﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾
صحيح الإمام البخاري – رحمه الله –
كتاب الحج
باب : الاغتسال عند دخول مكة
عن نافع، قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك.
باب : دخول مكة نهارًا أو ليلًا
بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله.
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله.
باب : من أين يدخل مكة؟
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى.
فوائد
من تفسير الكشاف للزمخشري - رحمه الله -
سورة والعاديات
﷽
﴿وَالعادِياتِ ضَبحًا فَالمورِياتِ قَدحًا فَالمُغيراتِ صُبحًا فَأَثَرنَ بِهِ نَقعًا﴾
أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون، وعن ابن عباس أنه حكاه فقال: أحْ أحْ.
قال عنترة:
والخيل تكدح حين تضبح في حياض الموت ضبحا
[انظر: «الصحاح» (مادة: ضبح) برواية: «والخيل تعلم...». ولم أجده في «ديوان عنترة»].
﴿إِنَّ الإِنسانَ لِرَبِّهِ لَكَنودٌ وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَديدٌ﴾
(الكَنُود): الكفور، وكَنَد النعمة كُنوداً، ومنه سُمّي «كِنْدَةُ» لأنه كَنَد أَباه ففارقَه. وعن الكلبيّ: الكنود بلسان كِندَة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مُضَر وَرَبيعة: الكفور.
يعني: أنه لِنِعْمة ربّه خصوصاً لشديد الكُفْران؛ لأن تفريطه في شُكْر نِعْمة غير الله تفريطٌ قريبٌ؛ لِمُقاربة النِّعْمة؛ لأنّ أجَلَّ ما أنعمَ به على الإنسانِ من مثله نعمة أبويه، ثم إن عُظْماها في جنب أدنى نعمة الله قليلة ضئيلة.
و﴿إِنَّهُ﴾ : وإن الإنسان ﴿عَلَى ذَلِكَ﴾: على كنوده ﴿لَشَهِيدٌ﴾ : يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره.
وقيل: وإن الله على كنوده لشاهد، على سبيل الوعيد.
(الخير): المال؛ من قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، والشديد: البخيل الممسك، يقال: فلان شديد ومتشدد؛ قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
يعني: وإنه لأجل حب المال وأن إنفاقه يثقل عليه لبخيل ممسك.
أو أراد بالشديد: القوي، يعني: وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس، تقول: هو شديد لهذا الأمر، وقوي له: إذا كان مطيقاً له ضابطاً.
أو أراد: وإنه لحب الخيرات غير هش منبسط ولكنه شديد منقبض.
فوائد
من تفسير الإمام الحافظ ابن كثير – رحمه الله –
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾
[العاديات ٦]
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾
قال الحسن : يذكر المصائب وينسى النعم .
أخذه الشاعر فنظمه :
يا أيها الظالم في فعله ... والظلم مردودٌ على من ظَلم
إلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النعم!
فوائد
من تفسير الشيخ السعدي – رحمه الله –
﴿وَالعادِياتِ ضَبحًا فَالمورِياتِ قَدحًا فَالمُغيراتِ صُبحًا فَأَثَرنَ بِهِ نَقعًا فَوَسَطنَ بِهِ جَمعًا إِنَّ الإِنسانَ لِرَبِّهِ لَكَنودٌ وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَديدٌ أَفَلا يَعلَمُ إِذا بُعثِرَ ما فِي القُبورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِم يَومَئِذٍ لَخَبيرٌ﴾
[العاديات ١-١١]
أقسم تعالى بالخيل؛ لما فيها من آياته الباهرة ونعمه الظاهرة ما هو معلوم للخلق، وأقسم تعالى بها في الحال التي لا يشاركها فيه غيرها من أنواع الحيوانات، فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾؛ أي: العاديات عدوًا بليغًا قويًّا يصدر عنه الضبح، وهو صوت نفسها في صدرها عند اشتداد عدوها.
