وأتجنب الكلام، فالمرء قد يمتنع عن الكلام أحيانًا، حين يضجره أن يشرح للآخرين سر عذاباته، والناس تعتاد، حين يشرح كثيرًا، ويقولون لا بأس، هو هكذا، معذب دائمًا، ويتركونه في عذاباته.
لكن المرء يختنق بالصمت أيضًا، وبالكلام، و يختار بعض الناس أن يمشوا... فالمشي كلام، والمشي صمت أيضًا.. ويقول الآخرون هو يمشي دائمًا، وتهم بأن تقول: بل حزني من يمشي بي، وحزني، ولد مشاءً، لكن يخنقك الصمت ويخنقك الكلام، فتمشي مرة أخرى.
وفي الليل، حين أستيقظ من نومي باكيًا وأتحسس رأسي، أبكي أيضًا، لأن المرء قد يصحو أحيانًا، ولا يجد رأسه في مكانه، وأمشي بتعب واهن نحو المرايا، لأبصر رأسي، وأبكي، حين يكون موجودًا، وحين لا يكون، وأتحسس أعضائي كلها، ربما نسيت واحدًا منها في الحلم، وأتأكد أن كل شيء في مكانه، وفي صدري فجوة، لأن قلبي يصير أحيانًا صخرة في أحلامي، ويرجم العالم.
ويهتز جسدي، من حين لآخر، يتأرجح من الحزن، أو من شيء دونه، أو من شيء أكثر حزنًا من الحزن، فاللغة قاصرة، وأحيانًا، أرغب أن أصف بكلمة ما أشعر به، ولا أجد كلامًا يصف، فالإنسان الأول صاغ مفرداته على مقاس آلامه، والإنسان الأول لم يكن يسقط في الجنون كثيرًا، ولم يكن يستيقظ في الليل باحثا عن رأسه، لأن الإنسان الأول امتلك سلاحًا، وكانت يده، وكان يستخدمها، فتتوازن عوالم الصحو وعوالم الحلم في رأسه، وحين تخلى إنسان اليوم عن يده، وتوقف عن قتل الذئب على الرمل، استيقظت في رأسه كل ذئابه..
وأقول: أريد شيئا يعبر عن هذا، وأشير نحو قلبي، ولا أجد شيئًا.. فأقول بأني حزين حين يسقط المطر.. و أقو�� بأني حزين حين يصبح العالم أرجوانيًا وحين يتعثر شخص في الشارع، وحين أود وصف الطاحونة التي تطحن قلبي، لا أجد شيئًا يصف، فأستعير الحزن، ويقول الآخرون لا بأس، هو حزين وحسب، فكل الناس تحزن أحيانًا.
وأقول بأني حزين بشكل آخر، حزنًا لا يشبه حزني حين يكون العالم أرجوانيًا أو حين يتعثر شخص ما في ال��ارع. ويقول الآخرون لا بأس، وأعرف أني لست حزينًا، أنا أشبه شيئًا آخر، أكبر من كل حزن، أنا صدئ، وأعبر نحو الجنون، وأشعر برغبة في أن أكسر ساقي.
من كتاب: العهد الجديد كُليًّا.