أخرج ابن أبي خيثمة في تاريخه - كما في تاريخ دمشق (١٦٦/١٢) -: أنبأنا سليمان بن أبي شيخ، نبأنا محمد بن أبي يونس قال: تناول رجل الحجاج ويعيبه، فقال له الحكم بن هشام الثقفي: ابزق على القمر.
إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي يونس، ولا يوجد في الكتب الا في هذه الرواية.
والحكم بن هشام رحمه الله كان يقول: علي خير من معاوية، أخرج ابن أبي خيثمة في التاريخ - تاريخ دمشق (٨٨/١٥) -: نا سليمان - يعني ابن أبي شيخ -، نا عبد الله بن صالح العجلي قال: أقبل الحكم بن هشام الثقفي يريد مندلا، فلما دنا منه قال أصحاب مندل: يكلمه؟ قال: دعوه فلما جلس قالوا له: يا أبا محمد ما تقول في عثمان؟ قال: كان والله خيار الخيرة أمير البررة، قتيل الفجرة، منصور النصرة، مخذول الخذلة، أما خاذله فقد خذله الله، وأما قاتله فقد قتله الله، وأما ناصره فقد نصره الله، ما تقولون أنتم؟ قالوا: فعلي خير أم معاوية؟ فقال: بل علي خير من معاوية، قالوا: فأيهما كان أحق بالخلافة؟ قال: من جعله الله خليفة فهو أحق.
وهو أول من أثبت الخؤولة لمعاوية رضي الله عنه، أخرج العجلي في الثقات [ت قلعجي (٣١٨)]: حدثي أبي عبد الله، قال: قال رجل للحكم - بن هشام الثقفي -: ما تقول في معاوية؟ قال: ذاك خال كل مؤمن.
معاوية يعفو عن كل قتلة عثمان عند أوَّلِ تسلُّمِهِ الخلافة:
الحمد لله، وبعد:
إن الخوارج الجدد (أتباع طه الدليمي) يطعنون في علي رضي الله عنه، بل كثير منهم يكفّرونه؛ لأنه أخَّر الاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه حتى يستتب الأمن وتبايع له الشام وتسكن الفتنة.
لكنّ هذا الطعنَ: طعنٌ في كل الصحابة على وجه العموم، وطعن في معاوية على وجه الخصوص!! رضي الله عنهم.
لأن ليس علي وحده الذي لم يتمكن من إقامة الاقتصاص من قتلة عثمان، بل لم يتمكن طلحة والزبير من الاقتصاص مع حرصهما على ذلك، ولم يتمكن معاوية من الاقتصاص قبل خلافته وبعدها، بل لم يتمكن كل الصحابة من ذلك، وقد كان عدد الصحابة يومئذ نحو عشرة آلاف!!
لأنها فتنة عمَّت البلاد الإسلامية، وكان السعي في الاقتصاص يزيد من الفتنة يومئذ.
⚫️معاوية يصدر عفوا عن جميع قتلة عثمان:
إن معاوية قد عَفَى عن كل قتلة عثمان، فإنه لما جرت بينه وبين الحسن بن علي رضي الله عنهم مراسلات من أجل الصلح، اتفق هو والحسن على إصدار عفو شامل عام عن كل الدماء التي سُفِكَت في الفتنة، بما في ذلك: العفو الشامل عن كل قتلة عثمان رضي الله عنه.
هكذا عفى الحسن ومعاوية رضي الله عنهما عن كل قتلة عثمان.
جاء في صحيح البخاري (2704) أن الحسن بن علي قال لرسولَيْ معاوية: (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا!! قَالَا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ، قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَصَالَحَهُ، فَقَالَ الحَسَنُ [البصري]: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»).
دل الحديث على أن الحسن قال بأن هذه الأمة قد سُفِكَتْ دماؤها في الفتنة، ولابد من إيقاف هذا الدم من أجل وأد الفتنة.
فقال رسولَا معاوية: نحن نضمن لك أن معاوية موافق على ما تريد من إيقاف سفك الدماء وأي شي تشترطه.
فقال الحسن: فمن يضمن لي ذلك عند معاوية؟
قالا: نحن نضمن كل ذلك لك.