﴿فَالْمُورِيَاتِ﴾: بحوافرهن ما يطأن عليه من الأحجار، ﴿قَدْحًا﴾؛ أي: تنقدح النار من صلابة حوافرهن وقوتهن إذا عدون.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾: على الأعداء، ﴿صُبْحًا﴾: وهذا أمر أغلبي أن الغارة تكون صباحًا.
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾؛ أي: بعدوهن وغارتهن، ﴿نَقْعًا﴾؛ أي: غبارًا.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾؛ أي: براكبهن ﴿جَمْعًا﴾؛ أي: توسطن به جموع الأعداء الذين أغار عليهم.
والمقسم عليه قوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾؛ أي: منوع للخير الذي لله عليه؛ فطبيعة الإنسان وجبلته أن نفسه لا تسمح بما عليه من الحقوق فتؤديها كاملة موفرة، بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليها من الحقوق المالية والبدنية؛ إلا من هداه الله وخرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق.
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾؛ أي: إن الإنسان على ما يعرف من نفسه من المنع والكند لشاهد بذلك لا يجحده ولا ينكره؛ لأن ذلك بيِّن واضح، ويحتمل أن الضمير عائد إلى الله؛ أي: إن العبد لربه لكنود، والله شهيد على ذلك؛ ففيه الوعيد والتهديد الشديد لمن هو لربه كنود بأن الله عليه شهيد.
﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: الإنسان ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾؛ أي: المال، ﴿لشَدِيد﴾؛ أي: كثير الحب للمال، وحبه لذلك هو الذي أوجب له ترك الحقوق الواجبة عليه؛ قدم شهوة نفسه على رضا ربه، وكل هذا لأنه قصر نظره على هذه الدار، وغفل عن الآخرة.
ولهذا قال حاثًّا له على خوف يوم الوعيد: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾؛ أي: هلا يعلم هذا المغتر، ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾؛ أي: أخرج الله الأموات من قبورهم لحشرهم ونشورهم.
﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾؛ أي: ظهر وبان ما فيها وما استتر في الصدور من كمائن الخير والشر، فصار السر علانية والباطن ظاهرًا، وبان على وجوه الخلق نتيجة أعمالهم.
﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾؛ أي: مطلع على أعمالهم الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، ومجازيهم عليها، وخص خبرهم بذلك اليوم مع أنه خبير بهم في كل وقت؛ لأن المراد بهذا الجزاء على الأعمال الناشئ عن علم الله واطلاعه.
فوائد
من «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبي – رحمه الله –
وروى ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، قال: حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت، قال:
إني والله لغلام يفعة، إذ سمعت يهوديا وهو على أطمة يثرب يصرخ: يا معشر يهود، فلما اجتمعوا إليه، قالوا: ويلك ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث به الليلة.
السير (٣٥/١).
فوائد
من «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبي – رحمه الله –
[أسماء النبي ﷺ وكنيته]
عن الزهري, عن محمد بن جبير بن مطعم, عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". قال الزهري: والعاقب: الذي ليس بعده نبي.
متفق عليه وقال الزهري: وقد سماه الله رءوفا رحيما.
وقال حماد بن سلمة، عن جعفر بن أبي وحشية، عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي، والخاتم، والعاقب". وهذا إسناد قوي حسن.
وجاء بلفظ آخر، قال: "أنا أحمد، ومحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة".
وقال عبد الله بن صالح: حدثنا الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال عن عقبة بن مسلم عن نافع بن جبير بن مطعم: أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: أتحصي أسماء رسول الله ﷺ التي كان جبير يعدها؟ قال: نعم هي ستة: محمد، وأحمد، وخاتم وحاشر وعاقب وماحي.
فأما حاشر فبعث مع الساعة نذيرا لكم، وأما عاقب فإنه عقب الأنبياء وأما ماحي فإن الله محا به سيئات من اتبعه.
وقال عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء فقال: "أنا محمد، وأحمد، والحاشر، والمقفى، ونبي التوبة، والملحمة" رواه مسلم.
