أطلَّ وجهُكِ في أفقي فعلّقَهُ
جفني، على صدرِ هذا الليلِ قنديلا
نسيتُ من فوقهِ -مسعورةً- شفتي
تهيمُ في وردهِ، لثماً وتقبيلا
ورحتُ أنزفُ أشعاري على وهَجٍ
من ضوئهِ، وبهِ أمحو الأباطيلا
إن كانَ (كِذْبةَ إبريلٍ) فأُمنيتي
ياربُّ، لو صارَ كلُّ العامِ (إبريلا)
كَمْ من سؤالٍ على متني أطوفُ بِهِ
في التيهِ؛ والدربُ مصلوبٌ على قَدمي:
هل الحياةُ – كما تَروي بساطتُنا-
طفلٌ يدقُّ على بوَّابة الـهَرَمِ؟
ونحنُ.. هل نحنُ أمواجٌ مُحاصَرَةٌ
ما بين شطَّينِ باسمِ القبرِ والرَّحِمِ؟
يجري بنا النَّهْرُ في أدغالِ مُنْحَدَرٍ
من الغرائزِ، مأخوذًا إلى العَدَمِ
حتَّى إذا شهوةُ الوديانِ داخلَنا
تَـمَلَّكَتْنَا، بكينا عِفَّةَ القِمَمِ
فهل مقاديرُنا ركبانُ قافلةٍ
تَنَكَّبَتْ دربَـها الـمرصوفَ بالحِكَمِ؟
قُمْ واحملِ الصخرَ عنِّي، إنَّ أسئلتي
صخرٌ على كاهلي، ضاقَتْ بِهِ هِمَمي
أنا وريثُ البراكينِ التي قَذَفَتْ
لغزَ الحياةِ، فميراثي من الحِمَمِ
لا (الديرُ) هَدْهَدَ نيراني بفكرتِهِ
ولا (الـمآذنُ) عَرَّتْني من الضَّرَمِ
فاللغزُ أبعدُ من إيحاءِ (صومعةٍ)
والسرُّ أعمقُ من إيماءةِ (العِمَمِ)
ما الذي سوف يبقى
إذا رحتُ أنزعُ عنكَ الأساطيرَ
أرمي المحارَ الذي في الخيال إلى الوحلِ ؟ ماذا سأصنع بالأرق العذبِ
بالجارحات الأنيقاتِ
إمَّا لقيتُكَ دون الضباب الجميلِ ؟
كما أنتَ
كنْ لي كما أنتَ
معتكرًا غارقًا في السفوح البعيدة
مختلطًا بالثمار
ومكتئبًا كالعيون الوحيدة
أستاذنا الشاعر الكبير (محمد العلي) في مقطع من مقاطع قصيدته المائية (لا ماء في الماء)، وهو يخاطب (الخليج)، ويحاوره بأسلوب رقيق، ناظرا إليه من وراء الضباب الذي ينعته بالجميل (الضباب الجميل)،
وهنا الناقد الكبير الأستاذ (محمد العباس) يقرأ هذه القصيدة بأسلوبه العميق حيث يلامس ما وراء اللغة ملامسة شفافة، ويفتح لنا كنوز الأسرار في النص.
شكرا جزيلا لك يا ابن عبَّاس 🙏
تَنازلي واعشَقي، فالعشقُ مِئذنَةٌ
لا تستقيمُ إذا العُشَّاقُ ما انْكَسَرُوا
هل يبلغُ الشَّجَرُ القِدِّيسُ نشوتَهُ
في معبدِ الريحِ، إنْ لم يَنْحَنِ الشَّجَرُ ؟!
تَنازلي! إنَّ في جَنْبَيْكِ زنبقةً
تَحَجَّرَتْ، فـتَساوَى الوَردُ والحَجَرُ
ما القلبُ إنْ لم يكنْ عنقودَ وسوسةٍ
على غُصَيْنٍ من الأضلاعِ يختمرُ!