فاتفق الحسن ومعاوية رضي الله عنهما على إصدار عفو عام عن كل الدماء التي سفكت بلا استثناء، بما في ذلك: العفو التام عن كل قتلة عثمان، ولا يطالب أي أحد بأي دم مطلقا بمجرد انعقاد الصلح، حتى دم عثمان رضي الله عنه.
وبموجب هذا الصلح: توقف معاوية في خلافته عن تتبع قتلة عثمان، وقد كان عددهم يومئذ قريبا من 2500 رجل.
وَهَذَا "العّفْوُ العَامُّ" يُفَسِّرُ بَقَاءَ شَبِيبِ بْنِ بَجَرَةَ الأَشْجَعِيِّ الَّذِي أَعَانَ عَلَى قَتْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، فَلَمْ يُقْتَلْ شَبِيبٌ إِلَّا في وسط خلافة معاوية سَنَةَ (49هـ) بِسَبَبِ خُرُوجِهِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. انظر: تاريخ خليفة (209).
وَيُفَسِّرُ أَيْضًا بَقَاءَ "عُمَيْرِ بْنِ ضَابِئٍ" أَحَد مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، وقد قُتِلَ عُمَيْرٌ سَنَةَ (75هـ) عَلَى يَدِ الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. انظر: تاريخ الطبري (3/549 - 550) دار الكتب العلمية.
⚫️سبب تأخير علي للاقتصاص:
في خلافة علي، كان معاوية مُلِحًّا على التعجيل بالاقتصاص من قتلة عثمان.
وكان علي يرى تأخير الاقتصاص حتى يستتب الأمن وتبايع له الشام وتسكن الفتنة.
وكان علي يرى في التعجيل ازديادا للفتنة واتساعا لها؛ للأسباب الآتية:
1- الخلاف مع أهل الشام الذي ينبؤ بحرب وشيكة، فليس من الصواب أن يفتح علي حربا مع القتلة وقبائلهم في ظل حرب وشيكة مع أهل الشام. (أي ليس من الصواب أن يفتح جبهتين في آن واحد، ويجعل القبائل تنفض عنه).
2- أن قتلة عثمان احتموا بقبائلهم.
3- أن عليا رضي الله عنه لم يكن يعرف قتلة عثمان بأعيانهم، فإن عددهم نحو 2500 لا يعرفهم بأعيانهم.
ذلك أن الصحابة بالمدينة (ومنهم علي) قد جاءتهم جيوش من مصر والبصرة والكوفة فحاصرت عثمان رضي الله عنه حتى قتلوه، وهؤلاء غرباء لا يعرفهم أهل المدينة، كما سعى أكثرهم إلى إخفاء هوياتهم لكي ينجو من العقوبة، مثل: الموت الأسود، وجَبَلَة، فهذان لقبان وليسا اسمين، فبعضهم تخفى بألقاب ليتخفَّى.
أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (2942): حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ بَنِيَ أُمَيَّةَ رَضُوا لَنَفَّلْنَاهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، يَحْلِفُونَ: مَا قَتَلْنَا عُثْمَانَ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا».
إسناده صحيح.
أَبُو مُعَاوِيَةَ: هو مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ الضَّرِيرُ. وَمُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: هو الأَسَدِيُّ الْوَالِبِيُّ.
قوله (لَنَفَّلْنَاهُمْ): يُرِيدُ: نَفَّلْنَا لَهُمْ. أَيْ: حَلَّفْنَا لَهُمْ. النهاية في غريب الحديث (5/100).
قوله (وَلَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا): يدل على أن عليًّا لا يَعْلَمُ القَتَلَةَ بأعيانهم.
أراد أمير المؤمنين علي: تأكيد براءة نفسه وبراءة بني هاشم كلِّهم، أي: أنْ يَأْمُرَ خمسين رجلا منهم أن يحلِفُوا، فيحلِفُون ويقولون: مَا قَتَلْنَا... الخ.
⚫️لماذا عفى الحسن ومعاوية عن كل قتلة عثمان؟
لقد استطاع معاوية أن يقتل عددا قليلا جدا بمصر وفلسطين ممن ابتلوا بدم عثمان، لكنهم إن بلغو عشرة رجال أو أكثر، فإن عددهم الكلي نحو 2500 رجل.