السير (٣٨/١-٣٩).
فوائد
من «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبي – رحمه الله –
[باب منه]
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأن نورا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام".
فوائد
من «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبي – رحمه الله –
[باب منه]
وأرضعته ثويبة جارية أبي لهب عمه، مع عمه حمزة، ومع أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، رضي الله عنهما.…
ثم أرضعته حليمة السعدية:
ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، وأخذته معها إلى أرضها، فأقام معها في بني سعد نحو أربع سنين، ثم ردته إلى أمه.
قال يحيى بن أبي زائدة: قال محمد بن إسحاق عن جهم بن أبي جهم، عن عبد الله جعفر، عن حليمة بنت الحارث أم رسول الله ﷺ السعدية، قالت: خرجت في نسوة نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي قمراء قد أذمت بالركب، وخرجنا في سنة شهباء لم تبق شيئا، ومعنا شارف لنا، والله إن تبض علينا بقطرة، ومع صبي لي لن ننام ليلنا
مع بكائه، فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة رضاعه من أبيه، وكان يتيما، فلم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيا، غيري. فقلت لزوجي: لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فأتيته فأخذته، فقال زوجي: عسى الله أن يجعل فيه خيرا. قالت: فوالله ما هو إلا أن جعلته في حجري فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن، فشرب وشرب أخوه حتى رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلب وشربنا حتى روينا، فبتنا شباعا رواء، وقد نام صبياننا، قال أبوه: والله يا حليمة ما أراك إلا قد أصبت نسمة مباركة، ثم خرجنا، فوالله لخرجت أتاني أمام الركب قد قطعتهن حتى ما يتعلق بها أحد، فقدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر، فقدمنا على أجدب أرض الله، فوالذي نفسي بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم ويسرح راعي غنمي، فتروح غنمي بطانا لبنا حفلا، وتروح أغنامهم جياعا، فيقول لرعاتهم: ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة؟ فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعا ما بها من لبن، وتروح غنمي لبنا حفلا.
السير (٤٩/١-٥١).
فوائد
من «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبي – رحمه الله –
يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ...
ربيع اليتامى عصمة للأرامل
يطيف به الهلاك من آل هاشم ...
فهم عنده في نعمة وفضائل
وميزان عدل لا يخيس شعيرة ...
ووزان صدق وزنه غير عائل
السير (٥٦/١).
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكْرُ نَسَبِ سَيِّدِ البَشَر
محمد رسول الله ﷺ أبو القاسم سيد المرسلين وخاتم النبيين
هو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، واسم عبدالمطلب شيبة، بن هاشم واسمه عَمْرو بن عبد مناف واسمه المغيرة، بن قصي واسمه زید، بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة بن خُزَيمة بن مُدْرِكة، واسمه عامر، بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم - صلى الله عليهما وعلى نبينا وسلم ـ بإجماع الناس .
[مدريد وما حولها]
وقبل أن نغادر طليطلة وإقليمها، لا بد من زيارة إلى ضاحية الإسكوريال وديرها الطائر الصيت.
هذا الدير قرر بناءه فيليب الثاني، ملك إسبانيا، في العاشر من يوليو ١٥٥٧، في اليوم الذي بلغه فيه نبأ انتصار جيوشه على جيوش فرنسا في موقعة سان كانتان.
ويقال إنه قال يومئذ: أريد أن أبني قصرًا لله وكوخًا لي…
وكان فيليب الثاني رجلًا متدينًا جدًا، عاش حياته كأنه راهب، يضطهد بقايا المسلمين في بلاده ويحارب البروتستانت خارجها. كان رجلًا حزينًا لا يلبس غير السواد، ويقال إنه لم يبتسم مرة في حياته.
