذلك بكلية الشريعة – لم ينقطع عن خدمة كتاب الله تعالى، بل واصل رسالته في الإمامة، فجمع بين طلب العلم، والإمامة، وتعليم الناس، وهو شأن كثير من العلماء في الجمع بين الإمامة للمصلّين والخطبة والتعلّم والتعليم.
وقد أمَّ رحمه الله المصلين في عدد من مساجد وجوامع "الرياض"، وكان من المساجد التي صلَّى فيها مسجد الملك خالد بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، كما أمَّ المصلين في مسجد عتيقة، وغيرها من المساجد، فكان يُعرف بين الناس بحسن تلاوته، وإتقانه للقرآن الكريم، وجمال أدائه.
ولم تقتصر إمامته على مدينة "الرياض"، بل امتد أثرها إلى مدينة "جدة"، حيث كان يُدعى في شهر رمضان ليؤم المصلين هناك، وقد استمر ذلك ثلاث سنوات متتابعة، وكان يُنقل بالطائرة ليصلي بأهل الأمير محمد بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله وأقاربه في "جدّة"، وهو ما يدلُّ على ما كان يحظى به من ثقة وتقدير من الكبار والوجهاء ومن عامَّة الناس، وعلى ما عُرف عنه من إتقان القراءة وحسن الإمامة.
وقد روت والدتي ابنته – شفاها الله – أنه كان يغادر إلى جدة مع بداية شهر رمضان، فيقيم هناك إمامًا حتى ينقضي الشهر، ثم يعود إلى "الرياض" بعد انتهاء رمضان.
وقد جمع الله تعالى للشيخ حسن الصوت وقراءته قراءةً واضحةً مؤثرة، مع عناية ظاهرة بإقامة الحروف وأداء أحكام التجويد، وكان يغلب على قراءته الحدر، وهي طريقة تجمع بين سرعة القراءة مع المحافظة على صحة الأداء، فقد كان يُحسن ختم القرآن في صلاة القيام دون إخلال بأحكام التلاوة أو معاني الآيات.
ولمَّا عُرف بهذه الصفات رغب كثير من الناس في أن يتولى لهم الإمامة في مساجدهم، وعُرضت عليه الإمامة في أكثر من مسجد، إلا أنه اعتذر عن عدد منها؛ لانشغاله بطلب العلم، ثم بمتابعاته العلمية والشرعية، وكان ينظر للإمامة على أنها عبادة ومسؤولية وحملٌ ثقيل.
**منهج الشيخ عبد الله بن صالح المحسن في تلاوة القرآن الكريم**
عُرف رحمه الله بحسن صوته، وروعة تلاوته، مع سرعتها؛ وكانت هذه الطريقة المعروفة عند كثير من قراَّء نجد، ولا سيما في صلاة التراويح والقيام.
ولم يكن رحمه الله يتسامح في اللحن الذي يغيِّر ألفاظ القرآن أو يفسد معانيه، بل كان يحرص على سلامة النطق، وصحة المخارج، وإقامة الحروف، وهي الطريقة التي تلقَّاها عن شيوخه، ثم لازمها في إمامته وتعليمه، فانعكس ذلك على من قرأ عليه من الطلاب، أو صلى خلفه من المصلين.
**عنايته بعلم التجويد وتأليفه فيه**
لم تقتصر عناية الشيخ العالم عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله بالقرآن الكريم على حفظه، وإتقان تلاوته، وإمامته للمصلين، وتعليمه للطلاب، بل امتدت إلى التأليف في علوم القرآن، ولا سيما علم التجويد، الذي هو العلم المعين على حسن تلاوة القرآن العظيم.
وقد كان رحمه الله أثناء عمله محاضرًا بالجامعة الإسلامية ويدرِّس طلاب معهد الجامعة، فوجد حاجة طلاب السنة الأولى في معهد الجامعة إلى متنٍ مختصر يجمع أهم مسائل التجويد بأسلوب واضح، بعيد عن التطويل والتعقيد، فصنَّف كتابه:
"المختصر المُفيد في علم التجويد"
وقد أوضح رحمه الله في مقدمة كتابه الدافع إلى تأليفه، فذكر أن القرآن الكريم لا يتمُّ حسن تدبره وفهم معانيه إلا بإقامة ألفاظه على الوجه الصحيح، وأنَّ علم التجويد من أشرف العلوم لتعلقه بكلام الله تعالى، مستشهدًا بقوله سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.
وبيَّن أنه جمع مادة الكتاب من عدد من المصادر المعتمدة في علم التجويد، ثم صاغها بما يناسب مستوى طلاب المرحلة الأولى، مع تقريب المسائل، والإكثار من الأمثلة والأسئلة التطبيقية التي تعين الطالب على الفهم وحسن التطبيق عند قراءة القرآن الكريم.
وقد فرغ من كتابه في السابع من شهر جمادى الأولى لعام 1398 هجري.
ويكشف هذا التأليف عن جانب مهمٍّ من شخصية الشيخ العلمية؛ إذ لم يكن ناقلًا للعلم فحسب، بل كان مُعلِّمًا يدرك احتياجات طلابه، ويحرص على تقريب العلوم لهم، وهذا مما ميَّزه الله تعالى به، وقد طلب منه الإمام ابن باز رحمه الله عدة مرّات أن يضع مناهج في التفسير والتجويد والحديث لمعهد الجامعة الإسلاميّة لحسن جمعه وكتابته واختياراته وسهولة تصنيفه؛ وهو ما يظهر في منهجه في هذا المختصر، حيث جمع بين الاختصار، وسهولة العبارة، وحسن الترتيب، وربط القواعد بالتطبيق العملي.
** تحقيق الكتاب وإخراجه**
من توفيق الله تعالى أن يسَّر لي خدمة كتب ومؤلَّفات جدي وشيخي عبد الله صالح المحسن وكان هذا الكتيّب النّفيس منها؛ وهو كتاب "المختصر المفيد في علم التجويد"؛ فقد رأيت أنَّ هذا المختصر على وجازته يجمع أهمَّ مسائل علم التجويد بأسلوب واضح وميسّر، ويكشف جانبًا من عناية الشيخ بكتاب الله تعالى وعلومه، فرغبت في إحياء هذا الأثر وإخراجه إخراجًا علميًا يليق بمكانته.
**عملي في التحقيق**
بذلت في تحقيق الكتاب جهدًا علميًا، تمثل في:
1- الاعتماد على النسخة الأصلية للكتاب، ومقابلة نصِّها وضبطه.
2- التعليق على ما يحتاج للتوضيح باختصار في الحاشية.
3- ضبط النص بالشكل في المواضع التي تدعو الحاجة إليها؛ دفعًا للَّبس، ولا سيما في المصطلحات المتعلقة بعلم التجويد.
4- وضع العناوين الفرعية، وترتيب الفقرات بما يسهل الإفادة من الكتاب.
5- إعداد الفهارس الفنِّية اللازمة؛ لتيسير الرجوع إلى موضوعات الكتاب.
6- إخراج الكتاب في صورة طباعية عصريّة جديدة، مع المحافظة على أسلوب المؤلف ومنهجه، وعدم التدخل في عباراته إلا بما تقتضيه أصول العناية والتحقيق.
ولم يكن القصد من هذا العمل إعادة طباعة الكتاب فحسب، بل الإسهام في حفظ تراث الشيخ العلمي، وإحياء أحد مؤلفاته التي أفاد بها طلاب العلم في حياته، ليبقى نفعها متصلًا بعد وفاته رحمه الله، وليستمرَّ عطاؤها للأجيال.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كما نفع بمؤلفه، وأن يجعله في ميزان حسنات جدي الشيخ عبدالله بن صالح المحسن رحمه الله وفي ميزان حسنات والديَّ ووالديه. @a_almhsn
(يأتي هذا التحقيق ضمن مشروع علمي أعمل عليه أنا وأخي الشيخ عبد العزيز لجمع تراث جدي الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله، وتحقيق مؤلفاته، وتوثيق سيرته العلمية والدعوية، وإبراز آثاره؛ حفظًا لها من الضياع، وتقريبًا لها إلى الباحثين وطلاب العلم)
د. ناصر عبد الرحمن الحمد #ناصر_الحمد #ناصر_عبدالرحمن #السعودية
القرآن العظيم في حياة الشيخ العالم عبدالله صالح المحسن رحمه الله
الحمد لله، أما بعد:
فقد كان القرآن العظيم هو أساس البناء العلمي والإيماني عند علماء الشريعة، ومنه تنبثق سائر العلوم الشرعية، ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أكثر العلماء رسوخًا في العلم أشدَّهم صلةً بكتاب الله حفظًا وتلاوةً وتدبرًا وقيامًا و تعلُّماً وتعليمًا.
ومن تأمل سير العلماء العظماء وجد أن القرآن العظيم كان نقطة التحوّلِ والانطلاق في حياتهم العلميِّة، فمن القرآن العظيم استمدُّوا قوة الحفظ، وصفاء الفهم، وحسن الاستنباط، وثبات الرأي، وثبات العبادة، حتى صار القرآن الكريم ظاهرًا في علمهم ضميناً لقِيَمهم وقِيْمتهم.
ولعلَّ من هؤلاء العلماء العالم الجليل الشيخ عبدالله صالح المحسن رحمه الله فهو ممن نشأ على القرآن العظيم وجعله قاعدة للتعلُّم والتعليم.
كان القرآن العظيم أوَّل علمٍ تلقّاه الشيخ بشغف، وأوّلَ علمٍ منه حفظ؛، ثم لازم القرآن العظيم علماً وعملاً ما بين إمامته للمصلّين، إلى تعليمه في الكتاتيب للصغار، ثمّ تعليمه في المدارس والجامعة للكبار، وإلى تدوينه وتأليفه للكتب في التجويد والتفسير والتدبّر؛ حتى أصبح القرآن رفيق عمره، ولست أنساه رحمه الله وهو على فراش المرض قبل وفاته بأقلَّ من السنة؛ فكنت أراجعه في بعض ما كتبه في تفسير القرآن العظيم ليكمل بعض ما نقص منه .
** نشأته مع القرآن الكريم **
وُلد جدّي الشيخ عبدالله بن صالح المحسن رحمه الله في بلدة "الشيحية" بمنطقة القصيم، ونشأ في بيت عُرف بالصلاح والاستقامة. وكان والده صالح بن محسن المحسن من أهل الديانة والخير والصلاح، كما كانت والدة الشيخ عبدالله جدّتي مزنة الحمد المحسن رحمها الله ابنة عمّه، ولم يُرزق منها إلا الشيخ عبدالله وأخته الشقيقة مُنيرة رحمهم الله، وله إخوة وأخوات من الأب.
كانت "الشيحية" في تلك الحُقبة بلدة يغلب على أهلها الاشتغال بالزراعة ورعاية الماشية، ولم تكن فيها مدرسة يتلقى فيها الصغار مبادئ القراءة والكتابة، بل كان الاعتماد في العلم على الكتاتيب في القرى والبلدات المجاورة.
أدرك والده صالح مبكرًا أهمية تعليم ابنه القرآن العظيم، فكان يصحبه معه في فصل الصيف إلى "البكيرية" ليلتحق بكتاتيبها، حيث بدأ أولى خطواته في تعلُّم كتاب الله تعالى وهو في السابعة من عمره.
تلقّى مبادئ القراءة على الشيخ محمد صالح الخزيم وعلى أخيه الشيخ سليمان صالح الخزيم رحمهما الله، فقرأ عليهما الهجاء، وحفظ عندهم جزء عم، وكانت تلك البداية المباركة التي فتحت له باب الارتباط بكتاب الله تعالى.
