..وكان الفضاء الرقمي في هذه المنصة وغيرها عامرًا بإضاءات الأستاذ الدكتور عبدالله بن سليم الرشيد، ونشاطه المتوقد الدؤوب، وكذا (المجلة الثقافية) في صحيفة الجزيرة، التي كان يمدُّها بمقالاته وقصائده بين حينٍ وآخر. وكانت كلماته موردًا للمعرفة، ومقالاته وآراؤه مجالًا للتأمُّل؛ فإذا تحدَّث أبان، وإذا كتب أجاد، وإذا عرض رأيًا أقامه على بصيرة، وبحكمةٍ واتزان.
وكان التعليق عنده أدبًا رفيعًا، تكسوه السماحة، وتحكمه المروءة، فلا جفاء ولا تعالٍ، وإنَّما خُلُق كريم، ولسان عفّ، ونفس نقية. وإذا أثنى جاء ثناؤه منصفًا وموضوعيًا، لا ابتذال فيه ولا تملُّق. وكان ظهوره في المجالس الثقافية، والحوارات الأدبية امتدادًا لما عُرف عنه في كتاباته ومؤلَّفاته من رصانة واعتدال.
وكانت هذه الخصائص والسمات معبِّرةً ومجلِّيةً لشخصيته العلمية والأدبية؛ فهو أستاذ جامعي متمكن، وأديب مفوَّه، وشاعر مبدع، وباحث رصين، ورجل تأنس بقربه النفوس، وتطمئن لسيرته القلوب، وقد عُرف بين زملائه وطلابه برصانة العلم، وسمت الأدب، وكرم الخلق، وحسن المعشر.
ومن الشواهد الدالة على ذلك ما نشره قُبيل أشهر قليلة في (المجلة الثقافية) بعنوان: (أشياخ وأساتيذ)، حين قصَّ طرفًا من أخبار رحلته إبان سنيِّ الدراسة والطلب؛ فانسابت الحكاية عذبةً آسرةً، فيها الكثير من صدق المحاسبة، وعدالة النظر، ورجاحة الفكر، وتجلَّت قدرته على استحضار تلك المرحلة استحضارًا حيًّا؛ فلم يكتفِ بسرد الوقائع، وإنَّما أعاد بناء التجربة بما حفلت به من مشاعر وتأمُّلات نابضة بالحياة، ومشحونة بحرارة المعايشة وصدقها، ممَّا أكسب تلك المقالات عذوبةً، وأثرًا وجدانيًا عميقًا.
وهو في جميع أحواله عاشقٌ للغة القرآن الكريم، وعلى دراية بقيمتها وقيمها، وعلى صلة معرفية وثيقة بأئمتها وعلمائها القدماء والمحدثين، وله معها طول صحبة، وعشق صادق متين، وغيرة صادقة، ومعرفة راسخة بحقها ومكانتها، وعناية بسلامة عباراتها، وفصاحة أساليبها، ورصانة بيانها. وكانت حاضرة دائمًا في حديثه وكتاباته، يُعلي من شأنها، ويغرس محبتها، وينشر الوعي بأهميتها ومكانتها، ويشحذ الهمم لخدمتها، والاعتزاز بها.
واليوم تفيض الدعوات لهذا الإنسان النبيل، برجاء تمام العافية، وكمال الشفاء، ودوام الصحة، وأن يعود قريبًا — بإذن الله — إلى نشاطه العلمي والثقافي، الذي طالما أثرى ونفع وأمتع وأفاد.
ما يبلغه "شباب البومب"من مشاهداتٍ مليونية متراكمة في مواسمه المتتالية؛ وبما يتضمنه من كوميديا سطحية، وموضوعات ضحلة، وشخصيات نمطية تفتقر للوعي الدرامي، وأُصول صنعة التمثيل؛ يكشف عن تحوُّلٍ في الذائقة، ويؤكِّد غلبة الكثرة وطغيان الرواج؛ على الجودة والإتقان، ويضع من مكانة العمل المتين؛ أمام سرعة الذيوع، وسطوة الانتشار.
ومن هنا تغري الأرقام المتضخمة بعض من يُوصفون بصنَّاع الدراما؛ بسلوك أقصر السبل، فيكتفون بالطرح العشوائي، وإعادة إنتاج الأفكار المستهلكة، ويقدِّمون التكرار والاستسهال على الجودة والعمق، كما هو شأن مكرَّرات العمل المشار إليه، مثل: "جاكَ العِلم"، وأشباهه..!. ومن ثمَّ تترسَّخ فكرة الحضور والنجاح، الذي يتحقَّق بخفة الطرح وسرعة الاستهلاك؛ عوضًا عن جزالة الفكرة والعمق، والصناعة الفنية المُتقنة. وهو حالٌ يفتك بعزائم الموهوبين لتقديم أعمال ناضجة، حين يرى بعضهم أنَّ الجمهور لا يكافئ الاجتهاد والجودة، والأعمال الفنية الراقية، فيستبدُّ الاحباط بالنفوس، ويخبو الحماس أمام ضجيج الأعمال الرائجة.
