أسطورة الحياة المثالية والسعادة الأبدية ..
عزيزي الطالب الجامعي، منذ اللحظة التي تتخرج منها من الجامعة، سيعتبرك المجتمع بمثابة حصان سباق عليه أن يركض ناحية ثلاثة أشياء دون أن يسأل لماذا: النجاح الوظيفي، تكوين ثروة، الزواج والانجاب. أغلب الناس سيركضون في هذا المضمار دون أن يسألوا لماذا؟ ولكن حتى من يسأل هذا السؤال فغالباً لأنه يعتقد بأن الركض الأعمى وراء هذه الأشياء سيحقق له السعادة الأبدية. ولكن وأنت تركض وتركض وتبدأ تتعب، ستكتشف كلما كبرت بأن العلاقة بين الثلاثي السابق والسعادة نفس علاقة جدتي باللغة الصينية! في الحقيقة شبه لا توجد علاقة بين تلك الأشياء التي يتوقعها منك المجتمع وما يسمى السعادة! واسأل دائماً من هم أكبر سناً منك والذين دخلوا في هذا السباق منذ زمن ولم يجدوا إلا السراب في النهاية. إن السعادة بمثابة نبتة تنموا داخل قلب صاحبها أو بمثابة شيء يأتي تلقائيا مثل النوم وليست محددة بشروط أو خطوات معينة، وقد احتار الفلاسفة عبر التاريخ في تعريفها أو وضعها في غالب محدد.
ربما يكون الفيلسوف اليوناني أبيقور أكثر من فهم لعبة السعادة تلك، لقد قسم الحاجات الإنسانية تقسيمآً رائعاً:
١- هناك حاجات طبيعية ضرورية: مثل الاكل والشرب والنوم والمسكن وأقل ما يحتاجه الانسان لحياة كريمة.
٢- هناك حاجات طبيعية ولكن غير ضرورية، مثل الحاجة الجنسية.
٣- هناك حاجات غير طبيعية وغير ضرورية، مثل تكوين الثروة والنجاح والبذخ والشهرة والاحساس بالعظمة والأهمية.
والآن خمن ماذا؟ السعي المتزايد وراء رقم ثلاثة هو سبب البؤس البشري بأكمله عبر كل العصور. السعي وراء الأشياء "الغير طبيعية والغير ضرورية" لا تلائم نفسية الانسان التي تحتاج لأشياء بسيطة وضرورية فقط.
ولكن من أين أتت تلك المفاهيم إذن؟ النجاح الوظيفي وتكوين الثروة هي فكرة خلقتها "الرأسمالية" الحديثة، ولست بحاجة لأخبرك بأن نجاحك الوظيفي في بنك أو مؤسسة صناعية أو ما يشبه ذلك، يعني بأنك مجرد عود كبريت يحترق لذاك الذي يمتلك المؤسسة ورصيده يتكون من ٩ أصفار! ولكن هذا بدوره أيضاً يعاني من ملل الحياة كذلك ويبحث عن شىء جديد!
فكرة الزواج والانجاب تأتي من الضغط الاجتماعي في كل المجتمعات، وترتبط كذلك بشكل خاطئ بتحقيق السعادة. ولا أعني بكلامي هذا أن العزوبية ستحقق لك السعادة، ولكن ما أقوله بأنه لا هذا ولا ذاك له علاقة بالسعادة. يقال بأنه ذات مرة أتى شاب لسقراط يطلب نصيحته بأن يتزوج أو يبقى أعزب، فأجابه كالعادة بجواب كالسوط: "تصرف كما يحلو لك ستندم في الحالتين!" ما أقوله بأنه على المجتع أن يترك هذه المسألة لكل شخص أن يختار ما يصلح له دون ضغوطات والحاح متزايد.
واذا كنت تريد أن ترى اثباتات بالأرقام لما سبق، فأنصحك بكتاب "أسطورة الحياة المثالية" لأستاذ الاقتصاد بول دولان، والكتاب مترجم للعربية.
في النهاية ان كانت هناك نصيحة أقدمها للمقبلين على الحياة، فهي تلك الجملة الرائعة التي قالها أرسطو، والتي أثبتها شوبنهاور مراراً وتكرارً:
" غاية الانسان الحكيم لا أن يمتلك أكثر، بل أن يتجنب الألم والمشاكل في هذه الحياة قدر امكانه".
ما فائدة العلم ان لم يغير حياة الناس؟ ما فائدته ان لم يخفف أوهامهم ومعاناتهم؟
العلم الذي لا يمس صميم الانسان لا فائدة ترجى منه، وما أكثر المدارس والجامعات لدينا التي تقدم العلم على شكل معلومات معلبة يحفظها الطالب ثم يرميها في أقرب سلة مهملات بمجرد ما ينتهي من امتحانه النهائي!
وظيفة المعلم الحقيقي اشعال فضول طلبته وتعليمهم كيف يفكرون بأنفسهم، لا استخدام رؤوسهم كـ هارد دسك لحفظ المعلومات!
قال الفيلسوف بؤثيموس في كتاب عزاء الفلسفة :
" الإنسان هو تاج الخليقة مادام يعرف نفسه ، فإذا نسيها فإنه يكون احط من البهائم ، فإذا جهلت سائر المخلوقات نفسها فذاك أمر طبيعي ، أما إذا جهل الإنسان فذاك إثم "
ولكن ابو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع و المؤانسة قال :
" الإنسان ذو أشياء كثيرة ، ومن جملتها نفسه ، فلكثرة ما هو به كثير يعجز عن إدراك ماهو به واحد "
الشخص اليقظ بين السكارى مضحك ومثير للسخرية، ففي مجتمع السكارى يكون السكارى هم الأغلبية التي تحدد معيار الحالة السوية، ووسط هؤلاء يبدو اليقظ شاذاً!
— بيجوفيتش