وقد آتاه الله تعالى منذ نعومة أظفاره ذكاءً وفطنة، وسرعة فهم؛ فلم يقتصر على ما يتلقَّاه من مُعلِّميه، بل أصبح يراجع بنفسه ما تعلَّمه منهم، ويُكرِّرُ الحروف مع حركاتها حتى تمكَّن من القراءة، ثم واصل التعلُّم باجتهاده حتى أتمَّ تلاوة المصحف كاملًا مع ضبط الحروف وهو في أوائل السابعة من عمره.
ولم يكتف والده بما حصّله ابنه عبد الله من التعليم، بل أخذه معه إلى "المريدسية"، فأقام الشيخ عبد الله عند الشيخ عبد العزيز العلي السعوي رحمه الله قرابة شهرين، فراجع عليه القرآن والهجاء، وزاد من إتقانه للقراءة، وكل ذلك قبل أن يتجاوز السابعة من عمره، وهذا يدلُّ على ما وهبه الله ﷻ من نبوغٍ مُبكِّرٍ في التعلُّم والحفظ.
أصبح القرآن الكريم مِحور حياة الشيخ عبد الله المحسن، فلم يكن مجرد محفوظ يتلوه، بل كان منهجًا يُلازمه، وكانت هذه النشأة المباركة هي اللبنة الأولى نحو العلم والتعليم وبارك الله ﷻ له في ذلك.
** عنايته بالقرآن الكريم في صغره **
على الرغم من أنَّ والده صالح بن محسن في بداية حياته لم يكن من أهل الثراء، ثم فتح الله عليه الدنيا بعد ذلك؛ إلا أنَّه كان من أهل الصلاح والديانة، وقد أدرك أنَّ خير ما يورثه لابنه هو القرآن الكريم والعلم الشرعيّ، فكان يحرص على اصطحابه إلى المساجد، ويُعوّده ملازمة بيوت الله، ويشجعه على تلاوة القرآن الكريم وحفظه.
وقد أثمرت هذه التربية المباركة محبةً عظيمة لكتاب الله تعالى، حتى أصبح القرآن رفيق الشيخ في عبادته اليومية، وكان من أبرز مظاهر ذلك اعتكافه مع والده في العشر الأواخر من شهر رمضان وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.
ويذكر الشيخ عبد الله رحمه الله أنَّه كان يختم القرآن الكريم في العشر الأواخر ختمةً كاملة مع ستّة أجزاء وذلك في كلّ يوم منها، أي ما مجموعه أكثر من ثنتي عشرة ختمة في العشر الأواخر فقط، وهو يدلُّ على كثرة ملازمته للقرآن في تلك السن المبكرة، وقوة همَّته، واعتياده طول المكث مع كتاب الله تعالى.
لم يكن هذا الإقبال على القرآن سببه مناسبة شرعيّة أو موسميَّة؛ بل كان منهجًا لازم الشيخ منذ صغره، وكان لذلك أبلغ الأثر في قوة حفظه، وصفاء ذهنه، وتمكُّنه من العلوم الشرعية فيما بعد.
**القرآن الكريم أساس طلبه للعلم **
لمَّا رأى والده صالح المحسن رحمه الله ما أكرم الله تعالى به ابنه عبدالله من الذكاء، وسرعة الحفظ، وشدة الإقبال على القرآن الكريم، ازداد حرصه على تعليمه، وأيقن أن هذه الموهبة تحتاج إلى رعاية وتوجيه، فواصل أخذه إلى العلماء، ولم تمنعه قلة ذات اليد من بذل ما يستطيع في سبيل تعليم ابنه.
ولمَّا بلغ نحو العاشرة من عمره عاد به والده إلى البكيرية مرة أخرى، فقرأ على الشيخ محمد بن مقبل رحمه الله، كما قرأ على الشيخ عبد العزيز السبيّل رحمه الله، ولم تقتصر دراسته عليهما على القرآن الكريم، بل بدأ يتلقى المختصرات في العلوم الشرعية، فجمع منذ صغره بين حفظ القرآن، وتحصيل أصول العلم، وملازمة العلماء.
وكان لهذه المرحلة الأثر البالغ في تكوين شخصيته العلمية؛ وكان من نعم الله تعالى عليه أن نشأ في زمن كان العلماء يربطون بين القرآن والعلم، فلا يقدَّم طالب إلى الفقه أو الحديث أو غيرهما حتى يُحسن قراءة كتاب الله، ويضبط ألفاظه، ويتقن تلاوته، فشبَّ الشيخ عبد الله على هذا المنهج العظيم، الذي جعل القرآن الكريم أصلًا لكل ما تلقاه بعد ذلك من علوم الشريعة.
** عنايته بالقرآن الكريم في مكة المكرمة**
لما بلغ الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله الخامسة عشر من عمره، رأى أن المرحلة المقبلة من حياته تقتضي الجمع بين طلب الرزق ومواصلة طلب العلم الشرعيّ، ولا سيِّما أنه كان يفكر في الزَّواج وتكوين أسرة والاستعداد لتحمُّل المسؤوليات الطبعية في الحياة؛ فشدَّ رحاله حينئذٍ إلى مكة المكرمة، بعد قصة في قبوله مع الهجَّانة العسكر - سيكون لي حديث عنها بإذن الله تعالى -.
وكان انتقاله إلى مكة المكرمة نقطة تحول مهمة في حياته؛ حيث اجتمع له شرف العمل في تلك البقاع المباركة في "قلعة أجياد" مع ملازمته لحلقات العلم في المسجد الحرام، فكان يغتنم أوقات فراغه في حضور دروس العلماء، مستفيدًا من البيئة العلمية بجوار الحرم المكّي.
فحضر عند كثيرين في الحرم المكّي وتعلّم عندهم القرآن وعلومه مع العلوم الشرعيّة الأخرى.
وكان من أبرز من أخذ عنهم في تلك المرحلة الشيخ عباس بن صدقة بن عبد الجبار رحمه الله، أحد علماء المسجد الحرام، والذي اختاره الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله بعد المشاورة ليكون إمامًا ممثلًا للمذهب الحنفي ضمن الأئمة الذين عُيِّنوا للإمامة في المسجد الحرام؛ وقد لازم الشيخ عبد الله حلقاته، وانتفع بعلمه، وأخذ عنه ما تيسَّر من العلوم الشرعية.
وأقام الشيخ عبد الله في مكة قرابة سنتين، جمع خلالهما بين العمل الشريف، وطلب العلم، وملازمة حلقات العلماء، فازدادت صلته بالقرآن الكريم رسوخًا، وقويت مراجعته له، واتَّسعت معارفه في العلوم الشرعية، مستفيدًا من تنوُّع العلماء الذي حضروا لمكة من أهل نجد، وكذلك من العلماء الوافدين من شتَّى بقاع الأرض إلى المسجد الحرام.
ولم يكن أثر مكة المكرمة مقتصرًا على زيادة التحصيل العلمي، بل أسهمت كذلك في كثير من فهمه وعلمه وتوسيع مداركه.
**إمامته في الشيحية وتعليمه القرآن الكريم**
عاد الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله ومعه الوجيه محمّد الحواس من مكة المكرمة؛ ومحمد الحوّاس هو من وجهاء الشيحيّة-رحمه الله - وكان له الأثر الكبير لقبول الشيخ عبد الله في رحلته المكّية للانضمام إلى الهجّانة.
ازداد الشيخ عبد الله بعد رحلته رسوخًا في حفظ القرآن الكريم، واستفاد من حلقات العلم في المسجد الحرام، وقد يسَّر الله تعالى له خدمة دينه والوفاء لبلدته التي ولد فيها "الشيحية"، فكان أوَّل ما تولاه إمامة المصلين وتعليم أبناء بلدة "الشيحيّة" كتاب الله تعالى.
وقد أمَّ رحمه الله أهل الشيحية مدة أربع سنوات، وكانت إمامته امتدادًا طبعياً لما نشأ عليه من ملازمة القرآن الكريم، وإتقان تلاوته، وحسن أدائه. وقد عُرف بين أهل بلدته بحفظه لكتاب الله، وصحة قراءته، وحسن صوته، فاطمأن الناس إلى إمامته، وأقبلوا على الصلاة خلفه.
ولم تقتصر رسالته في "الشيحية" على الإمامة، بل كان يُعلِّم أبناء البلدة القرآن الكريم، ويصحح لهم التلاوة، ويُقرئهم على الوجه الذي تلقَّاه عن شيوخه، كما كان يعلِّمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، فجمع بين الإمامة والتعليم والتوجيه.
وكانت هذه السنوات الأربع من أوائل أعماله التعليميّة، وأسهمت في صقل شخصيته في التعليم والإمامة، كما أكسبته خبرة عملية في تربية الطلاب، والتعامل مع الناس.
** رحلته العلمية إلى "بريدة" **
بعد المرحلة التي قضاها في إمامة أهل "الشيحية" وتعليمهم، اتجه الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله إلى مواصلة طلب العلم، فانتقل إلى مدينة "بريدة"، التي كانت آنذاك من أبرز المراكز العلمية في منطقة القصيم، يقصدها طلاب العلم للأخذ عن علمائها والانتفاع بمجالسهم.
فقرأ على الشيخ عمر بن سليم رحمه الله، وقرأ وأخذ عن الشيخ صالح الخريصي رحمه الله، وغيرهما؛ ولازمهم في دراسة عدد من الفنون الشرعية؛ ومنها ازداد رسوخًا في علوم القرآن والتفسير والتجويد.
ولم يقتصر طلبه للعلم على حلقات العلماء، بل التحق كذلك بمعهد بريدة العلمي، وكان من الطلاب المتميزين فيه، وقد ظهر نبوغه العلمي في أثناء دراسته، حتى اختُبر في بعض المراحل الدراسية، فاجتاز الاختبار بنجاح، وانتقل مع أربعة من زملائه إلى مرحلة أعلى وهو ما يسمّى عندهم بـ - القفزة -، وهو يدلُّ على تفوُّقه العلمي، وتميُّزه بين أقرانه.
وكان لهذه المرحلة أثرٌ بالغ في تكوينه العلمي؛ إذ جمعت بين التأصيل على أيدي العلماء، مع الدراسة النظامية، فتهيأ بعد ذلك للانتقال إلى مدينة الرياض، ومواصلة دراسته في كلية العلوم الشرعية، التي أصبحت فيما بعد (كلية الشريعة)
** إمامته في "الرياض" و"جدة" ومكانته في تلاوة القرآن العظيم**
لما انتقل الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله إلى مدينة "الرياض" لمواصلة دراسته النظامية في كلِّية العلوم الشرعية – التي تم تعريفها بعد ذلك بكلية الشريعة – لم ينقطع عن خدمة كتاب الله تعالى، بل واصل رسالته في الإمامة، فجمع بين طلب العلم، والإمامة، وتعليم الناس، وهو شأن كثير من العلماء في الجمع بين الإمامة للمصلّين والخطبة والتعلّم والتعليم.
وقد أمَّ رحمه الله المصلين في عدد من مساجد وجوامع "الرياض"، وكان من المساجد التي صلَّى فيها مسجد الملك خالد بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، كما أمَّ المصلين في مسجد عتيقة، وغيرها من المساجد، فكان يُعرف بين الناس بحسن تلاوته، وإتقانه للقرآن الكريم، وجمال أدائه.
