الإذاعي ناصر بن عبد الرحمن الراجح
فقدت إذاعةُ الرياض والوسطُ الإعلاميُ يوم الثلاثاء 18 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 29 سبتمبر 2026م أحدَ فرسانها المبرزين، و أصواتِها المميزةِ الزميل والصديق العزيز الإذاعي الأستاذ #ناصر_بن_عبدالرحمن_الراجح، الذي خدم العملَ الإذاعيَ زمناً طويلاً ينيف على خمسة وأربعين عاماً؛ إذ التحق بإذاعة الرياض متعاوناً متدرباً حين كانت في مقرها القديم في أواخر أيامها بشارع الفرزدق، واستمر في تعاونه معها بعد أن انتقلت إلى مقرها بحي الوشام، بالإضافة إلى اشتغاله بمهنة التدريس بعد تخرجه من معهد المعلمين، وانقطع ثلاث أو أربع سنوات حين كان منتدباً للتدريس في اليمن أواخر التسعينيات الهجرية وأوائل الألف وأربعمائة، ثم واصل تعاونه مع الإذاعة مشاركاً في تنفيذ الفترات، وتقديم النشرات، وتقديم البرامج الشعبية التي تتفق مع ذائقته في حب الشعر الشعبي، وإجادة إلقائه، وكان من أبرز البرامج الشعبية التي اشتهر بها، وقدمها مدة تنيف على عشرين عاماً برنامج "الخيمة الشعبية"، ولم يتوقف عن تقديمه، والإسهام في العمل الإذاعي بعامة؛ إلا بعد أن أوقف التعاون قبل خمس سنوات تقريباً، وكانوا نخبة ممتازة، تتمتع بخبرة طويلة، وشكل غيابهم فراغاً كبيراً في العمل الإذاعي.
وبالإضافة إلى ما تمتع به الزميل العزيز من موهبة صوتية نادرة كان على جانب كبير من مكارم الأخلاق؛ فقد جُبل على حسن التعامل مع القريب والبعيد، ومع زميل العمل والغريب الذي لا يعرفه، فقد كان بشوشاً منبسط الأسارير هاشاً مرحباً بمن بلتقي به، وهو لا يتكلف ذلك؛ بل هو طبع وسجية، خلقه الله لطيفاً سمحاً بشوشاً حفياً بمن يلتقيه؛ فأحبه الجميع، وكثر عارفوه، وزاد عدد أصدقائه من مختلف الطبقات والمشارب؛ فتجد بينهم الإعلاميين زملاءَ المهنة، والتربويين زملاء الوظيفة الأصلية، ورجال الأعمال، والمثقفين الذين يميلون إلى اللغة العربية الفصيحة، والأدب العربي الرفيع، وأولئك الذين يقفون على الجانب الآخر الذي ربما يفهم أنه مناقض للفصحى، وأعني بهم المتذوقين للشعر الشعبي، والحق أن الإبداع في الأدب، وبخاصة الشعر لا يتوقف على فصيح وعامي، وإن كان الأول أبقى، وأوسع انتشاراً لدى كل من نطق بالعربية، وتذوق مفاتن إبداعها؛ ولكن الثاني الذي قد يتوهم بعض المتحمسين للفصحى أنه مناقض لها، والحق أنه يحفل بصور إبداعية في رسم الصورة لا تقل تفوقاً عن الصور الفنية الإبداعية في الشعر الفصيح، فالقيمة الفنية للشعر تكمن في المعنى المبتكر العميق، والصورة الفنية الإعجازية المركبة، يستوي في ذلك فصيحه وعاميه، أليست العامية بنت الفصحى، متحولة متشعبة منها، وأليست اللهجات تكاد تكون لغات صغرى متفرعة من اللغة العربية الفصيحة، الأم الكبرى للفصيح والعامي.
لقد وُهب الإذاعيُ الكبير ناصر الراجح إلى جانب إتقانه اللغةَ العربيةَ بقواعدها الدقيقة البليغة في إلقائه نشرات الأخبار ، والنصوص الدينية؛ وُهب القدرةَ على أداء الشعر الشعبي، وتلوين واستنطاق معانية بالطريقة التي يتحدث بها قائلوه حسب المنطقة أو القبيلة التي ينتمي إليها الشاعر، وتجلى ذلك الأداءُ المتقنُ للشعر الشعبي في برنامجه الشهير الذي ارتبط باسمه أكثر من عقدين من الزمان (الخيمة الشعبية) التي طافت بفريق عملها؛ مقدماً، ومعداً، ومخرجاً أرجاء مناطق المملكة كافة، بما اصطبغت به بلادنا من تعدد واختلافأساليب أداء الشعر الشعبي، بحسب تعدد واختلاف اللهجات لكل إقليم وقبيلة.