استغرق إنشاء هذا المبنى الضخم أربعين سنة، وقد اختار لإنشائه قرية الإسكوريال، ضاحية على ٤٥ كيلومترًا شمال غربي مدريد، تقوم على سفح جبل وادي الرملة، على ارتفاع نحو ١٠٠٠ متر، ولهذا فإن جوها في الصيف رقيق لطيف، وهي مصطاف أهل مدريد، تحيط بها الخضرة ويطل عليها الجبل تغطيه المراعي والأشجار.
والدير عبارة عن كنيسة عظيمة ذات صحن بالغ الارتفاع، رائع الهندسة، ممتاز بخطوطه المستقيمة الواضحة، وبالضوء الباهر الذي ينفذ من شبابيك عالية مزينة بالزجاج الملون. ومذبح هذه الكنيسة في صدرها، قطعة فنية بديعة، مزينة باللوحات والتحف من كل صنف.
وحول الكنيسة يقوم «الكوخ».. وهو في الواقع قصر عظيم يتألف من غرف وقاعات متوالية، كل منها ذات طراز خاص، وقد زينت جدرانها بقطع من السجاجيد ذات الرسوم (جوبلان)، نقلت مناظرها من لوحات فنانين إسبان مثل إل جريكو وموريو وبلاسكث، وليست كلها من عصر فيليب الثاني، وإنما أضافها الملوك فيما بعد.…
والجزء الذي يهمك من هذا المبنى الضخم هو المكتبة. تجد الطريق إليها على يمين المدخل قبل أن تفضي إلى الكنيسة. إنها مكتبة عظيمة تضم آلاف الكتب والمخطوطات ما بين لاتينية ويونانية وإسبانية ولغات أوروبية أخرى، وفيها كذلك نحو ٢٠٠٠ مخطوط عربي.
هذه المخطوطات ليست من بقايا كتب أهل الأندلس، فهذه كلها قد أُحرقت وقُضي عليها. أما هذه المخطوطات فهي جزء من مكتبة مولاي زيدان من سلاطين المغرب. كانت بينه وبين الإسبان حرب، وكان يريد أن ينقل مكتبته وذخائره من سلا إلى طنجة، فأرسلها في سفن في البحر، ووقعت السفن في يد الإسبان فاستولوا على ما فيها، ومنها هذه الكتب، فأودعوها مكتبة دير الإسكوريال. كانت نحو أربعة آلاف مجلد، ثم قام حريق فأتى على نصفها، ولم يبق إلا هذه.
ولم تبدأ العناية بهذه المجموعة الفريدة من المخطوطات إلا من أوائل هذا القرن. كان قد اشتغل بفهرستها راهب لبناني ماروني وفد على إسبانيا وعاش في دير الإسكوريال في القرن الثامن عشر، اسمه ميخائيل الغزيري، ويكتبونه: ميجيل كازيري. كان عالمًا محققًا، قام بدراسة هذه المخطوطات وعمل لها فهرسًا لاتينيًا أورد في ثناياه قطعًا كثيرة من النصوص. عمله هذا من أحسن الأعمال العلمية التي قام بها إخواننا اللبنانيون، وفهرسه لا يزال مرجعًا محترمًا من مراجع تاريخ الأندلس.
وشهرة هذه المخطوطات أعظم من حقيقتها. فهي نحو الألفين، منها نحو ١٩٠٠ مفهرسة فهرسة حديثة وافية، والباقي لا زال أوراقًا وقطعًا متناثرة غير مفهرسة، حفظوها بعناية في ملفات من الورق المقوى، وقد درسنا ما فيها دراسة دقيقة.
من هذه المخطوطات نحو ١٥٠٠ في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه والقراءات والأدب والتاريخ، معظمها نسخ مكررة لمخطوطات توجد في خزائن أخرى في الشرق والغرب. الأربعمائة الباقية في الفلسفة والطب….