ولم تقتصر إمامته على مدينة "الرياض"، بل امتد أثرها إلى مدينة "جدة"، حيث كان يُدعى في شهر رمضان ليؤم المصلين هناك، وقد استمر ذلك ثلاث سنوات متتابعة، وكان يُنقل بالطائرة ليصلي بأهل الأمير محمد بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله وأقاربه في "جدّة"، وهو ما يدلُّ على ما كان يحظى به من ثقة وتقدير من الكبار والوجهاء ومن عامَّة الناس، وعلى ما عُرف عنه من إتقان القراءة وحسن الإمامة.
وقد روت والدتي ابنته – شفاها الله – أنه كان يغادر إلى جدة مع بداية شهر رمضان، فيقيم هناك إمامًا حتى ينقضي الشهر، ثم يعود إلى "الرياض" بعد انتهاء رمضان.
وقد جمع الله تعالى للشيخ حسن الصوت وقراءته قراءةً واضحةً مؤثرة، مع عناية ظاهرة بإقامة الحروف وأداء أحكام التجويد، وكان يغلب على قراءته الحدر، وهي طريقة تجمع بين سرعة القراءة مع المحافظة على صحة الأداء، فقد كان يُحسن ختم القرآن في صلاة القيام دون إخلال بأحكام التلاوة أو معاني الآيات.
ولمَّا عُرف بهذه الصفات رغب كثير من الناس في أن يتولى لهم الإمامة في مساجدهم، وعُرضت عليه الإمامة في أكثر من مسجد، إلا أنه اعتذر عن عدد منها؛ لانشغاله بطلب العلم، ثم بمتابعاته العلمية والشرعية، وكان ينظر للإمامة على أنها عبادة ومسؤولية وحملٌ ثقيل.
**منهج الشيخ عبد الله بن صالح المحسن في تلاوة القرآن الكريم**
عُرف رحمه الله بحسن صوته، وروعة تلاوته، مع سرعتها؛ وكانت هذه الطريقة المعروفة عند كثير من قراَّء نجد، ولا سيما في صلاة التراويح والقيام.
ولم يكن رحمه الله يتسامح في اللحن الذي يغيِّر ألفاظ القرآن أو يفسد معانيه، بل كان يحرص على سلامة النطق، وصحة المخارج، وإقامة الحروف، وهي الطريقة التي تلقَّاها عن شيوخه، ثم لازمها في إمامته وتعليمه، فانعكس ذلك على من قرأ عليه من الطلاب، أو صلى خلفه من المصلين.
**عنايته بعلم التجويد وتأليفه فيه**
لم تقتصر عناية الشيخ العالم عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله بالقرآن الكريم على حفظه، وإتقان تلاوته، وإمامته للمصلين، وتعليمه للطلاب، بل امتدت إلى التأليف في علوم القرآن، ولا سيما علم التجويد، الذي هو العلم المعين على حسن تلاوة القرآن العظيم.
وقد كان رحمه الله أثناء عمله محاضرًا بالجامعة الإسلامية ويدرِّس طلاب معهد الجامعة، فوجد حاجة طلاب السنة الأولى في معهد الجامعة إلى متنٍ مختصر يجمع أهم مسائل التجويد بأسلوب واضح، بعيد عن التطويل والتعقيد، فصنَّف كتابه:
"المختصر المُفيد في علم التجويد"
وقد أوضح رحمه الله في مقدمة كتابه الدافع إلى تأليفه، فذكر أن القرآن الكريم لا يتمُّ حسن تدبره وفهم معانيه إلا بإقامة ألفاظه على الوجه الصحيح، وأنَّ علم التجويد من أشرف العلوم لتعلقه بكلام الله تعالى، مستشهدًا بقوله سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.
وبيَّن أنه جمع مادة الكتاب من عدد من المصادر المعتمدة في علم التجويد، ثم صاغها بما يناسب مستوى طلاب المرحلة الأولى، مع تقريب المسائل، والإكثار من الأمثلة والأسئلة التطبيقية التي تعين الطالب على الفهم وحسن التطبيق عند قراءة القرآن الكريم.
وقد فرغ من كتابه في السابع من شهر جمادى الأولى لعام 1398 هجري.
ويكشف هذا التأليف عن جانب مهمٍّ من شخصية الشيخ العلمية؛ إذ لم يكن ناقلًا للعلم فحسب، بل كان مُعلِّمًا يدرك احتياجات طلابه، ويحرص على تقريب العلوم لهم، وهذا مما ميَّزه الله تعالى به، وقد طلب منه الإمام ابن باز رحمه الله عدة مرّات أن يضع مناهج في التفسير والتجويد والحديث لمعهد الجامعة الإسلاميّة لحسن جمعه وكتابته واختياراته وسهولة تصنيفه؛ وهو ما يظهر في منهجه في هذا المختصر، حيث جمع بين الاختصار، وسهولة العبارة، وحسن الترتيب، وربط القواعد بالتطبيق العملي.
** تحقيق الكتاب وإخراجه**
من توفيق الله تعالى أن يسَّر لي خدمة كتب ومؤلَّفات جدي وشيخي عبد الله صالح المحسن وكان هذا الكتيّب النّفيس منها؛ وهو كتاب "المختصر المفيد في علم التجويد"؛ فقد رأيت أنَّ هذا المختصر على وجازته يجمع أهمَّ مسائل علم التجويد بأسلوب واضح وميسّر، ويكشف جانبًا من عناية الشيخ بكتاب الله تعالى وعلومه، فرغبت في إحياء هذا الأثر وإخراجه إخراجًا علميًا يليق بمكانته.
**عملي في التحقيق**
بذلت في تحقيق الكتاب جهدًا علميًا، تمثل في:
1- الاعتماد على النسخة الأصلية للكتاب، ومقابلة نصِّها وضبطه.
2- التعليق على ما يحتاج للتوضيح باختصار في الحاشية.
3- ضبط النص بالشكل في المواضع التي تدعو الحاجة إليها؛ دفعًا للَّبس، ولا سيما في المصطلحات المتعلقة بعلم التجويد.
4- وضع العناوين الفرعية، وترتيب الفقرات بما يسهل الإفادة من الكتاب.
5- إعداد الفهارس الفنِّية اللازمة؛ لتيسير الرجوع إلى موضوعات الكتاب.
6- إخراج الكتاب في صورة طباعية عصريّة جديدة، مع المحافظة على أسلوب المؤلف ومنهجه، وعدم التدخل في عباراته إلا بما تقتضيه أصول العناية والتحقيق.
ولم يكن القصد من هذا العمل إعادة طباعة الكتاب فحسب، بل الإسهام في حفظ تراث الشيخ العلمي، وإحياء أحد مؤلفاته التي أفاد بها طلاب العلم في حياته، ليبقى نفعها متصلًا بعد وفاته رحمه الله، وليستمرَّ عطاؤها للأجيال.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كما نفع بمؤلفه، وأن يجعله في ميزان حسنات جدي الشيخ عبدالله بن صالح المحسن رحمه الله وفي ميزان حسنات والديَّ ووالديه. @a_almhsn
(يأتي هذا التحقيق ضمن مشروع علمي أعمل عليه أنا وأخي الشيخ عبد العزيز لجمع تراث جدي الشيخ عبد الله بن صالح المحسن رحمه الله، وتحقيق مؤلفاته، وتوثيق سيرته العلمية والدعوية، وإبراز آثاره؛ حفظًا لها من الضياع، وتقريبًا لها إلى الباحثين وطلاب العلم)
د. ناصر عبد الرحمن الحمد #ناصر_الحمد #ناصر_عبدالرحمن #السعودية
الشيخ العلّامة محمد بن عبداللطيف آل الشيخ هو الشيخ المميّز في الرياض للشيخ عبدالله صالح المحسن.
درس عليه لسنوات وقرأ عليه وزامله في الحضور لدروس الشيخ نخبة من كبار أهل العلم والفضل .
#عبدالله_المحسن
الشيخ العلّامة محمّد بن عبداللطيف آل الشيخ .
محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب آل الشيخ ـ رحمهم الله تعالى ـ، هو أحد كبار علماء نجد في القرن الرابع عشر الهجري، وهو الجدُّ المباشر لسماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ -رحمهما الله-.
نشأ في بيت علم وفضل مثل آبائه الكرام، وتلقَّى العلم على والده الإمام العلّامة عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ، وعلى أخيه عبدالله، وعلى عدد من كبار علماء عصره، وبرع في العلوم الشرعية، واشتهر بالتدريس والإفتاء والقضاء، وكان أوّل من خطب في عرفة عام 1343 هجري، بعدما فتح الله تعالى الحجاز للملك عبدالعزيز، وقد تولّى إمامة الجامع الكبير حتى وفاته، وله مكتبة عظيمة يذكرها التاريخ له.
كان مرجعاً في الفتيا والقضاء والتعليم؛ كما كانت له منزلة رفيعة عند الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ .
كان مضرب مثلٍ في حسن الخلق والتواضع والكرم والسخاء والعناية بأهل العلم وطلابه.
وقد كان للشيخ محمد بن عبداللطيف أثرٌ ظاهر عظيمٌ، حتى بقي اسمه في ذاكرة التاريخ وخاصة في نفوس طلّابه وتلاميذه؛ وكان من أولئك التلاميذ جدّي الشيخ العالم عبدالله بن صالح المحسن ـ رحمه الله ـ .
كان الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ من أكثر المشايخ تأثيراً ومحبةً في نفس الشيخ العالم عبدالله بن صالح المحسن؛ فقد كان أبرز شيوخه الذين تلقى عنهم في الرياض، ولازم الشيخ سنوات ينتفع بعلمه وتوجيهه، ثم واصل طلب العلم على عدد من علماء الرياض، كما التحق الشيخ عبدالله بعد ذلك بالدراسة النظامية في كلية الشريعة؛ وكان يتردد على الرياض في مراحل من طلبه للعلم.
وقد لقي الشيخ عبدالله بن صالح المحسن عدداً من كبار علماء الرياض في ذلك العصر، منهم: العلّامة محمد بن عبداللطيف آل الشيخ، وسماحة الشيخ العلّامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وأخوه العلّامةالشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، وغيرهم من العلماء. كما أمَّ بعض مساجد الرياض مدة عشر سنوات، ولي حديث مستقل ـ إن شاء الله تعالى ـ عن إمامته.
وكان من زملاء الشيخ عبدالله صالح المحسن في طلب العلم عند هؤلاء المشايخ: الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن عبداللطيف آل الشيخ، والشيخ عبدالرحمن بن قاسم - جامع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وصاحب حاشية الروض المربع - وسماحة الإمام ابن باز رحمهم الله جميعا.
وقد كتب الشيخ عبدالله بن صالح المحسن وفاءً لمشايخه شيئاً من تراجمهم، فكان مما كتبه عن شيخه العلّامة محمد بن عبداللطيف آل الشيخ قوله:
"كان ـ رحمه الله ـ عالماً كبيراً جليلاً، متواضعاً، سخيّاً، محبّاً لطلبة العلم، مقدِّراً لهم. وكان عظيم السخاء، فإذا جاءه محتاج، ولا سيما من طلبة العلم، لم يتركه حتى يقضي حاجته.
كان له مجلس في الديوانية تُقرأ عليه فيه الكتب، وكنتُ ممن قرأ عليه .
وكان لشيخنا محمد بن عبداللطيف درسٌ في السوق عند الصفاة يلقيه كل يوم اثنين وقت الضحى، فإذا بدأ درسه سكن السوق عن البيع والشراء، محبةً لسماع علمه والاستفادة منه.