وقد رزق الله الزميل ناصر، ونحن لا نناديه في الغالب باسمه؛ بل بلقبه الشهير المعروف (أبو سلطان)؛ رزقه الله كرمَ وسخاءَ اليد تبعاً لكرم وسخاء نفسه؛ فبيته عامر بالضيافات، ودعوته لا تنقطع لزملائه وأصدقائه عن حضور ولائمه لضيوفه ومن يرى أن من واجبه إكرامَه والاحتفاءَ به، ولا شك أن تلك السجايا التي يُنعم الله بها على أيٍّ من خلقه تقرب الناس منه، وتحببهم إليه، وتمكن من عرى ديمومة الصداقة، فالمعروف في ذاكرة الوفي حبلٌ متينٌ متصلٌ لا ينقطع كالدين واجب الوفاء.
يذكر لي زميلُه في العمل بمدرسة حي الشفاء الأستاذ سعد السعيد أحد خصائصه؛ يقول "حين كان منزله في حي الشفاء، ومدرستنا التي ندرس فيها قريبةً جداً من منزله كان باب منزله مفتوحاً لزملائه المدرسين الذين يجدون في خيمته على يمين الداخل إلى بيته ملاذاً في فترة الاستراحة بين الحصص عند التاسعة والنصف، فيجدون القهوة والشاي، وما يتيسر من كرم أبي سلطان المعهود، وبعد نصف ساعة يعودون إلى مدرستهم القريبة، ويستمر الباب مفتوحاً طيلة العام لجميع المدرسين للاستراحة منتصف اليوم الدراسي".
أقعد المرضُ الزميلَ العزيزَ أبا سلطان في السنوات الخمس الأخيرة، فقد أصابته قبل سنتين جلطةٌ سلمه الله منها، لكنها أثقلت عليه الخطوَ والحركة، وإنني أرى - وكل أمر مقدرٌ مكتوب - أن الانقطاعَ عن العمل بعد تقاعده، وبعد أن أوقف تعاونه مع عدد من زملائه القدامى كان له بالغُ الأثر على نفسه، فعوض عن انشغاله بالعمل الذي توقف بزيادة تواصله مع منبته الأول، ومعارفه وأصدقائه في ديرته الأصلية ثرمدا ومرات، أحبهم وأحبوه، فأكثر من زيارته لها ولهم، بل اشترى هناك منزلاً، وهيأه، فأصبح يقضي فيه أياماً قد تمتد إلى أسبوع أو أكثر، وأسبوعاً أو أكثر في بيته في الرياض بين عائلته، وربما اختار زيادة تعميق التواصل مع المنبت الأول من باب التعويض، وسد الفراغ الكبير الذي أحدثه توقفه عن العمل الإذاعي، والحق أن طبيعة أبي سلطان المفطورة على البساطة والسماحة والطيبة والعفوية حببت أهل مرات فيه؛ إذ شاركهم في مناسباتهم، وفي دورياتهم، وكان أنيسَهم في مجالسهم، والقريبَ من كل أحد منهم، حتى ليشعر من يتحدث إليه أنه صديقه الأقرب، بينما هو قريب وصديق للجميع، ويفسر الأستاذ عبد الرحمن عبدالله العجيري سببَ محبةِ أهل مرات له بقوله "وحين تقاعد، اختار محافظة مرات مقراً له، فوجد من أهلها كل ترحيب ومحبة، ولم يحتج إلى وقت طويل حتى أصبح بينهم كأنه أه لهم، يعرفونه من عشرات السنين؛ فاندمج في المجتمع، وأحبهم وأحبوه، ووجد في مجالسهم أنساً، وفي صحبتهم راحة، وأصبح جزءاً من نسيجها الاجتماعي".