وإلى ذلك ينشأ وعي جمعي يربط النجاح بالعدد والانتشار، ويغيِّب مقاييس القيمة والجودة الفنية، ويخلط الغث المتوافر، بالجيد النادر، لتستمر حالةٌ قُوامها جمهورٌ اعتاد النمط السهل، ومُنتَجٌ فني يساير هذا الاعتياد، ويمتد الأثر إلى تشكيل وعي جمعي يحصر النجاح بالانتشار، وأعداد المشاهدة فقط، بينما يغيِّب معيار القيمة الفنية، وهو ما يفتح المجال واسعًا لأعمالٍ فنية ركيكة وغير ناضجة، تكتفي بإثارة الانتباه العاجل، دون أن يكون لها أثر باقٍ في الذائقة أو الوجدان.
سمعت من أناس قالوا إنَّهم أثناء الطواف كانوا يشعرون كأنَّهم يطيرون فوق الكعبة ويرون المشهدَ من أعلى، ولم يداخلني شكٌّ في صدق تجربتهم. فالتحول يحدث بالفعل؛ يتحول الإنسان من فرد عادي إلى «حاج». وهنا تحديداً يلتقي الحس الديني بالأنثروبولوجيا. فالأنثروبولوجي فيكتور تيرنر رأى أنَّ الطقوس الكبرى ليست مجرد شعائر، بل «حالات عبور» ينتقل فيها الإنسان من وضع اجتماعي إلى آخر. والحاج بالفعل يمر بحالة تعليق للهوية؛ يخلع ملابسه المعتادة، ويفقد اسمَه وطبقته ومكانته، ليصبح مجرد «حاج». الإحرام هنا ليس لباساً فقط، بل مساواة مؤقتة، وموت رمزي للحياة اليومية قبل ولادة جديدة.
ضيوف الله وأنثروبولوجيا الحج https://t.co/wo6748UF2t
بمناسبة إطلاق #مؤسسة_الأمير_خالد_الفيصل_الثقافية..
أمير منطقة مكة المكرمة، صاحب السمو الملكي الأمير
#خالد_الفيصل
يرفع شكره للقيادة الرشيدة نظير ما تحظى به الحركة الثقافية من رعايةٍ واهتمام، وما يلقاه الأدباء والمفكرون من دعمٍ سخيّ وتقديرٍ لإسهاماتهم في بناء فكرٍ سعوديٍّ متميز ورائد
عقودٌ من الفكر والشعر والريشة التي رسمت ملامح هويتنا الوطنية.. تبلورت اليوم تحت كيان #مؤسسة_الأمير_خالد_الفيصل_الثقافية.
لم يكن سموه -حفظه الله- يومًا مجرد مسؤول، بل كان ومازال مدرسةً في عشق الوطن، هذا الصرح هو "ميثاق وفاء" ونبراسٌ يلهم الأجيال القادمة.
#المدينة_المنورة.
#المسجد_النبوي_الشريف.
ورمضانُ في المدينة المنورة؛ موسمُ صفاءٍ، تتنزَّلُ فيه المعاني؛ كما يتنزَّلُ المطرُ على أرضٍ عطشى. فالقلوبُ تتجه نحو المسجد النبوي الشريف، والأنفاسُ تتوالى مضمَّخةً بالوقار، والخطواتُ تمضي على هُدى الشوق، حيثُ يلينُ الزمنُ، وتتخفَّفُ الروحُ من أثقالها، وتجري الطمأنينةُ في الصدور؛ جريان النورِ في أنفاس الفجر الأُولى.
في أروقةِ المسجد النبويِّ الشريف، وساحاته الداخلية والخارجية؛ تمتدُّ موائدُ بسيطة، يسيرة المكوِّنات، غير أنَّ المعنى أوسع من طعام..!؛ فهنا يتجلَّى الإخاء، وتتعانق النفوس على تمرٍ وماء، وتسمو الأرواح فوق حدود اللغات، وفوق تعدُّدِ المَواطِن والأصول والألوان. الوجوهُ تشترك في دعاءٍ صامت، والعيونُ تفيضُ رجاءً، والقلوبُ تعرفُ وِجهتها ومقصدها..