وكان له منزلة رفيعة عند الدولة، ومكانة خاصة عند الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ، وكان الملك يزوره في بيته كثيراً؛ ومرةً زاره الملك ونحن عنده، فجاء أحد حاشية الملك ووزرائه وهمس في أذن الشيخ يخبره بقدوم الملك عبدالعزيز، فأمرنا أن نكون في جانب الديوانية، فجلس الملك معه نحواً من نصف ساعة يتحدثان، وكنا نراه يهمس في أذنه.
فكان مما سمعناه من الشيخ ثناؤه على الملك عبدالعزيز وحثّه على الثبات على الاستمرار بإقامة العدل، واتباع السنّة، والرحمة بالفقراء والأيتام وطلبة العلم، كما دعا له بالتوفيق للرعاية التامة للبلاد والعباد؛ فقال له الملك عبدالعزيز: نحن سائرون على شرع الله ودينه، وباقون عليه، وهو الصراط المستقيم بإذن الله تعالى.
ثم انصرف الملك عبدالعزيز، فرجعنا إلى الحلقة، وكان الشيخ فرحاً مسروراً، يتهلل وجهه ابتهاجاً بزيارة الملك له"
وقال الشيخ عبدالله عنه أيضاً: "كان شيخنا ـ رحمه الله ـ يدعو الناس عامةً في عيد الفطر إلى تناول طعام العيد في ديوانيته، ولذلك كان محبوباً عند الناس عامة، وعند طلبة العلم خاصة. وكذلك كان أخوه من قبل الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، الذي كان يُعرف عند الناس بـ" أبي الإخوان و أبي الطلّاب"، لحرصه على نفعهم في أمور دينهم ودنياهم".
رحم الله الشيخ العلّامة محمد بن عبداللطيف آل الشيخ، ورحم الله جدّي الشيخ عبدالله بن صالح المحسن@a_almhsn ، وجزاهما خيراً على ما قدّما من علمٍ ووفاءٍ وإحسان.
وللحديث بقية عن بعض شيوخ جدّي وزملائه الذين أدركهم وانتفع بعلمهم.
اللهم اغفر لوالدي عبدالرحمن الناصر، ولجميع آبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربّونا صغارا.
د. ناصر عبدالرحمن الحمد
#ناصر_الحمد #السعودية
وقفات مع السماحة
سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمّد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن الإمام الإصلاحي المجدّد الشيخ محمّد بن عبدالوهاب رحمهم الله جميعا .
سماحة المفتي له من تعريفه بالسماحة نصيب؛ جمع بين كثير من السماحة والتسامح .
ولد الشيخ في بيت دين وعلم ؛ جدّه الشيخ العلّامة محمد بن عبداللطيف آل الشيخ الذي كان أول خطيب لعرفة للدولة السعوديّة الثالثة عام 1343 هجري .
وكان إماماً للجامع الكبير .
الشيخ "محمّد بن عبداللطيف" كان المقرّب في المشيخة والتعليم لجدي وشيخي "عبدالله صالح المحسن" .
كان يخبرنا جدّي عن محبّة "الملك عبدالعزيز" الشديدة للشيخ "محمد بن عبداللطيف" وكان يزوره في بيته ويستشيره وكان الشيخ "محمد" دائم النصح للملك ، صادقاً مع الدولة ، صاحب عمل دؤوب وعمل مخلص.
يقول جدّي رحمه الله : في إحدى المرّات زار الملك عبدالعزيز الشيخ محمّد بن عبداللطيف في حلقة العلم والتدريس - كان درس الشيخ محمد بن عبداللطيف كل يوم اثنين عند "الصفاة" - وجاء أحدهم من حاشية الملك عبدالعزيز وهتف في أذن الشيخ محمد عن زيارة الملك عبدالعزيز فأمرنا الشيخ بأن نكون على جانب الديوانية ليجلس مع الملك .
جلس الملك عبدالعزيز مع شيخنا محمّد قرابة النصف ساعة يحدّثه ثم قال له الملك : (نحن سائرون على شرع الله ودينه وهو الصراط المستقيم بإذن الله).
ثم ذهب الملك عبدالعزيز رحمه الله ورجعنا للحلقة من جديد وأسارير وجه الشيخ محمّد تبرق فرحاً وسروراً.
ورث سماحة الشيخ"عبدالعزيز آل الشيخ" من جدّه محمّد خطابة عرفة وإمامة الجامع الكبير ، وجمع الله ﷻ له مع ذلك رئاسة الإفتاء .
سماحة المفتي لم يكن شيخاً عاديّاً بل جمع الله ﷻ له مع العلم حسن البلاغة والتميّز في الإلقاء والخطابة وخطبة عرفة أعظم شاهد .
لقيتُ سماحة الشيخ في أوقات ضِيق وسعة، وشدّة ورخاء ،فرأيته لطيفاً حسن العشرة قريب التواضع .
من عادته أن يتعرّف على الناس بأسمائهم، وربّما سأل عن مؤهّلاتهم العلميّة النظاميّة وخاصة إن كان يريد الإجابة عن أسئلتهم الخاصّة وبقي كذلك حتى حطَمه الناس وضعف وكبُر به السنّ .
من أحسن خصاله حبّه للعلم وأهل العلم مع تواضعه لهم ودعوته لاجتماعهم وحرصه على ذلك وأكثر من ذلك تكلّفه بزيارتهم ، وخاصة عند تعبهم أو مرضهم .
ومن عجائبه بقاؤه في الدروس والمحاضرات وحضور الإفتاء والهيئات والمناقشات العلمية والاجتماعات العلمائية مع إمامته للجامع الكبير وخطبته .
ومن عجائبه مواظبته على الحج والدعوة فيه والتعليم وخطبة عرفة .
ومن عجائبه حسن وفائِه لمن علّمه بل وصل الأمر به للوفاء لعلماء سابقين رأى أنه استفاد منهم في علمه أو وعظه أو خطبه؛ وقد حجّ المفتي رحمه الله عن الأئمّة: "ابن رجب" و"ابن عبدالبرّ" و"المنذري"" وابن حزم" و"النووي" رحمهم الله رحمة واسعة.
لم أنل شرف الجلوس وطلب العلم بين يديه والنهل منه ولكنّ علاقتي اليسيرة به هو أن وفقني الله تعالى لدراستي بين يدي شيخين أحبّهما سماحة الشيخ وأحبّاه وهما :
1- شيخي الفقيه د.حسين بن عبدالله العبيدي حفظه الله وقد درستُ عنده في المسجد 19 عاما منذ كان عمري 14 حتى سن 33 سنة ولمّا كتبت قصيدتي في "العقيدة المحمّدية" 290 بيتاً وعرضتها على شيخي "حسين العبيدي" وأوصلها لسماحة المفتي فقرأها على المفتي أ.د. جميل الخلف؛ قرأها كاملة .
قال د.حسين العبيدي بالنص : عندما قُرأت عليه القصيدة كاملة أعجب بها أيّما إعجاب .
وكتب المفتي ثناءً على قصيدتي "العقيدة المحمّدية" .
وأسميتها بعد سنوات : "القصيدة الحمدية في العقيدة المحمّدية" وتم نشرها .
2- شيخي العلّامة عبدالله صالح القصير رحمه الله وكان سماحة المفتي يقدّر الشيخ ويجلّه ويحبّه.
ومن المواقف أنه لمّا مرض شيخي زاره سماحة المفتي في بيته .
شرفت باتصال من شيخي قبل اللقاء، وكان يريدها محفوفة مقدّرة العدد ، ولكن شاء الله تعالى أن يُظهر مكانة الشيخ عبدالله بكثرة العدد عند زيارة المفتي له .
وهذه الزيارات بين المشايخ كثيرة جداً فالعلم رحمٌ بينهم وفي الآونة الأخيرة ربما ابتلانا الله ﷻ بالتصوير فكان له الأثر في ظهور هذه الحسنة الخفيّة .
وفي هذا الزيارة خاصّةً رأيت ما هالني حيث ظهرت على سماحة المفتي علامات المرض والهزال والتعب ومع ذلك يقوم بزيارة الشيخ عبدالله في بيته !، ويقوم سماحته بالرقية على الشيخ عبدالله ! ويقرب الشيخ عبدالله رأسه للمفتي ، ثم رأيت شيخي الصادق كعادته في النصيحة للحاكم والمحكوم، والعالم والمتعلّم، والخاص والعام يكلّم سماحة المفتي بمثابة التذكير لسماحته بواجبه مع إجلاله لسماحة المفتي وتأدّبه معه .
موت سماحة المفتي ثلمة في الإسلام كيف وقد بقيت آثاره الحسنة ووعظه الصادق وكلماته التي انبعثت من القلب لتبقى في القلب.
رحمه الله ﷻ رحمة واسعة .
•ناصر عبدالرحمن الحمد #ناصر_الحمد
الحمد لله، أما بعد:
فقد اعتنى العلماء قديماً وحديثاً بجمع الأحاديث النبوية وانتقائها، غير أنَّ الله ﷻ كتب لـ«الأربعين النووية» التي جمعها الإمام النووي منزلةً عظيمةً وقبولاً واسعاً، ثم زادها الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله بهاءً بما ألحقه بها من الأحاديث والفوائد.
وقد تجاوزت شروح هذه الأحاديث المختارة المئات، مما يدلُّ على مكانتها العلمية والتربوية، حيث اجتمع لها من جوامع الكلم النبوي، وأصول الدين وقواعده، ما جعلها من أكثر المتون الحديثية تداولاً في مجالس العلم ومدارسه، وأوفرها عنايةً شرحاً وتدريساً وحفظاً عبر القرون.
كما اعتنى بشرح الأربعين النووية جماعات كثيرة من العلماء، فكان لكل شرحٍ مزاياه وخصائصه، غير أنَّ المزيّة الحقيقية لأي شرح لا تكمن في بسط الألفاظ أو جمع النقول، وإنما في قُدرته على إبراز مقاصد الحديث، وحسن ترتيب فوائده، وربط جزئياته بأصول الشريعة وقواعدها، مع وضوح العبارة وسهولة المأخذ؛ وهي خصال أرجو أن تكون اجتمعت في شرح الشيخ العالم عبدالله صالح المحسن رحمه الله.
كان الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله يقدّر الشيخ عبدالله المحسن ويُجلّه ويُعجب بمنهجه العلمي في التدريس ووضع المناهج والتأليف؛ حتى إنه طلب منه قبل سفره إلى الهند أن يضع منهجاً لطلاب معهد الجامعة هناك، لما عرفه من جودة تدريسه وتميز طريقته. وقد شهد للشيخ تلامذته الذين درسوا على يديه في معهد الجامعة؛ ومنهم تلميذه الشيخ د. محمد بن محمد المختار الشنقيطي؛ عضو هيئة كبار العلماء؛ حيث ذكر أنه من أبرز من استفاد منهم في المعهد.
كما شهد بذلك تلميذه الشيخ د. عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد وقد زار جدّي في بيته وفاءً وعرفاناً لحقه وفضله مثنياً على تعليمه له.
وأمَّا شرح الشيخ عبدالله للأربعين النووية فقد لقي قبولاً عند كثير من أهل العلم وطلابه، حتى تواصل معي عدد من المهتمين داخل المملكة وخارجها للإفادة منه وطلب الإذن في طباعته واعتماده ضمن المناهج التعليمية والدورات العلمية، وهو ما يدل على استمرار الانتفاع به، وبقاء أثره العلمي.