لقد صحبتُ أبا سلطان ما يقرب من نصف قرن، من عام 1397هـ إلى 1448هـ؛ فقد سكنت بالصدفة في حي البكر مع أبناء عمي حين كنا عزاباً، وكان بيتنا قريباً من بيت والد أبي سلطان، وتعرفت عليه بحكم المجورة قبل أن يذهب لليمن منتدباً للتدريس،، وكنت حينها متدرباً في إذاعة الرياض، مع مواصلة دراستي بالكلية صباحاً، ثم تأكدت صلتنا بعد أن عاد من انتدابه، وعشت معه مرحلة بناء فيلته في حي الشفاء، وكان منزله في ذلك الحي مركاز محبة لجميع زملائه وأصدقائه، يلتقون في ضيافته الكريمة بين حين وحين، وقد سجل مقاطع فيديو لعدد من تلك الاجتماعات التي كان يحضرها كبار الإذاعيين؛ كإبراهيم الذهبي، ومحمد الشعلان، وعبدالله الزيد، وصالح السويدان، وجميل سمان، وعلي غرايبة، وسلامة محاسنة، وغيرهم.
وحين كان منتدباً لليمن، وزار الرياض - ربما عام 1401هـ أخذني ذات ليلة، وعبر بنا طريقاً صحراوياً خارج الرياض، وانقطعت الأضواء، وعم الظلام الدامس، والتف يمينا، ثم التف شمالاً، ثم أوقف سيارته المرسيدس ونورها الواسع الشاسع يكشف أرضاً منبسطة أمامنا، وقال: ماذا ترى؟ قلت: لا أرى شيئاً، فضاء مظلم ممتد بين هضاب وأودية، قال: اشتريت هنا أرضاً سأبنيها لاحقاً إن شاء الله، أو أبيعها بثمن ممتاز بعد سنوات عدة، قلت: إنت صاحي يا أبا سلطان، تشتري في هذا البر المنقطع عن المدينة، وعن الناس والحياة، وتقول بتبيع وتربح، أو تبني، حلمك هذا لن يتحقق ولا بعد مائة عام، اركب سيارتك، وخلنا نعود، قال: سترى إن شاء الله، قلت: ما اسم هذا البر ؟ قال: حطين!
وبعد عشرين عاماً فقط من ذلك التاريخ بدأ يبني فيلته الجديدة في حي حطين، ثم كانت لنا مركازاً آخر جديداً، يجمع الأحبة من كل طيف ولون في لقاءات دورية لا تنقطع.
لقد صحبتُ العزيزَ ناصر الراجح في العمل الإعلامي، وخارج العمل، وفي الحضر، وفي السفر خلال خمسين عاماً، في حالات الارتياح، وحالات الشدة، وتمازجت روحانا، وتلاقت خواطرنا، وأصبحت اللقاءات بيننا كأنها أحاديث نفس لنفس، أجد عنده الرؤية الرشيدة، وسعة الصدر للبوح والفضفضة؛ فما مللتُه، ولا كرهتُ منه شيئاً، كان كبيرَ العقل، عميقَ البصيرة، واسعَ الحلم، سديدَ الرأي، حتى وهو في عز شبابه كان عقلُه عقلَ شيخٍ لا شاباً.
غفر اللهُ للزميل العزيز، والأخ الحبيب الإذاعي الكبير الأستاذ ناصر الراجح ورحمه، وأسكنه فسيح جناته، صاحبِ السجايا النبيلة، والأخلاقِ الكريمة، الوفيِ إن قطَع الوصلَ قاطعٌ، والكريمِ إن طرق البابَ طارقٌ، والمسامرِ الممتعِ الذي لا يُمل مجلسُه إن غشي الناسُ مجلسَه، وتنعموا بلطفه واحتفائه وكرمه.
وعزائي الكبير لابنيه العزيزين سلطان، وعبدالله، ولزوجته وبناته، وإخوته، وأنسابه، ومحبيه.
@RanaAlkadi79 هذا فكر الذين يدعون انهم أصحاب العقل...اذا كان فريقهم في أحسن حال فقط.. ولكن عندما يفوز النصر ويمشي في الطريق الصحيح تذهب عقولهم وهدؤهم ََفلا. نسمع منهم الا الصراخ والتهجم جزافا.. والحجج المضحكة
.
@Riyadh_Zamaan من أسباب خسائر شركة هرفي..
عندما عرض منتجاته للبيع.... وكذلك أوقف بعض المنتجات مثل البروستد الذي كان متميز.. وكذلك لم يقدم منتجات جديدة متميزه.
وكذلك عدم مراعاة الأسعار