وما الذراعانِ إنْ لم يُوقَدَا لَـهَبًا
في ضَمَّةٍ عبرَها الأرواحُ تنصهرُ !
لا تحرمي القلبَ أن يشتاقَ؛ لا تَزِرِي
في حقِّ عينينِ يستهويهُما السَّهَرُ
الشوقُ قنديلُ هذي الأرضِ؛ كَمْ طَمِعَتْ
فيهِ السماءُ التي قنديلُها القَمَرُ !
سيبتدئُ الربيعُ وأنتِ أدرَى
بما لكِ من مباهجهِ، وما لي
أريدكِ وردةً في حقل روحي
وليستْ وردةً يومَ احتفالِ
أَراني من خلالكِ حين أرنو
إليكِ، كما رأيتكِ من خلالي
تحاولُكِ القصيدةُ حين تجلو
مجازَكِ في مراياها الصقالِ
فيُزهر كلّ بيتٍ لحتِ فيهِ
ويذبل كلّ بيتٍ منكِ خالِ
في هدأةِ الليلِ، لي حلمٌ ونافذةٌٌ
والأفقُ لا نجمةٌ تبدو ولا قمرُ
مسافرٌ لم أجدْ في الأرضِ متسعًا
إلا الأغاني التي منها ارتوى السفرُ
ولي إلى شاطىءِ الأحلامِ أغنيةٌ
فيها قد اتّحدَ الشريانُ والوترُ
أمضي على وقع إحساسٍ يبعثرني
كأنَّ قلبي زجاجٌ فوقَهُ مطرُ
في يوم الشعر العالمي 21 مارس 2026م، أقدِّم اعتذارا بالنيابة عن البشرية كلها، إلى الشاعر الإنساني الخالد محمود درويش.. رحمه الله تعالى!
يا محمود..
إنَّهم لم يحفظوا قليلا من الشعر، ولم يُطفئوا وهج الأسلحة، ولم يستمعوا إلى قولك العظيم :
ألا تحفظونَ قليلاً من الشّعر
كي توقفوا المذبحةْ؟
ألم تُولدوا من نساءٍ؟!
ألم ترضعوا مثلَنَا
حليبَ الحنين إلى أمّهاتٍ؟
ألم ترتدوا مثلنا أجنحةْ؟
لتلتحقوا بالسُّنونو؟
وكُنَّا نُبشِّركمْ بالرّبيع
فلا تشهروا الأسلحةْ!
(محمود درويش) هو التميمة الإنسانية التي نلبسُها في زمن الحرب.
للناسِ عيدٌ، ولي في الحبِّ أعيادُ
إن كانَ لي كي أرى عينيكِ ميعادُ
مهما (تعدَّدتِ الأسبابُ) تُبْعِدُنا
عنَّا، فليسَ لجيشِ الشوقِ تعدادُ
لا تجرحي نغمةً في خاطري صدَحَتْ
بالحبِّ أنتِ لها لحنٌ وإنشادُ
الحبُّ يكفي لكي يطوي مسافتَنا
بالحبِّ تطوى لنا في الأرضِ أبعادُ
يا من بها العيدُ تشدو لي حمائمُهُ
ودونها العيدُ نحو الحزنِ ينقادُ
هذا الفضاءُ بلا عينيكِ مقبرةٌ
وليسَ فيهِ لهذا القلبِ إسعادُ
إن غبتِ أنتِ فما في الناسِ لي غَرَضٌ
وإن حضرتِ فلا جاؤُوا ولا عادوا
يا عيدُ، لا جئتَ إنْ غابتْ مُعذبتي
وإن أتتْ فلها الأهدابُ سجَّادُ
يمرُّ عيدي، وفي قلبي لها أثرٌ
والشوقُ كالموجِ فوقَ الموجِ يزدادُ
في غيمةِ الروحِ أمطارٌ يُشارُ لها
لو كان للروحِ مثل الجوّ أرصادُ
قالوا ستعتادُ إن غابتْ وإنْ حضرتْ
وفرّختْ داخلي كذباً (ستعتادُ)