ولا يخفى على من مارس قراءة كتب الشروح أنَّ كثيراً منها يغلب عليه أحد الجانبين: التوسُّع العلمي الذي قد يشق على كثير من القراء، أو الاختصار الذي يفوّت قدراً من الفوائد والتحقيقات؛ أما هذا الشرح فقد سلك مؤلفه مسلكاً وسطاً جمع فيه بين التأصيل والاختصار، والتحقيق والتيسير، فكان صالحاً للمبتدئ الذي يلتمس الفهم، ولطالب العلم الذي ينشدُ الفائدة والتحرير.
ومن أبرز ما يميِّز هذا الشرح سعة علم مؤلفه، ورسوخ قدمه في علوم الشريعة، وحسن اختياراته وترجيحاته، مع عناية ظاهرة بمناهج أهل الحديث وأقوالهم، كما يمتاز بقدرته على الانتقال بالقارئ من فهم ألفاظ الحديث إلى استيعاب مقاصده وأحكامه وآثاره السلوكية والتربوية. وقد جمع مؤلفه بين التحقيق العلمي والطرح التعليمي الميسر، وهي معادلة قلّ أن تجتمع بهذا القدر من التوازن والوضوح.
ومن أهم معالم منهجه في شرح الأربعين النووية:
1- يورد الحديث كاملاً مع ذكر راويه.
2- يبين معاني المفردات والألفاظ، ويذكر التعاريف اللغوية والشرعية المناسبة، وما يتصل بها من أسباب وأحكام.
3- يستخرج الفوائد العلمية، ويضمنها القواعد الشرعية، والمسائل الفقهية، ومواضع الخلاف والترجيح، والفوائد الحديثية والسلوكية، مع إيجازٍ وحسن ترتيب.
4- يختم بالموجز، فيلخص معنى الحديث بأسلوب سهل ومختصر يناسب عامة القراء وطلاب العلم.
5- يستشهد بأبيات شعرية مناسبة لموضوع الحديث، تتضمن الموعظة والحكمة والإرشاد، مما يزيد المعنى رسوخاً وتأثيراً.
قدّم لهذا الكتاب زميله في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، الشيخُ المحدّث حمّاد بن محمد الأنصاري رحمه الله، فكتب له تقديماً نفيساً أثنى فيه على الكتاب ومؤلفه، ونوّه بمنهجه العلمي وفائدته لطلاب العلم، وهو تقريظٌ صادرٌ عن إمامٍ من أئمة الحديث في عصره، له وزنه ومكانته عند أهل العلم.
وقد اعتنيتُ بهذه الطبعة عنايةً قصدتُ بها تقريب الكتاب إلى قارئه وإخراجه في صورةٍ تليق بمكانته العلمية، و من أبرز ما قمت به:
1- تصحيح ما وقع في النسخ من أخطاء كتابية أو سهوٍ في الضبط والتحرير.
2- مقابلة النسخ المحررة والمطبوعة بعضها ببعض، وإثبات ما ظهر رجحانه منها.
3- معالجة ما وقع من التصحيف والتحريف في بعض المواضع.
4- مراجعة الأبيات الشعرية الواردة في الكتاب، وضبطها واستكمال ما احتيج إلى استكماله منها.
5- العناية بإخراج الكتاب وطباعته ونشره، ومتابعة سبل الإفادة منه بين طلاب العلم والمهتمين.
رحم الله ﷻ جدّي وشيخي رحمة واسعة، ونفع بهذا الكتاب كما نفع بأصله.
اللهم ارحم واغفر لوالدي عبدالرحمن الناصر
واشف والدتي شفاءً لا يغادر سقما
اللهم صلّ على محمّدٍ وسلّم
د. ناصر عبدالرحمن الحمد
@a_almhsn
#ناصر_الحمد #السعودية
الشرح المرتّب المفيد"
الحمد لله، أما بعد:
فقد كان التدريس والتعليم، والتأليف والتصنيف من أبرز عنايات جدّي وشيخي العالم الفقيه عبدالله صالح المحسن رحمه الله؛ حيث أفنى عمره في خدمة العلم بذلًا وعطاءً وتيسيرًا؛ حتى أصبح غذاءه وحياته؛ وقد أصبح العلم والتعليم في عباراته سهلاً ميسرّاً، يجمع بين التحقيق وحسن العرض وشرحه وتآليفه قريبةٌ من كبار أهل العلم وصغارهم.
ولست أنسى وقد تيسّر لي ملازمة حبيبي وشيخي، العلًامة عبدالله صالح القصيّر رحمه الله، والأخذ عنه، وكنت أتحفه بكتب جدّي وكنت أسمع منه بين الفينة والأخرى ثناءه على طريقة جدّي في التأليف، وإعجابه بوضوح عباراته، وسهولة شرحه، وحسن ترتيبه للمسائل؛ وقد توافق رأيه مع رأي شيخه الإمام بن باز رحمه الله؛ فكان هذا الثناء متصلًا بسندٍ علميٍّ معتبر، يجمع بين المعايشة، والدراية، وحسن التقدير؛ وهذا من دلائل اتصال العلم، وتوارثه بين أهله، جيلاً بعد جيل فالعلم رحم بين أهله .
كان سماحة شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله معجباً بمنهج جدّي في التدريس والتأليف، حتى حضر بعض دروس جدّي في الجامعة، وأمر بطباعة عدد من كتبه؛ كما أمره بوضع منهج لطلّاب معهد الجامعة قبل ابتعاثه للهند؛ وذلك لما رأى في تأليفه وترتيبه من نفعٍ ظاهر، وتأصيلٍ رائع.
"كتاب التوحيد"
كتاب التوحيد للإمام الإصلاحيّ المجدّد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله من الكتب التي بارك الله ﷻ فيها؛ إذ جمع على لطفه وإيجازه مسائل عظيمة في تقرير التوحيد، وبيان ما ينافيه أو يُنقصه، حتى أصبح أصلًا من أصول الكتب المهتّمّة بالجانب التوحيديّ من العقيدة، وتكاثرت شروحه، وتنافس العلماء في بيانه.
غير أن الشيخ عبدالله صالح المحسن رحمه الله؛ المدرس بالجامعة الإسلاميّة وهو من مؤسسيها سلك في شرحه مسلكًا متميّزًا، جمع بين أصالة التعليم القديم وروح التعليم الجديد؛ إذ قدّمه في قالبٍ منهجيٍّ قريبٍ من أساليب المناهج الدراسية المعاصرة للطلُاب في المدارس، بما يُيسّر على طالب العلم الفهم، ويُعينه على ترسيخ المسائل واستحضارها.
"منهجه في شرح الكتاب"
ومن أبرز معالم منهجه في الشرح:
1- إثبات متن الباب في صدر الموضوع.
2- تحليل الألفاظ، ببيان معاني الكلمات، وإزالة ما قد يشكل من العبارات.
3- شرح إجمالي منظم، يشتمل على:
أ) بيان سبب إيراد الباب.
ب) توضيح وجوه التعليلات.
ج) شرح الأدلة التي استدل بها المؤلف.
د) استخراج ما يتضمنه الباب من مواعظ وهدايات.
4- الفوائد المستنبطة، وهي خلاصة مركّزة لأهم ما في الباب.
5- وضع أسئلة تقويمية؛ تُعين على تثبيت الفهم، وربط العلم بالتحصيل.
وقد قدّم لهذا الكتاب إمامان من أئمة التوحيد والعقيدة: العالم الزاهد الشيخ صالح الخريصي رحمه الله رئيس محاكم القصيم، وسماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله.
وقد كانت للشيخ صالح الفوزان صلة علمية ومودة بجدّي الشيخ عبدالله، حيث جمعتهما الزمالة والصحبة، وكان لا يكاد يدع زيارته بين الحين والآخر في القصيم.
ولمَّا عزمتُ على إخراج هذا الكتاب، عرضته عليه، فسُرّ بذلك وابتسم ابتسامة عريضة لذكر جدّي، وسألني عنه، وذلك قبل وفاة جدّي رحمه الله، ثم تفضل مشكورًا مأجوراً بكتابة مقدمته.
"منهج التحقيق"
أما منهجي في تحقيق الكتاب، فقد قمت فيه على أصول علمية مجتهداً فيها، من أبرزها:
1- الاعتماد على النصِّ المحرّر من كتابة المؤلف، مع مراعاة ما أدخل عليه من تعديل أو تحسين.
2- ضبط النص ضبطًا لغويًا وفق قواعد العربية، مع مراعاة السياق والمعنى.
3- تصحيح الأخطاء الكتابية، ومعالجة ما وقع من تصحيف، والتنبيه على ما يحتاج إلى تنبيه.
4- تخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية، وبيان درجتها بحسب المتيسر، مع اعتمادٍ ظاهر على تصحيحات الإمام الألباني رحمه الله، وذلك موافقة لرغبة الشيخ عبدالله.
5- توثيق النقول وعزوها إلى مصادرها المعتمدة عند الحاجة.
6- العناية بعلامات الترقيم، بما يُيسّر القراءة، ويُعين على الفهم.
فعسى الله ﷻ أن يجعله حجّة للشيخ عبدالله المحسن ولمشايخه وتلاميذه وأهله ووالديه وولده وذريّته
د. ناصر عبدالرحمن الحمد
#السعودية #ناصر_الحمد
﷽
مشاهد من الهند 1392 - 1393 هجري
كانت رحلة الشيخ العالم عبدالله بن صالح المحسن في عام 1392 هجري بابتعاث من الملك فيصل - رحمه الله - لعدد من العلماء من الجامعة الإسلاميّة إلى الجامعة السلفية في بنارس في الهند.
الجامعة السلفية هي جامعةٌ أنشأها الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى في بنارس البلدة المعروفة بالمعابد ومحارق الموتى، وقد تمّ تأسيسها في يوم 11/ رجب/ عام 1383 هجري؛ علماً أنّ الأرض قد تبرّع بها وجهاء “مدنفورة” في بنارس، تبلغ مساحتها نحو مائة ألف قدم.
(مرفق صورة لسفير المملكة يوسف عبدالله الفوزان وهو يفتتح الجامعة نيابة عن "ابو خيرين" الملك سعود رحمه الله).
ولا تزال الجامعة السلفيّة تحت عناية ملوك هذه البلاد المباركة الطيّبة وأمرائها و مسؤوليها الكبار حتى يومنا هذا.
(مرفق صورة لخادم الحرمين الملك سلمان مع الشيخ عبدالله سعود السلفي أمين الجامعة السلفية بنارس" وكذلك صورة أخرى مع أمين رابطة العالم الإسلامي معالي الشيخ الدكتور محمّد العيسى)
( مشاهد من الهند )
كان جدّي وشيخي عبدالله صالح المحسن يحبّ البحث ويحبّ التعرّف على المعالم وهو لا يملّ ولا يكلّ من حركة العلم والتعليم والمعرفة والتعرّف على ما يحدث حوله.
وكان رحمه الله كثيراً ما يتحدّث مع صديقه الرحّالة العلّامة محمّد ناصر العبودي عن العجائب والغرائب في العالم فقد كانوا جيراناً وأصدقاء وقد رجع العلّامة محمد ناصر العبودي إلى الشيخ عبدالله المحسن في ما يتعلّق ببعض الأمور مثل الكتابة عن الشيحيّة والضلفعة في القصيم وكذلك بعض الأمور المتعلّقة بالأنساب .