فلما استشهد علي وصار الأمر بيد الحسن ومعاوية، عَلِمَ معاوية علم اليقين بأن الاقتصاص من قتلة عثمان أمر صعب للغاية، يؤدي إلى اشتعال الحروب وعودة الفتن في أرجاء الدولة، لأن هؤلاء المجرمين كانوا يسيرون في خطط محكمة، فإنهم خططوا لقتل أمير المؤمنين عثمان، وخططوا لحماية أنفسهم باحتمائهم بقبائلهم وانغماسهم في جيش الدولة، مع حرصهم على استدامة إشعال الحروب لإشغال الناس عن الاقتصاص منهم.
والحسن ومعاوية رضي الله عنهما كانا يسعيان إلى القضاء على الفتنة، لا إلى إحيائها من جديد!!
فلما تبيَّنَت لمعاوية الصعوبةُ البالغة في القيام بالاقتصاص: اتفق هو والحسن على قطع مصدر النزاع الأساسي في تلك الفتنة، وهو: الاقتصاص من قتلة عثمان، فاتفقَا كلاهما على العفو عن كل قتلة عثمان على وجه الخصوص، وعلى العفو عن كل الدماء التي سفكت في الفتنة بلا استثناء على وجه العموم.
فلما صدر هذا العفو عن قتلة عثمان: انتهت الفتنة فورا، وانعقد الجماعة، وسمي ذلك العام "عام الجماعة"، وعاد الأمن وعادت الفتوحات، وعمَّ الخير، وانقضت الفتنة.
✔️مع ملاحظة أن ما قام به الحسن ومعاوية من (العفو العام عن كل قتلة عثمان) هو صنيع قد امتدحه النبي ﷺ بقوله: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ». صحيح البخاري (2704).
فالنبي ﷺ امتدح صنيع الحسن وسماه: "صلحا بين المسلمين"، بما في ذلك: العفو عن قتلة عثمان، فالعفو عنهم هو من الصلح الذي امتدحه النبي ﷺ.
ومع كون قتلة عثمان أشرار، إلا أن العفو عنهم ليس لأجلهم، بل من أجل مصلحة الأمة والقضاء على الفتنة وحقن الدماء، وأما جزاء قتلة عثمان: فهو في الآخرة عند الله عز وجل.
وللاستزادة عن عفو معاوية عن قتلة عثمان: انظر كتابي (صحيح أخبار صفين والنهروان وعام الجماعة).
⚫️وختاما:
حاول "الخوارج الجدد" الطعن في سيدنا علي لأنه أخَّر الاقتصاص حتى يستتب الأمن وتبايع له الشام وتسكن الفتنة.
وهذا يلزم منه أن الطعن في سيدنا معاوية يكون أشد!!!
لأنه إذا كان علي أخَّر الاقتصاص من قتلة عثمان، فإن معاوية - حين تولى الخلافة - عفى عنهم جميعا وأسقط عنهم العقوبة جملة وتفصيلا.
لكن عقيدتنا هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي أن صنيع علي بتأخير الاقتصاص هو صنيع صحيح، وصنيع معاوية بالعفو عن قتلة عثمان هو صنيع صحيح أيضا.
فكل منهما نظر في الأمر في زمان محدد، فالتأخير في زمان علي هو الأفضل، والعفو في زمان معاوية هو الأفضل.
🔶سؤال: إنك تقول بأن معاوية رضي الله عنه قد عفى عن قتلة عثمان وتوقف عن ملاحقتهم، لكنه قتل عددا قليلا بمصر وفلسطين، فكيف يكون ذلك؟
الجواب: إن معاوية أصدر العفو حين تولى الخلافة، وكل هذه الأحداث المذكورة في السؤال كانت قبل خلافة معاوية رضي الله عنه.
والحمد لله رب العالمين.
مصير قتلة عثمان رضي الله عنه والمؤلبين عليه، وموقف عائشة من مقتل أخيها محمد بن أبي بكر:
الحمد لله، وبعد:
إن قتلة عثمان رضي الله عنه والمؤلبون عليه كانوا 2500 رجل. انظر: البداية والنهاية ط هجر (10/ 451، 452).
وبعض الروايات توصلهم إلى 3000 رجل. انظر: تاريخ الطبري (2/ 652) دار الكتب العلمية.
