لما تشوف تجمعات رقمية ضخمة بتتبني حوالين أفكار غريبة زي نظرية الأرض المسطحة أو أشخاص مثيرين للجدل زي ضياء العوضي، وتلاقي نفسك مستغرب: هو ازاي الناس دي كلها مصدقة الكلام ده؟
في علم النفس الاجتماعي، الإجابة صادمة شوية: الفكرة أو الشخص هما العنصر الأقل أهمية في الحكاية كلها!
الهدف الحقيقي في فضاء السوشيال ميديا مش إقناعك بفكرة صحيحة، الهدف هو بناء "جمهور" معزول فكرياً، يمكن التنبؤ بسلوكه وتوجيهه.
علماء النفس بيفسروا ده بأن الإنسان لما بيستثمر مشاعره وهويته جوه "جماعة" أو "جروب" معين، بيبطل يدور على الحقيقة أو الأدلة، وبيتحول كل تركيزه للدفاع عن "الانتماء" نفسه.
بيبدأ يثق في كلام (أهل الجماعة) ويعمى عينه ويكذب أي مصدر خارجي.
عشان كده، في ظواهر كتير غياب الشخص المؤسس ليها مش بيموتها، بالعكس بيخليها تكبر، لأن "الرمز" بيختفي بس "الجماعة" بتفضل موجودة كبنية جاهزة تقدر أي جماعة تانية تخطفها وتستغلها.
الخوارزميات، وصناع المحتوى، والتجار اللي بيبيعوا الخوف أو الأمل أو الكورسات، مش محتاجين عقول ناقدة.. محتاجين كتلة بشرية ليها هوية مشتركة ومنفصلة عن المجتمع.
بالتدريج، الفكرة الأصلية وظيفتها بتنتهي، والجمهور نفسه بيتحول لـ "المنتج" اللي بيتم توجيهه واستغلاله. مهو اللي يصدق إن الأرض مسطحة وان السجاير دخان لا يضر، سهل تبيعله أي فكرة بعد كده!
عشان كده، السؤال اللي لازم يسأله كل واحد فينا لنفسه لما يشوف ظاهرة من دول مش: هل الشخص ده كلامه صح؟
السؤال الحقيقي هو:
من المستفيد من جمع العدد ده كله من الناس، وعزلهم في هوية واحدة؟ ولأي هدف؟
إحنا مش عايشين في سوق للحقائق.. إحنا عايشين في سوق ضخم لبيع "الانتماء".
فيهِ ناس فاكرة إن السلام النفسي معناة إن كل حاجة تبقى ماشية زي ما هُما عايزين بالظبط، بس الحقيقة إن ده تعلّق بالسيطرة مش راحـة حقيقية.
السلام إنك تفضل ثابت وهادئ حتى والدنيا ملخبطة ومش واضحة قدامك، القوة إنك تتعامل مع عدم اليقين من غير ما تقع كل مـرة.
أقصر قصة للكاتب الساخر عزيز نيسين والتي رشحته لجائزة أفضل كاتب ساخر 1966.
" اصطاد رجل سمكة، فسارع بها إلى زوجته طالباً منها أن تقليها ؟ لكن زوجته اعتذرت لعدم وجود الزيت !!
فقال الزوج : إشويها ؟ فاعتذرت الزوجة مرة أخرى لعدم وجود مشواة !
ففكر قليلا قبل أن يطلب منها أن تسلقها ، فصرخت هذه المرة الزوجة غاضبة : لا نملك غازاً
فحمل الزوج السمكة وعاد إلى البحر ملقيا إياها في الماء
فهتفت السمكة : تعيش الحكومة ."