"الزوجة الوفيّة"
سافر الشيخ عبدالله المحسن إلى الهند مرّتين وكانت معه زوجته الوفيّة الصالحة جدّتي لأمّي هياء بنت علي المحسن رحمها الله.
تقول والدتي -شفاها الله ﷻ - سافروا مرةً للهند و سكنوا عند الهندوس ثم رجعوا للمدينة لزواج ابنهم خالي علي حفظه الله ثم رجعوا مرة أخرى وسكنوا عند المسلمين وجدتي هياء رحمها الله ممن وقف مع جدّي في السرّاء والضرّاء وهي أشبه ما تكون بالزوجة والأمّ لجدّي وقد تعرّضت رِجلها بالهند إلى التواء الكاحل بسبب سعيها لتصليح البيت وتنظيفه والقيام بحقّ زوجها ليؤدّي رسالته التعليميّة .
"بداية السفر "
سافر الشيخ عبدالله من المدينة النبويّة إلى جدّة ونزل في قصر للجامعة، ولعلّ الجامعة نسيت تأكيد الموعد للطيران ومتابعته، فطلب منهم المسؤول عدم الرجوع للمدينة حتى ينظر في أمرهم فدخل الشيخ عند قريب له في جدّة يعمل في جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
تم تأكيد الحجز بعد ذلك من الجامعة و سافر الشيخ عبدالله وزوجته إلى الهند وقبل ذلك نزلت الطائرة في كراتشي باكستان مواصلة رحلة - ترانزيت - ثم بعد ساعة ذهبت الطائرة للهند لتهبط في "بومباي" ليستقبلهم مسؤول الجامعة مرحّباً بهما ثم تم حجز طائرة إلى نيودلهي.
" دهلي "
قال الشيخ عبدالله اسمها الأصلي "دهلي" وليست "دلهي".
لمّا نزلوا دهلي يقول : أصبح معنا مترجم ونزلنا بجوار مسجد المسلمين وفيه منارة عالية جداً ارتفاع 10 أدوار تقريبا وليس فيها مصعد فصعدنا في هذه الأدوار وفي منتصف المنارة مكان للنظر من الخارج؛ فكنت أرى بيوت الناس كبيوت الطيور من طول المنارة، ولما نزلنا إذا بالعمود فيه شقوق تستطيع الاطّلاع منه فسألتهم لم لم يصلحوها؟. فقالوا نخاف من كيد الهندوس.
ونزلنا فإذا في رحبة المسجد و باحة كبيرة في ركنها قُبَّة!؛ فقلت: ما هذه القبّة فقالوا فيها أثر قدمي آدم - عليه السلام - حين نزل من السماء !؛ وعليها سادن -رجل أمن - فقالوا تريد أن تدخلها يا أبا أحمد ؟ فقلت: كلّا هذه آثار شيطانية .
" إلى بنارس "
يقول الشيخ : سافرنا إلى "بنارس" وقد أخذوا لنا بيتاً في الدور الأول وفي الأسفل دكاكين فكنت أخرج من الصباح للجامعة وكان أكثر الموجود من الهندوس وكنت كلما مررت عليهم يعطونني سلام على هيئة تحية وذلك أن الحكومة الهنديّة كانت تلزمهم احترام الغريب على بلادهم .
يقول الشيخ: والعجيب أنّ باب الجامعة السلفيّة كان بمقابل معبد الهندوس.
"معبد بجانب الجامعة"
هذا المعبد عنده شجر كثير وبئر فكانوا يأخذون من ماء البئر ويرشُّون على أبدانهم وثيابهم وما ينزل في حوض الشجر من هذا الماء يأخذون منه ويتمسحون به لطلب البركة .
يقول مرة : قابلني رجلٌ شبه عارٍ وهو كبير سن وهو متسخ جداً و معه ناسٌ عن يمينه وشماله فتعجّبت لذلك؛ فسألت عنه الزملاء في الجامعة فقالوا : هذا من عظمائهم فهو من رهبان الجبال فيتمسّحون به ويتبرّكون. =
قصاصات من جريدة الجزيرة من عام 1400 للهجرة عن توسعة الحرم المكّي.
الشيخ العالم عبدالله صالح المحسن رحمه الله له اطّلاع واسع.
ومن عرفه عن قرب عرف ذلك؛فلا تكاد تراه إلا وبيده الجريدة والمجلّة ويكتب ويرد ويراسل هذا مع تواليفه التي خرج منها ثلث وبقي الثلثان؛ فبارك الله له في عمره .
كثيراً ما تأخذ الشيخ عبدالله صالح المحسن الغيرة على ما تقدّمه الدولة من خدمة للحرمين الشريفين.
وقد كتب مقالاً يردّ فيه على من يخذّل في التوسعة ويلمزها.
المقال كان في عام 1399 للهجرة.
التوسعة للمسجد النبوي في عهد الملك الصالح فهد بن عبدالعزيز رحمه الله دخلت التاريخ من أعظم أبوابه
الشيخ العالم عبدالله بن صالح المحسن ممن اختاره الملك فيصل رحمه الله ﷻ وعلماء آخرون للابتعاث إلى الجامعة السلفيّة في الهند في بنارس .
وقد كتب وحرّر وحدّث عن بعض العجائب والغرائب في الهند.
وقد كتب الله ﷻ له النفع العظيم في الهند
https://t.co/o1EjwXgpR6
﷽
مشاهد من الهند 1392 - 1393 هجري
كانت رحلة الشيخ العالم عبدالله بن صالح المحسن في عام 1392 هجري بابتعاث من الملك فيصل - رحمه الله - لعدد من العلماء من الجامعة الإسلاميّة إلى الجامعة السلفية في بنارس في الهند.
الجامعة السلفية هي جامعةٌ أنشأها الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى في بنارس البلدة المعروفة بالمعابد ومحارق الموتى، وقد تمّ تأسيسها في يوم 11/ رجب/ عام 1383 هجري؛ علماً أنّ الأرض قد تبرّع بها وجهاء “مدنفورة” في بنارس، تبلغ مساحتها نحو مائة ألف قدم.
(مرفق صورة لسفير المملكة يوسف عبدالله الفوزان وهو يفتتح الجامعة نيابة عن "ابو خيرين" الملك سعود رحمه الله).
ولا تزال الجامعة السلفيّة تحت عناية ملوك هذه البلاد المباركة الطيّبة وأمرائها و مسؤوليها الكبار حتى يومنا هذا.
(مرفق صورة لخادم الحرمين الملك سلمان مع الشيخ عبدالله سعود السلفي أمين الجامعة السلفية بنارس" وكذلك صورة أخرى مع أمين رابطة العالم الإسلامي معالي الشيخ الدكتور محمّد العيسى)
( مشاهد من الهند )
كان جدّي وشيخي عبدالله صالح المحسن يحبّ البحث ويحبّ التعرّف على المعالم وهو لا يملّ ولا يكلّ من حركة العلم والتعليم والمعرفة والتعرّف على ما يحدث حوله.
وكان رحمه الله كثيراً ما يتحدّث مع صديقه الرحّالة العلّامة محمّد ناصر العبودي عن العجائب والغرائب في العالم فقد كانوا جيراناً وأصدقاء وقد رجع العلّامة محمد ناصر العبودي إلى الشيخ عبدالله المحسن في ما يتعلّق ببعض الأمور مثل الكتابة عن الشيحيّة والضلفعة في القصيم وكذلك بعض الأمور المتعلّقة بالأنساب .
"الزوجة الوفيّة"
سافر الشيخ عبدالله المحسن إلى الهند مرّتين وكانت معه زوجته الوفيّة الصالحة جدّتي لأمّي هياء بنت علي المحسن رحمها الله.
تقول والدتي -شفاها الله ﷻ - سافروا مرةً للهند و سكنوا عند الهندوس ثم رجعوا للمدينة لزواج ابنهم خالي علي حفظه الله ثم رجعوا مرة أخرى وسكنوا عند المسلمين وجدتي هياء رحمها الله ممن وقف مع جدّي في السرّاء والضرّاء وهي أشبه ما تكون بالزوجة والأمّ لجدّي وقد تعرّضت رِجلها بالهند إلى التواء الكاحل بسبب سعيها لتصليح البيت وتنظيفه والقيام بحقّ زوجها ليؤدّي رسالته التعليميّة .
"بداية السفر "
سافر الشيخ عبدالله من المدينة النبويّة إلى جدّة ونزل في قصر للجامعة، ولعلّ الجامعة نسيت تأكيد الموعد للطيران ومتابعته، فطلب منهم المسؤول عدم الرجوع للمدينة حتى ينظر في أمرهم فدخل الشيخ عند قريب له في جدّة يعمل في جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
تم تأكيد الحجز بعد ذلك من الجامعة و سافر الشيخ عبدالله وزوجته إلى الهند وقبل ذلك نزلت الطائرة في كراتشي باكستان مواصلة رحلة - ترانزيت - ثم بعد ساعة ذهبت الطائرة للهند لتهبط في "بومباي" ليستقبلهم مسؤول الجامعة مرحّباً بهما ثم تم حجز طائرة إلى نيودلهي.
" دهلي "
قال الشيخ عبدالله اسمها الأصلي "دهلي" وليست "دلهي".
لمّا نزلوا دهلي يقول : أصبح معنا مترجم ونزلنا بجوار مسجد المسلمين وفيه منارة عالية جداً ارتفاع 10 أدوار تقريبا وليس فيها مصعد فصعدنا في هذه الأدوار وفي منتصف المنارة مكان للنظر من الخارج؛ فكنت أرى بيوت الناس كبيوت الطيور من طول المنارة، ولما نزلنا إذا بالعمود فيه شقوق تستطيع الاطّلاع منه فسألتهم لم لم يصلحوها؟. فقالوا نخاف من كيد الهندوس.
ونزلنا فإذا في رحبة المسجد و باحة كبيرة في ركنها قُبَّة!؛ فقلت: ما هذه القبّة فقالوا فيها أثر قدمي آدم - عليه السلام - حين نزل من السماء !؛ وعليها سادن -رجل أمن - فقالوا تريد أن تدخلها يا أبا أحمد ؟ فقلت: كلّا هذه آثار شيطانية .
" إلى بنارس "
يقول الشيخ : سافرنا إلى "بنارس" وقد أخذوا لنا بيتاً في الدور الأول وفي الأسفل دكاكين فكنت أخرج من الصباح للجامعة وكان أكثر الموجود من الهندوس وكنت كلما مررت عليهم يعطونني سلام على هيئة تحية وذلك أن الحكومة الهنديّة كانت تلزمهم احترام الغريب على بلادهم .
يقول الشيخ: والعجيب أنّ باب الجامعة السلفيّة كان بمقابل معبد الهندوس.
"معبد بجانب الجامعة"
هذا المعبد عنده شجر كثير وبئر فكانوا يأخذون من ماء البئر ويرشُّون على أبدانهم وثيابهم وما ينزل في حوض الشجر من هذا الماء يأخذون منه ويتمسحون به لطلب البركة .
يقول مرة : قابلني رجلٌ شبه عارٍ وهو كبير سن وهو متسخ جداً و معه ناسٌ عن يمينه وشماله فتعجّبت لذلك؛ فسألت عنه الزملاء في الجامعة فقالوا : هذا من عظمائهم فهو من رهبان الجبال فيتمسّحون به ويتبرّكون. =
التوحيد الخالص
من فضل ربي ﷻ أن أوزعني الشغف بالفقه الأكبر والأصغر فكانت بضاعتي منهما أعظم بضاعة .