والذين تولَّوا بأيديهم قَتْلَ عثمان رضي الله عنه: كانوا أقل من عشرة، والبقية كانوا من المحاصِرِينَ والمؤلِّبِين.
وقد تنوَّع مصير قتلة عثمان رضي الله عنه والمؤلبين عليه:
▪️فمنهم من قُتل بدار عثمان رضي الله عنه، مثل: سودان بن حُمْرَان، قتَله بعضُ عَبِيدِ عثمان داخل دار عثمان رضي الله عنه. انظر: تاريخ الطبري - ط العلمية (2/ 676).
▪️ومنهم سبعون قُتِلُوا يوم الزابُوقَة، منهم حُكَيْمُ بنُ جَبَلَةَ، أحد كبار المؤلبين. انظر: تاريخ الطبري - ط العلمية (3/ 18، 19)
ويوم الزابُوقَة: هي الحرب التي وقعت قرب البصرة قبل موقعة الجمل، قادها طلحة والزبير رضي الله عنهما.
▪️ومنهم عدد قليل قتلهم معاوية رضي الله عنه بمصر وفلسطين، منهم: محمد بن أبي حذيفة، وهو لم يكن ممن سار إلى عثمان وحصره، لكنه كان من المؤلبين، وكِنَانَةُ بنُ بِشْرٍ التُّجِيبِيّ قاتل عثمان، قُتِلَ يومَ "الْمُسَنَّاةِ" بمصر. انظر: تاريخ الطبري (3/131، 132، 133).
▪️ومنهم من تاب مِن قبل أن يُقْدَرَ عليه، (أي من قبل أن يُقْبَض عليه) وهما: الأشتر ومحمد بن أبي بكر، فهذان يَسْقُطُ عنهما الحد (حد الحرابة).
قال تعالى في بيان حد الحرابة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34].
فالآية دلت على أن الذين تابوا مِن قَبْلِ أن يُقْدَرَ عليهم يَسْقُطُ عنهم حَدُّ الحِرَابَةِ.
ولا يثبت عن معاوية رضي الله عنه أنه قَتَلَ الأشتر، والثابت أن الأشتر شرب عسلا فمات، ولا يُعْلَم من الذي سقاه على وجه التحديد، وقد قيل: سقاه عبدٌ لعثمان رضي الله عنه، وقيل: دهقان (أي: تاجر)، والأخبار في ذلك واهية جدا لا يعتمد عليها. انظر على سبيل المثال: أنساب الأشراف (2/ 398)، تاريخ الطبري - ط العلمية (3/ 65، 127)، مروج الذهب (2/ 409).
وأما محمد بن أبي بكر: فقُتِلَ يومَ "الْمُسَنَّاةِ" بمصر على يد معاوية بن حُدَيْجٍ رضي الله عنه.
وقد كتبت سابقا مقالين، أثبت فيهما بالأدلة الصحيحة توبة الأشتر ومحمد بن أبي بكر، ودفاعهما عن عثمان ومحاولتهما إنقاذهم (انظر المقالات التالية أدناه).
✔️موقف عائشة رضي الله عنها من مقتل أخيها محمد بن أبي بكر:
أخرج مسلم في صحيحه (1828) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا، إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ، فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا: «اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ».
قول عائشة رضي الله عنها: (أَمَا إِنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ)، تعني معاوية بن حُدَيْجٍ رضي الله عنه الذي قتل أخاها محمدا بمصر.
وهذا الخبر يدل على حزن عائشة على مقتل أخيها محمد بن أبي بكر، وعلى غضبها من معاوية بن حُدَيْجٍ على قتله لأخيها.
ويدل على إنصاف أم المؤمنين مع ابن حُدَيْجٍ؛ فإنها شهدت له بالخير في رِفْقِهِ وعَدْلِهِ بين الرعية وقيامه بالجهاد في سبيل الله.
ومن البديهي أن عائشة لا ترضى بمقتل أخيها، وغضبها على ابن حُدَيْجٍ رضي الله عنهما: هو من اجتهادات الصحابة رضي الله عنهم في تلك الفتنة.