ويدير هذه المكتبة الآباء الأوغسطينيون، وهم فرقة مسيحية منسوبة إلى القديس أوغسطين. وقد ورث رهبان هذه الفرقة العناية بالعلم والكتب، ولهذا فإن عنايتهم بمخطوطاتنا طيبة مشكورة، وهم – كرهبان مكتبة الفاتيكان – من أكرم الرهبان خلقًا وأكثرهم حرصًا على خدمة العلم وأهله، وما زار المكتبة عالم عربي إلا لقي منهم كل مودة. وبعضهم يجيدون العربية، ولهم في تاريخنا الثقافي مباحث ودراسات ينشرونها في مجلة دورية يصدرونها باسم «مدينة الله» (ثيوداد دي ديوس). سموها باسم الكتاب المعروف للقديس أوغسطين، وهي من المراجع العلمية التي يعتمد عليها.
وإلى جوار قاعة المطالعة معرض لنوادر المخطوطات، ترى فيه نسخًا من القرآن الكريم جميلة الخط والزينة، ومخطوطًا مصورًا بالألوان في علم الحيوان، وآخر من كليلة ودمنة مصورًا تصويرًا جميلًا.
والدير يقع إلى يمين الكنيسة، وهو دير عظيم منسوب إلى القديس لورنزو. وهو يطل على الحدائق الواسعة الواقعة خلف القصر، وفي جانب من هذه الحدائق تجد مدفن الملوك: قبو واسع تحت الأرض تصل إليه عن طريق سلم منحدر طويل، هناك ترى توابيت الملوك قد رُصَّت في صفوف بعضها فوق بعض.
رحلة الأندلس حديث الفردوس المفقود للدكتور حسين مؤنس (ص٢٧٧-٢٨٠).
فوائد
من «فتح الباري» للحافظ ابن حجر – رحمه الله –
[باب: من جاهد نفسه في طاعة الله]
قوله: باب من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل يعني بيان فضل من جاهد، والمراد بالمجاهدة كف النفس عن إرادتها من الشغل بغير العبادة، وبهذا تظهر مناسبة الترجمة لحديث الباب.
وقال ابن بطال: جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل. قال الله تعالى: ﴿وَأَمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوى﴾ الآية. ويقع بمنع النفس عن المعاصي، وبمنعها من الشبهات، وبمنعها من الإكثار من الشهوات المباحة لتتوفر لها في الآخرة.
قلت: ولئلا يعتاد الإكثار فيألفه فيجره إلى الشبهات فلا يأمن أن يقع في الحرام. ونقل القشيري عن شيخه أبي علي الدقاق: من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذا الطريق شمة.
وعن أبي عمرو بن بجيد: من كرم عليه دينه هانت عليه نفسه.
قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات، وحملها على غير هواها، وللنفس صفتان: انهماك في الشهوات، وامتناع عن الطاعات، فالمجاهدة تقع بحسب ذلك.
قال بعض الأئمة: جهاد النفس داخل في جهاد العدو، فإن الأعداء ثلاثة: رأسهم الشيطان، ثم النفس؛ لأنها تدعو إلى اللذات المفضية بصاحبها إلى الوقوع في الحرام الذي يسخط الرب، والشيطان هو المعين لها على ذلك ويزينه لها، فمن خالف هوى نفسه قمع شيطانه، فمجاهدته نفسه حملها على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، وإذا قوي العبد على ذلك سهل عليه جهاد أعداء الدين، فالأول الجهاد الباطن، والثاني الجهاد الظاهر.
وجهاد النفس أربع مراتب: حملها على تعلم أمور الدين، ثم حملها على العمل بذلك، ثم حملها على تعليم من لا يعلم، ثم الدعاء إلى توحيد الله وقتال من خالف دينه وجحد نعمه. وأقوى المعين على جهاد النفس جهاد الشيطان بدفع ما يلقي إليه من الشبهة والشك، ثم تحسين ما نهي عنه من المحرمات، ثم ما يفضي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات. وتمام ذلك من المجاهدة أن يكون متيقظا لنفسه في جميع أحواله، فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات. وبالله التوفيق.