ومن رحمة الله ﷻ بي أن جعلني من أصلين يانعين والدي رحمه الله ﷻ وأمّي؛ شفاها ﷻ؛ ومما زادني تِيهاً أن منّ الله ﷻ عليَّ بجدّي لأمي شيخي الفقيه العالم عبدالله بن صالح المحسن @a_almhsn ؛ رمزٌ من رموز العلم والفقه وهو من مؤسسي الجامعة الإسلامية في المدينة النبويّة.
لقد أقبلتُ على علمه نهماً وبارك الله ﷻ لي بالعزم على تحقيق كتبه والعناية بها فبارك الله ﷻ لي قراءتها عدّة مرّات في مراجعات، وسوف أستعرض كلّ حين هذه البضاعة العزيزة الرفيعة .
( التوحيد الخالص من الدين الخالص)
سبب تأليف الكتاب :
في سنة 1393 للهجرة ابتعث الشيخ عبدالله صالح المحسن بأمر من جلالة الملك الصالح فيصل بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله للتدريس في الجامعة المركزية السلفية (ببنارس) هو وثلة من العلماء منهم الشيخ صالح بن حسين العلي الملقّب بـ"العراقي رحمه الله والشيخ العالم ربيع المدخلي رحمه الله والشيخ العالم عبدالله الغنيمان حفظه الله، وغيرهم .
كان الشيخ عبدالله صالح المحسن محبّاً وشغوفاً للتأليف فقد كان يكتب على كلّ شيء يراه ولا تكاد ترى ورقة صغيرة ولا كبيرة إلا وتجده فيها أثراً من كتابته، وفي العام الهجري 1393 الموافق 1973 ميلادي وكان شهر يوليو وقت العطلة بالجامعة وكان جدّي الشيخ عبدالله لا يحسن لغة القوم ولا يحبّ الخروج من البيت إلا قليلاً فنظر في كتاب الدين الخالص للعلّامة محمد صديق حسن خان فوجده كتاباً رائعاً إصلاحياً من أربع مجلدات وهو يدور حول عدة مواضيع عقدية :
1- التوحيد بأنواعه الثلاثة
2- التحذير من الشرك وطرقه
3- التحذير من البدع والمُحدثات
4- الدعوة للاتّباع وترك التقليد والتعصّب
5- الإصلاح العقدي ومحاولة إعادة الناس للتوحيد
ولمّا رأى الشيخ عبدالله صالح المحسن في هذا الكتاب طولاً وتكراراً، وتشتيتاً في بعض مواضيعه ؛ اقتصر الشيخ عبدالله على أهمّ شيء فيه وهو "التوحيد" .
عمل الشيخ عبدالله في الكتاب:
حرص الشيخ عبدالله على تهذيب نصّ الكتاب وخدمته، وتيسيره للقارئ والمُتلقّي ويمكن إجمال عمله فيما يأتي:
1- انتقاء ما يناسب مقصوده من كلام المؤلف، مع الاقتصار على تصرّفٍ يسير لا يغيّر المعنى ولا يخرجه عن مراد المؤلف.
2- معالجة ما قد يعتري بعض العبارات من لبس أو خفاء، بما يقرّب المعنى ويُوضّحه.
3- إعادة ترتيب الكتاب ترتيبًا حسنًا؛ نظرًا لعدم إحكام ترتيبه في أصل تصنيف الشيخ محمد صديق خان رحمه الله .
4- اتّباع العناوين المثبتة في طبعة آل ثاني، لما امتازت به من ترتيبٍ وزياداتٍ على أصل المؤلف.
5- التصرّف في بعض العناوين بحسب ما يقتضيه السياق والمناسبة.
6- تمييز ما أضافه من عنده ووضعه بين قوسين؛ ليدرك القارئ أنّه ليس من كلام المؤلف، وهو قليل.
منهجي في تحقيق الكتاب:
سلكتُ في تحقيق هذا الكتاب منهجًا علميًّا يقوم على أمور أبرزها:
1- الاعتماد على النص المحرّر من كتابة الشيخ عبدالله، مع مقابلته بكتاب الأصل “الدين الخالص” للشيخ محمد صديق حسن خان ، وتثبيت ما يظهر رجحانه منهما.
2- العناية بضبط النص ضبطًا تامًّا، وفق قواعد اللغة العربية، مع مراعاة سياق الكلام ومعناه.
3- تصحيح ما وقع في النصّ من أخطاء، ومعالجة ما فيه من تصحيفٍ، والتنبيه على ما تدعو الحاجة إلى التنبيه عليه.
5- تخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية، مع العناية ببيان درجته بحسب ما يتيسر مع اعتمادي الكبير على تصحيح الشيخ الألباني رحمه الله لرغبة الشيخ عبدالله بذلك.
6- توثيق بعض النقول وعزوها إلى مصادرها المعتمدة ما أمكن ذلك، مع الاقتصار على ما تدعو إليه الحاجة.
7- العناية بعلامات الترقيم المهمّة، وتوضيح النصّ بما يُيسّر قراءته ويُعين على فهمه.
_______
مرفق رابط لمقال لأحد أعضاء هيئة التدريس في جامعة بنارس الشيخ أسعد أعظمي وذكره للجامعة وبعض من ابتعث لها
مرفق صور : صورة الكتاب وصور للجامعة السلفية ببنارس في الهند وصورتين من خطّ الشيخ الأصلي
https://t.co/juks8MbkJ8
#ناصر_الحمد #السعودية
الشيخ الفقيه عبدالله المحسن وقصته مع القضاء .
كان الجدّ الشيخ العالم الفقيه عبدالله بن صالح المحسن رحمه الله تعالى @a_almhsn حادّ الذكاء ظاهر الفراسة بليغ الفقه والفهم وكان من متميّزاً على أقرانه شامة بين زملائه؛ ويعرف قدره وقدرته وعلمه من عايشه وسبر أحواله ونظر لعلمه وتعليمه في الداخل والخارج، وكان على رأس المتمسّكين بالشيخ عبدالله المحسن للإفادة منه "سماحة الإمام ابن باز" رحمه الله تعالى؛ فقد كان الشيخ عبدالله بن صالح المحسن من المؤسسين للجامعة الإسلامية مع الشيخ ابن باز وثلة من العلماء.
كان الشيخ ابن باز يحضر بعض محاضرات الشيخ عبدالله صالح المحسن التي يلقيها في الجامعة على الطلّاب والمدرّسين وأوصى بطباعة بعضها - منها رسالة مطبوعة في الأخلاق والإيمان - ؛ أراد الشيخ عبدالله المحسن الذهاب للتدريس في جامعة بنارس بالهند طلب منه الشيخ ابن باز أن يضع منهجاً لجميع الصفوف في معهد الجامعة الإسلامية لعلمه بحذقه وفهمه وطريقته المبسّطة في إيصال المعلومة - المناهج موجودة عندي - .
لقد كان الشيخ عبدالله المحسن متميّزاً في دراسته وتدريسه وكان ميّالاً للعلم والتعليم والتأليف أكثر من غيرها من العلوم والفنون؛ رغم بروزه وتميّزه في معرفة الرجال وتمييز علامات أهل الصدق من أهل الكذب وحسن الفصل بينهم وله في مواقف كثيرة .
كان سماحة العلّامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية وقد تولّى رئاسة القضاء عند تأسيسها عام 1376 هجري فكان يختار القضاة ويلحّ عليهم ولا يستطيع أحد أن يفرّ من اختياره إلّا بشق الأنفس فقد كان حازماً وعازما.
ومن المعلوم أن العلّامة محمد بن إبراهيم كان رئيساً للجامعة الإسلامية عام 1381 هجري وكان نائبه العلّامة ابن باز رحمهما الله وكلاهما يعرفان الشيخ عبدالله المحسن جيّداً والذي كان أيضاً من المؤسسين معهم لهذه الجامعة المباركة.
قام الشيخ بن إبراهيم رحمه الله بتعيين الشيخ عبدالله المحسن في "عقلة الصقور" دون رجوع له أو اكتراث لطلب إعفائه من ذلك مما حدا بالشيخ عبدالله المحسن إلى أن يلجأ إلى الشيخ ابن باز رحمه الله حتى ينقذه من هذا التعيين ! .
قام الشيخ ابن باز رحمه الله بإقناع الشيخ ابن إبراهيم حتى يصرف النظر عن تعيينه علماً أنّ الشيخ عبدالله المحسن لم يباشر العمل بالقضاء في عقلة الصقور رغم صدور البيان وكان يأمل ويطمع في قبول شفاعة الشيخ ابن باز له عند الشيخ ابن إبراهيم .
قال ابن باز لابن إبراهيم : الشيخ عبدالله بن محسن برع في العلم وهو متميّز في العلم والتعليم وبقاؤه في التعليم أصلح له ولغيره فلم الإلحاح عليه في ذلك ؟فوافق الشيخ ابن إبراهيم وصرف النظر عن تعيينه .
ولكن بعد أربع سنوات عاد الشيخ ابن إبراهيم الكرّة لتعيين الشيخ عبدالله المحسن بالقوّة في السلك القضائي .
يحدّث الشيخ العالم عبدالعزيز بن ناصر الرشيد - وهو أول رئيس لإدارة تعليم البنات ورئيس لهيئة محكمة التمييز بالمنطقتين الوسطى والشرقية-؛ وكان زميلاً مقرّبا وله علاقة حميمة جداً مع الشيخ عبدالله المحسن فكان شيخا للشيخ عبدالله المحسن في كلية الشريعة بالرياض وزميلاً له في حلقات العلم عند العلماء ومن مشايخهما الشيخ ابن إبراهيم وأخوه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم وكان الشيخ عبدالعزيز الرشيد يجلّ الشيخ عبدالله ويقدّره وله به علاقة قويّة جداً.
يحدّث الشيخ عبدالعزيز الرشيد يقول : كان الشيخ "ابن إبراهيم" مصرّا على تعيين الشيخ عبدالله المحسن في القضاء فاجتمعت معه أنا والشيخ ابن باز واثنين من العلماء - لا تحضر أسماؤهم - فكانوا أربعة من المشايخ يقومون بإقناع الشيخ ابن إبراهيم أن يصرف النظر عن تعيين الشيخ عبدالله بن صالح المحسن في القضاء وأنّ بقاءه في العلم والتعليم خيرٌ له ولغيره حتى استجاب العلّامة ابن إبراهيم أخيرا وصرف النظر عن ذلك .
في عام 1395 للهجرة عيّن الملك خالد رحمه الله الشيخ العلّامة عبدالله بن محمد بن حميد رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء ولم يغب الشيخ عبدالله المحسن عن ذاكرة الشيخ عبدالله بن حميد فأبدى رغبته للشيخ عبدالله المحسن لتولّي القضاء وكان يدرك عدم رغبة الشيخ عبدالله بذلك ويدرك مواقف المشايخ من هذا الأمر في الشفاعات عند الشيخ ابن إبراهيم ولكن كان يلحّ عليه كل فترة .
ومن المواقف أنّه مرض الشيخ عبدالله بن حميد وعاده وزاره الشيخ عبدالله المحسن في المشفى وكان مع الشيخ عبدالله المحسن ابنه - خالي علي المحسن حفظه الله - قال الشيخ عبدالله بن حميد للشيخ عبدالله المحسن : لعلّك تتولى القضاء فأنت أهل له والناس بحاجة لفهمك ومعرفتك مع إحاطتك بالعلم الشرعي وخاصة في ما يتعلّق بعلم القضاء .