🔴وأقول للخوارج الجدد الذين يشتمون محمد بن أبي بكر (رحمه الله وغفر له) بأبشع الشتائم:
لو سمعتكم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأنتم تشتمون أخاها بتلك الشتائم القبيحة، هل سيسعدها ذلك أم يسوؤها؟
إنكم تزعمون الدفاع عن عائشة بشتم أخيها، وأنتم تؤذونها بهذه الشتائم.
ألا ترون غضبها من ابن حديج رضي الله عنه لأنه قتل أخاها؟!!
فهو أخوها، وهي لا ترضى أن يمسه أحد بسوء، بما في ذلك ألسنتكم.
إن التاريخ نقل إلينا تلك الأحداث دون شتائمكم التي ابتدعتموها، والرجل أخطأ، ثم تاب بعد أن وعظه عثمان رضي الله عنه، ثم دافع عن عثمان وحاول إنقاذه، وتلك فتنة حدثت فيها أمور كثيرة، وأنتم تخوضون فيها بالباطل مخالفين منهج أهل السنة والجماعة بوجوب السكوت عما شجر في تلك الفتنة.
فكفوا ألسنتكم عنه وعن أصحاب رسول الله ﷺ، ولا تؤذوا أم المؤمنين بزعم الدفاع عنها.
✔️يعود الحديث إلى مصير قتلة عثمان رضي الله عنه،،،
▪️وكثير من المبتلين بدم عثمان قتلوا بالنهروان على يد علي رضي الله عنه.
مر بنا أن عدد قتلة عثمان 2500 أو 3000 ، ثم إن كثيرا من هؤلاء شهدوا مع علي صفين، ثم تحولوا إلى خوارج حرورية، وكان عددهم 6000 ، فلما ناظرهم ابن عباس تاب منهم ألفان، وبقي 4000 على ضلالتهم حتى أبيدوا بالنهروان.
وهؤلاء المقتولون بالنهروان (وعددهم 4000) كان كثير منهم من قتلة عثمان رضي الله عنه، ولم أقف على عدد قتلة عثمان يوم النهروان، لكنهم كانوا كثيرين، لأن الأصل في أهل النهروان أنهم قتلة عثمان، والله أعلم.
وعلى هذا: أكثر مَن قَتَلَ مِن قتلةِ عثمانَ هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
وممن قُتِلَ بالنهروان: حُرْقُوصُ بن زُهَيْرٍ، أحد كبار المؤلبين على عثمان رضي الله عنه. انظر: تاريخ الطبري (3/ 122).
▪️وأكثر قتلة عثمان بقوا حتى أدرك عام الجماعة وصلح الحسن ومعاوية، فأدركه العفو العام الذي أصدره الحسن ومعاوية يوم الصلح، رضي الله عنهما.
وأشهر الذين بقوا حتى أدركهم العفو: رأس الفتنة عبد الله بن سبأ اليهودي.
✔️والخلاصة:
- أن أكثر قتلة عثمان قد بقوا حتى أدركوا خلافة معاوية، فأدركوا العفو العام.
- وأن أكثر المقتولين من قتلة عثمان في خلافة علي: قد قتلوا على يد علي يوم النهروان.
- والصحابة إن قتلوا بعض قتلة عثمان، فإنهم لم يستطيعوا أن يقتلوهم كلهم، بل أكثرهم بقي حتى أدركهم العفو العام عند عام الجماعة.
⚫️قول الحسن البصري:
أخرج عمر بن شَبَّةَ في تاريخ المدينة (4/ 1252) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقُرْقُسَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: «مَا عَلِمْتُ أَحَدًا أَشْرَكَ فِي دَمِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا أَعَانَ عَلَيْهِ إِلَّا قُتِلَ».
هذا الخبر على فرض صحته: محمول على التغليب في رؤوس الفتنة، لأن ابن سبأ (وهو رأس الفتنة) بقي ولم يُقتل.
وأما الذين ساروا إلى عثمان وحصروه وهم 2500 إلى 3000 فلم يقتلوا جميعهم، بقي منهم الكثير حتى أدركهم العفو العام عند عام الجماعة.
والحمد لله رب العالمين،،،
وسام العظمة بعد إفلاسه وكشف مغالطاته وجهالته، ووقوفه حائرا أما الأخبار الصحيحة التي تثبت عقيدة أهل السنة والجماعة،،،
اكتشف اكتشافا خارقا عجزت عنه البشرية قاطبةً.