فتح الباري (٣٣٠/٢٠-٣٣١).
[الحُكم زُمرًا]
مهما تغيرت طبيعة الحرب بين العثمانيين والصفويين، فإن محاولة السلطان مراد لاستعادة عظمة العصور السابقة تطلبت إحياء تقليد السلطان المحارب، فصمم على قيادة جيشه في الحرب على الصفويين تماما كما فعل السلطان سليمان قبل قرن من الزمان كانت جهود السلطان عثمان الثاني في هذا الصدد قصيرة الأجل وبعيدة عن الإقناع؛ أما مراد فقد كانت سيطرته على أجهزة الدولة مؤكدة أكثر من سيطرة عثمان، ورأى أن المكاسب السياسية التي وعد بها الانتصار على الجبهة الشرقية تفوق خطر حدوث انقلاب في غيابه.
توفي الشاه عباس عام 1629م، وخلفه حفيده الشاه صفي ، الذي استغل الاضطرابات الناجمة عن الثورات في إسطنبول والأناضول، ليثير أمراء جورجيا، وأرسل كذلك قوة لمحاصرة قلعة فان العثمانية . لم يكن السلطان مراد قادرًا على الانطلاق لمواجهة الشاه صفي حتى ربيع عام 1635م، وكان التأخير يرجع جزئيا لنيته الواضحة لقيادة الجيش العثماني في حملة على الاتحاد البولندي الليتواني في صيف عام 1634م - ولهذا الغرض سار حتى أدرنة - وجزئيا إلى إحجام قواته عن خوض الحرب، مما أجبره على قبول فترة راحة قبل الانطلاق شرقا.…
في ديسمبر 1635م، دخل السلطان مراد إسطنبول دخولا احتفاليا رائعا، بصفته المحارب الذي أعاد ترسيخ تقاليد أجداده. احتفي بانتصاره ببناء جناح ريفان (Revan) في حدائق قصر طوبقابي على شرفة من الأرض تطل على القرن الذهبي. إن حقيقة استعادة الصفويين يريفان في غضون ثمانية أشهر من استسلام أميرغون، وثلاثة أشهر من دخول مراد إلى إسطنبول، لم يُسمح لها بتشويه نجاح الحملة. ربما كان يُنظر إلى خسارة يريفان على أنها ليست أكثر من انتكاسة مؤقتة؛ فقد دفعت أنباء الهجوم الصفوي المضاد إلى إرسال جيش المساعدة الحامية العثمانية على الاحتفاظ بالمدينة، لكنه كان صغيرا للغاية وكان الطقس شديد البرودة. أقيل الوزير الأعظم تابانياسي محمد باشا، الذي بقي في الأماكن الشتوية في ديار بكر بسبب فقدان يريفان، وحل محله صهر السلطان بیرم باشا، القائد العام السابق للإنكشارية وحاكم مصر.
على الرغم من أنهم استعادوا يريفان وهزموا الجيش العثماني في المعركة، أرسل الصفويون مبعوثا من أجل التماس السلام عندما سمعوا أن السلطان مراد كان يستعد لحملة أخرى على الشرق، إلا أن ذلك لم يثن مراد. قبل أن يغادر إسطنبول هذه المرة.…
غادر الجيش العثماني أوسكودار بقيادة السلطان، في 8 مايو 1638م، وسافر عبر قونية وحلب وديار بكر والموصل ليصل إلى بغداد في نوفمبر . استسلمت قلعتها بعد حصار دام 39 يوما. عند الاستيلاء على هذه المدينة ذات الغالبية الشيعية، أمر مراد بإصلاح ضريح رجل الدين والصوفي عبد القادر الجيلاني الذي بناه سليمان الأول بعد أن سيطر على بغداد عام 1534م، عندما أعاد أيضًا بناء ضريح الفقيه البارز أبي حنيفة. كان اهتمام مراد بضريح الجيلاني يهدف بالمثل إلى إعادة تأكيد تفوق الممارسة العثمانية للإسلام على ممارسات الصفويين المهزومين. سافر زكريا زاده يحيى أفندي إلى بغداد مع مراد، وهي المرة الأولى التي يرافق فيها شيخ الإسلام حملة عسكرية. لدى عودته إلى إسطنبول، احتفل السلطان بانتصاره ببناء جناح بغداد في ساحة القصر المطلة على القرن الذهبي، ليصير قرينا لذلك الذي بناه بعد حملة يريفان.