قال الشيخ عبدالله المحسن ممازحاً :
ولدي علي ما يسمح لي .
قال الشيخ : نخلي "علي" كاتب ضبط عندك .
+
الشيخ عبدالله المحسن شكر للشيخ عبدالله بن حميد حسن ظنّه وبيّن له عدم رغبته بالقضاء أبداً وأن يعفيه تماماً من هذا الأمر واستجاب الشيخ عبدالله بن حميد لذلك .
كان الشيخ عبدالله المحسن @a_almhsn يخاف من القضاء ويهرب منه ولا يرغب به ليس كلّه لأجل العلم والتعليم فقط بل كان يتخوّف من القضاء وتبعته والابتلاء به وهذا ما جعل الشيخ ابن إبراهيم والشيخ بن حميد يتمسّكون به لعدم رغبته ولخوفه من أن لا يعدل في القضاء فكان متخلّقا بأخلاق السلف في الهروب من القضاء .
رحمه الله مشايخنا وعلماءنا وجزاهم عنّا خير الجزاء .
وكتبه سبطاه:
عبدالعزيز عبدالرحمن الحمد
د. ناصر عبدالرحمن الحمد
الشيخ الفقيه عبدالله المحسن وقصته مع القضاء .
كان الجدّ الشيخ العالم الفقيه عبدالله بن صالح المحسن رحمه الله تعالى @a_almhsn حادّ الذكاء ظاهر الفراسة بليغ الفقه والفهم وكان من متميّزاً على أقرانه شامة بين زملائه؛ ويعرف قدره وقدرته وعلمه من عايشه وسبر أحواله ونظر لعلمه وتعليمه في الداخل والخارج، وكان على رأس المتمسّكين بالشيخ عبدالله المحسن للإفادة منه "سماحة الإمام ابن باز" رحمه الله تعالى؛ فقد كان الشيخ عبدالله بن صالح المحسن من المؤسسين للجامعة الإسلامية مع الشيخ ابن باز وثلة من العلماء.
كان الشيخ ابن باز يحضر بعض محاضرات الشيخ عبدالله صالح المحسن التي يلقيها في الجامعة على الطلّاب والمدرّسين وأوصى بطباعة بعضها - منها رسالة مطبوعة في الأخلاق والإيمان - ؛ أراد الشيخ عبدالله المحسن الذهاب للتدريس في جامعة بنارس بالهند طلب منه الشيخ ابن باز أن يضع منهجاً لجميع الصفوف في معهد الجامعة الإسلامية لعلمه بحذقه وفهمه وطريقته المبسّطة في إيصال المعلومة - المناهج موجودة عندي - .
لقد كان الشيخ عبدالله المحسن متميّزاً في دراسته وتدريسه وكان ميّالاً للعلم والتعليم والتأليف أكثر من غيرها من العلوم والفنون؛ رغم بروزه وتميّزه في معرفة الرجال وتمييز علامات أهل الصدق من أهل الكذب وحسن الفصل بينهم وله في مواقف كثيرة .
كان سماحة العلّامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية وقد تولّى رئاسة القضاء عند تأسيسها عام 1376 هجري فكان يختار القضاة ويلحّ عليهم ولا يستطيع أحد أن يفرّ من اختياره إلّا بشق الأنفس فقد كان حازماً وعازما.
ومن المعلوم أن العلّامة محمد بن إبراهيم كان رئيساً للجامعة الإسلامية عام 1381 هجري وكان نائبه العلّامة ابن باز رحمهما الله وكلاهما يعرفان الشيخ عبدالله المحسن جيّداً والذي كان أيضاً من المؤسسين معهم لهذه الجامعة المباركة.
قام الشيخ بن إبراهيم رحمه الله بتعيين الشيخ عبدالله المحسن في "عقلة الصقور" دون رجوع له أو اكتراث لطلب إعفائه من ذلك مما حدا بالشيخ عبدالله المحسن إلى أن يلجأ إلى الشيخ ابن باز رحمه الله حتى ينقذه من هذا التعيين ! .
قام الشيخ ابن باز رحمه الله بإقناع الشيخ ابن إبراهيم حتى يصرف النظر عن تعيينه علماً أنّ الشيخ عبدالله المحسن لم يباشر العمل بالقضاء في عقلة الصقور رغم صدور البيان وكان يأمل ويطمع في قبول شفاعة الشيخ ابن باز له عند الشيخ ابن إبراهيم .
قال ابن باز لابن إبراهيم : الشيخ عبدالله بن محسن برع في العلم وهو متميّز في العلم والتعليم وبقاؤه في التعليم أصلح له ولغيره فلم الإلحاح عليه في ذلك ؟فوافق الشيخ ابن إبراهيم وصرف النظر عن تعيينه .
ولكن بعد أربع سنوات عاد الشيخ ابن إبراهيم الكرّة لتعيين الشيخ عبدالله المحسن بالقوّة في السلك القضائي .
يحدّث الشيخ العالم عبدالعزيز بن ناصر الرشيد - وهو أول رئيس لإدارة تعليم البنات ورئيس لهيئة محكمة التمييز بالمنطقتين الوسطى والشرقية-؛ وكان زميلاً مقرّبا وله علاقة حميمة جداً مع الشيخ عبدالله المحسن فكان شيخا للشيخ عبدالله المحسن في كلية الشريعة بالرياض وزميلاً له في حلقات العلم عند العلماء ومن مشايخهما الشيخ ابن إبراهيم وأخوه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم وكان الشيخ عبدالعزيز الرشيد يجلّ الشيخ عبدالله ويقدّره وله به علاقة قويّة جداً.
يحدّث الشيخ عبدالعزيز الرشيد يقول : كان الشيخ "ابن إبراهيم" مصرّا على تعيين الشيخ عبدالله المحسن في القضاء فاجتمعت معه أنا والشيخ ابن باز واثنين من العلماء - لا تحضر أسماؤهم - فكانوا أربعة من المشايخ يقومون بإقناع الشيخ ابن إبراهيم أن يصرف النظر عن تعيين الشيخ عبدالله بن صالح المحسن في القضاء وأنّ بقاءه في العلم والتعليم خيرٌ له ولغيره حتى استجاب العلّامة ابن إبراهيم أخيرا وصرف النظر عن ذلك .
في عام 1395 للهجرة عيّن الملك خالد رحمه الله الشيخ العلّامة عبدالله بن محمد بن حميد رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء ولم يغب الشيخ عبدالله المحسن عن ذاكرة الشيخ عبدالله بن حميد فأبدى رغبته للشيخ عبدالله المحسن لتولّي القضاء وكان يدرك عدم رغبة الشيخ عبدالله بذلك ويدرك مواقف المشايخ من هذا الأمر في الشفاعات عند الشيخ ابن إبراهيم ولكن كان يلحّ عليه كل فترة .
ومن المواقف أنّه مرض الشيخ عبدالله بن حميد وعاده وزاره الشيخ عبدالله المحسن في المشفى وكان مع الشيخ عبدالله المحسن ابنه - خالي علي المحسن حفظه الله - قال الشيخ عبدالله بن حميد للشيخ عبدالله المحسن : لعلّك تتولى القضاء فأنت أهل له والناس بحاجة لفهمك ومعرفتك مع إحاطتك بالعلم الشرعي وخاصة في ما يتعلّق بعلم القضاء .
قال الشيخ عبدالله المحسن ممازحاً :
ولدي علي ما يسمح لي .
قال الشيخ : نخلي "علي" كاتب ضبط عندك .
+
لقد حزن قلبي بخبر وفاة الشيخ الدكتور : #ناصر_بن_سعود_السلامة .
لم أكن معه على علاقة مباشرة بل كانت علاقتي معه عبر الهاتف عندما استأذنني في نشر مقالات لجدي وشيخي العالم الفقيه عبدالله صالح المحسن رحمه الله @a_almhsn .
لقد وجدته حريصاً على نشر العلم حريصاً على أن يكون هذا شفيعاً له عند لقاء ربّه ﷻ ليكون صدقة جارية له بإذن الله ﷻ .
عندما استأذن في نشر هذه المقالات بينت له أن هناك ملاحظات يجب أن يتنبّه لها وكان المتّفق عليه إطلاعي عليها قبل النشر ولكني تفاجأت بطباعة الكتاب؛ فأرسلت عتبي له ولم أكن أعلم سبب ذلك فأخبرني بحالته الصحّية ولعلّه شعر بقرب أجله فأراد أن ينجز ما في يده ، ودعوت له بالشفاء .
قد أحسن لنفسه من نشر علماً أو ورّث مصحفاً أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو أخرج صدقة في حياته لتلحقه بعد موته .
أرجو أن يكون هذا الكتاب وغيره ذخراً له بين يدي الله تعالى ومؤنساً له في قبره ودليلاً له إلى جنّته ورضوانه .
#ناصر_الحمد #السعودية
رحم الله الشيخ العالم السلفيّ ربيع بن هادي المدخلي لقد كان رمزاً من رموز علماء السنّة السلفيّين وكان من المدرسين المميّزين في الجامعة الإسلامية والتي خرّجت علماء في العقيدة نفع الله ﷻ بهم في الأرض .
وكان الشيخ ربيع بن هادي المدخلي زميلاً لجدّي الشيخ عبدالله صالح المحسن وكان يثني عليه جدّي خيراً ويذكره بالحسنى .
لقدكان من أميز مواقف الشيخ ربيع رحمه الله هي في وقت حرب الخليج الثانية وكانت الحرب موطئا فاصلاً فيه اتضحت كثير من السبل وفيه ظهرت فتنة بعض الفتّانين والمتحزّبة بعد فتوى العلماء وعلى رأسهم الإمام ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله بجواز الاستعانة بقوات أجنبية لمواجهة "صدام حسين" ؛ فقام بعض المخدوعين والخادعين بالتشغيب على الفتوى والتأليب على الدولة من حيث يشعرون أو لا يشعرون ،وهنا سجّل الشيخ محمّد أمان الجامي رحمه الله موقفا مشرّفا وتبعه على ذلك تلميذه الشيخ ربيع المدخلي رحمه الله حين واجهوا بعض المشغّبين على فتوى العلماء وعلى عزيمة ولاة الأمر وكان هذا الموقف القويّ ليس بالسهل حيث تعرض الشيخ محمد أمان الجامي والشيخ ربيع هادي المدخلي لبلاء عظيم ومواجهة مسيئة من المتحزّبة بسبب المواجهة التي تعرّض لها رموزهم من المتحزّبة ولا يزال أثر أذى هذه المواجهة حتى اليوم .
رحم الله الشيخ السلفيّ ربيع المدخليّ وقد ابتلي بالمرض سنيناً وقد حرصت أن أسافر لزيارته في مرضه الأخير إلا أن حالته لم تكن مناسبة للزيارة .
وقد فجعت بوفاته ؛ فإن وفاة العالم ثلمة عظيمة لا يسدّها أيّ شيء .
عسى الله ﷻ أن يجعل ما أصابه رفعة لدرجته عند الله ﷻ ويجمعه مع النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
#ناصر_الحمد #السعودية
الشيخ العالم عبدالله المحسن رحمه الله من العلماء الذين اجتهدوا اجتهاداً بالغاً في العلم والتعليم فهو يرحل في سبيل العلم والتعليم داخل السعوديّة وخارجها ولذا كثر زملاؤه في هذا الدرب العظيم وقد سجّلنا بعضاً من هؤلاء العلماء الأجلّاء …
#السعودية#العلماء