شارك السلطان مراد الرابع كذلك في مشروع بناء آخر مهم بمكان آخر من إمبراطوريته؛ فقد ظهر اسمه في نقش على أنه الأخير في سلسلة الحكام الذين أعادوا بناء أقدس مزارات الإسلام، الكعبة في مكة. لقد بذلت محاولات لتقوية جدرانها في عهد والدمراد السلطان أحمد، ولكن تضررت بنيتها وصارت آيلة للسقوط على إثر فيضان مدمر في عام 1630م.
[حلم عثمان: سيرة الإمبراطورية العثمانية (١٣٠٠-١٩٢٣م)] كارولين فنكل (ص٣١٥-٣١٨).
﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا رَحمَةً لِلعالَمينَ﴾
صحيح الإمام مسلم -رحمه الله-
كتاب الإيمان
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية ، ووكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ،
قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ".
وحدثني زهير بن حرب ، أنبأنا جرير ، عن الأعمش ، بهذا الإسناد. قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ". بمثل حديث أبي معاوية ووكيع.
حدثنا محمد بن عباد المكي ، حدثنا سفيان ، قال : قلت لسهيل : إن عمرا حدثنا، عن القعقاع ، عن أبيك ، قال : ورجوت أن يسقط عني رجلا، قال : فقال : سمعته من الذي سمعه منه أبي كان صديقا له بالشام، ثم حدثنا سفيان ، عن سهيل ، عن عطاء بن يزيد ، عن تميم الداري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" الدين النصيحة ". قلنا : لمن ؟ قال : " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
وحدثني محمد بن حاتم ، حدثنا ابن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن تميم الداري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله.
وحدثني أمية بن بسطام ، حدثنا يزيد - يعني ابن زريع - حدثنا روح - وهو ابن القاسم - حدثنا سهيل ، عن عطاء بن يزيد سمعه، وهو يحدث أبا صالح ، عن تميم الداري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الله بن نمير ، وأبو أسامة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن جرير ، قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وابن نمير ، قالوا : حدثنا سفيان ، عن زياد بن علاقة ، سمع جرير بن عبد الله ، يقول : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم.
حدثنا سريج بن يونس ، ويعقوب الدورقي ، قالا : حدثنا هشيم ، عن سيار ، عن الشعبي ، عن جرير ، قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني :
" فيما استطعت "،
والنصح لكل مسلم. قال يعقوب في روايته : قال : حدثنا سيار.
﴿وَما أَرسَلناكَ إِلّا رَحمَةً لِلعالَمينَ﴾
صحيح الإمام البخاري -رحمه الله-
كتاب الإيمان
باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى :
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾
فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد رضي الله عنه : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا وسعد جالس، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: أو مسلما. فسكت قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا، فقال: أو مسلما. ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا سعد إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه الله في النار.»
ورواه يونس، وصالح، ومعمر، وابن أخي الزهري، عن الزهري.
باب: إفشاء السلام من الإسلام
وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.
حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو :
«أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»
باب كفران العشير وكفر بعد كفر.
فيه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قط».
باب: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنك امرؤ فيك جاهلية وقول الله تعالى :
﴿ إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن المعرور قال:
«لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم».
﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾
صحيح الإمام البخاري – رحمه الله –
كتاب الحج
باب : من لبى بالحج وسماه
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبيك اللهم لبيك بالحج. فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرة.
باب : التمتع
عن عمران رضي الله عنه، قال: تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ فنزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء.
باب : قول الله تعالى: ﴿ذَ ٰلِكَ لِمَن لَّمۡ یَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِی ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سئل عن متعة الحج، فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ: «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدي». طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: «من قلد الهدي، فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله». ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا، وعلينا الهدي كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا ٱسۡتَیۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡیِۚ فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ ثَلَـٰثَةِ أَیَّامࣲ فِی ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ﴾ إلى أمصاركم، الشاة تجزي، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الله تعالى أنزله في كتابه وسنه نبيه ﷺ وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله: ﴿ذَ ٰلِكَ لِمَن لَّمۡ یَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِی ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾، وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم، والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء.
فائدة
وفي حكاية عند الخطيب البغدادي – رحمه الله –
كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله…
وفيها انه كان يقول في دعائه :
" يا من يجزي بمثقال ذرة خَيْر خيرًا، ويا من يجزي بمثقال ذرةِ شرٍ شرًا، أجِرْ النعمان عبدك من النار، وما يقرب بها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك ".
فوائد
من تفسير الإمام الحافظ ابن كثير – رحمه الله –
﴿إِذا زُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزالَها وَأَخرَجَتِ الأَرضُ أَثقالَها وَقالَ الإِنسانُ ما لَها يَومَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوحى لَها يَومَئِذٍ يَصدُرُ النّاسُ أَشتاتًا لِيُرَوا أَعمالَهُم فَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ وَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
[الزلزلة ١-٨]
قال ابن عباس: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ أي: تحركت من أسفلها. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ يعني: ألقت ما فيها من الموتى. قاله غير واحد من السلف. وهذه كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، وكقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾.
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فُضَيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: "تَقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قَتَلْتُ، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قَطَعتُ رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطِعت يدي، ثم يَدَعُونه فلا يأخذون منه شيئًا".
وقوله: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ أي: استنكر أمرها بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها؛ أي: تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر الله ما قد أعد لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تحدث بما عمل العاملون على ظهرها.
قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، وقال الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي، واللفظ له: حدثنا سُوَيد بن نصر، أخبرنا عبد الله -هو ابن المبارك- عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقْبُرِي، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: "أتدرون ما أخبارها؟". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عَمِل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها".
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قال البخاري: أوحى لها وأوحى إليها، ووحى لها ووحى إليها: واحد. وكذا قال ابن عباس: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أي: أوحى إليها.
والظاهر أن هذا مُضَمَّنُ بمعنى أذن لها.
وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: قال لها ربها: قولي، فقالت.
وقال مجاهد: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أي: أمرها.
وقال القُرَظي: أمرها أن تنشق عنهم.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ أي: يرجعون عن موقف الحساب، ﴿أَشْتَاتًا﴾ أي: أنواعًا وأصنافًا، ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار.
قال ابن جريج: يتصدعون أشتاتًا فلا يجتمعون آخر ما عليهم.
وقال السُّدِّي: ﴿أَشْتَاتًا﴾ فرقًا.
وقوله تعالى: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: ليعملوا ويجازوا بما عملوه في الدنيا، من خير وشر. ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن يزيد بن أسلم، عن أبي صالح السَّمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طَيلها في مرج أو روضة، فما أصابت في طبلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنَّت شَرَفًا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يَسقيَ به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تَغَنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر. ورجل ربطها فخرًا ورئاء ونواء، فهي على ذلك وزر". فسُئل رسول الله ﷺ عن الحُمُر، فقال: "ما أنزل الله فيها شيئًا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾".
ورواه مسلم، من حديث زيد بن أسلم، به.
وفي صحيح البخاري، عن عَدي مرفوعًا: "اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة، ولو بكلمة طيبة".
وفي الصحيح: "لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط".
وفي الصحيح أيضًا: "يا نساء المؤمنات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرْسَنَ شاة" يعني: ظلفها.