وعندما تحين الصلاةُ فريضةً أو نافلةً؛ تتراصُّ الصفوفُ، وتنسابُ التلاواتُ رخيةً نديَّةً، لتنقلَ السامع من عالمِ الحسِّ إلى فُسحةِ القُرب؛ آياتٌ تعبرُ الذاكرة، تحرِّك ما رانت عليه الغفلَةُ، وتوقظُ ما ركدَ واستكنَّ في الأعماق..، سكينةٌ تحيط بالمكان، وأفئدة تتوجَّه إلى الله؛ إنابةً ورجاءً وسعيًا.
المدينةُ المنورةُ في رمضان؛ حضنٌ رحيم، تفتحُ أبوابها لكلِّ قاصد، وتمنحُ زائرَها الطمأنينة، وما بين القبر والمنبر الشريفين، وبين الأروقة المباركة والحصوتين؛ تُولدُ لحظاتٌ، تُكتبُ في السِّر، وتبقى أثرًا لا تمحوه الأيام.. فمن هنا يبدأُ السَّفر الحقيقي؛ سَفرُ القلب نحو صفائه، وسَفرُ الروح نحو أصلها، ويبقى رمضانُ شاهدًا على هذا العبور.
(منذ سنوات طويلة ونحن نردّد في مدارسنا وجامعاتنا مقولة تبدو براقة: «المهم الفهم لا الحفظ». تحوّلت هذه العبارة إلى شعار تربوي رائج، وكأنها حقيقة مسلَّم بها لا تقبل النقاش. وباسمها)
د. محمد بن إبراهيم الملحم يكتب:
(لا للفهم.. لا للحفظ - 1)
https://t.co/Upv2sbObHr
ليست «رؤية 2030» برنامجاً تنفيذياً قابلاً للاختزال في مشاريع محددة أو جداول زمنية، ولا سردية إنجاز تُقاس بمنطق الافتتاح والإغلاق والتأجيل
- يوسف الديني
#رأي_الشرق_الأوسط#صحيفة_الشرق_الأوسط#صحيفة_العرب_الأولى
https://t.co/51TQzvnrcO
يُعَدُّ العلَّامة الدكتور محمد محمد أبو موسى نموذجًا نادرًا للعالِم الذي اتخذ من الجهاد العلمي منهجًا، ومن خدمة المعرفة رسالةً وفَّاها حقَّها، بصبرٍ ودأبٍ وإخلاص، ومن الزهد في الأضواء خُلُقًا ثابتًا لا يحيد عنه. فقد أمضى حياته في محراب العلم، باحثًا ومعلِّمًا ومحقِّقًا، وجعل غايته إحياء علوم العربية، وخدمة القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، بواسطة الدرس البلاغي الرصين، تأصيلًا وتحليلًا.
وحين انصرف جمهرةٌ من الدارسين العرب، إلى تتبُّع النظريات الفلسفية والأدبية الغربية، واعتناق مناهجها، والتبشير بها، والانغلاق عليها، وإيثارها على ما سواها؛ آثر هو أن يتجه إلى أصول التراث الأدبي العربي، قراءةً وتدبُّرًا وتجليةً، مستنيرًا بمناهج الأئمة الأوائل، ومؤمنًا بأنَّ في هذا التراث من العمق والثراء، ما يُغني الدرس البلاغي والنقدي، ويمنحه أصالته، ويحقِّق بُغيته، ويعين الدارس على فهمٍ أعمق، ووعي أصيل لنصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية. فقام مشروعه العلمي على استنطاق أسرار المرجعين الأصيلين، وكذا المتون التراثية، وكشف أسرارها البلاغية، ولطائفها، وإعادة تقديمها بروح علمية دقيقة، وذوق لغوي رفيع. وقد تجلَّى هذا الجهاد العلمي؛ في إثرائه المكتبة اللغوية والبلاغية؛ بنتاجٍ علميٍّ غزير، بلغ (اثنين وثلاثين) كتابًا، اجتمع فيها دقة المنهج، وعمق التحليل، وصفاء الذوق البلاغي. وإلى جانب التأليف، كان للدكتور محمد أبو موسى حضورٌ علميٌّ ثري في التدريس، وإحياء تقاليد المجالس العلمية، حين التزم بعقد مجلس علمي منتظم في الجامع الأزهر، منذ عام 1436هـ= 2014م، حتى اليوم، يدرس فيه كتابي الإمام عبدالقاهر الجرجاني: (أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز)، حتى صار مجلسه هذا؛ مدرسة علمية قائمة بذاتها، خرَّجت طلبة علمٍ وباحثين نهلوا من علمه، وتشرَّبوا منهجه في الفهم والتحليل والتذوق. وتتميَّز هذه الدروس بالالتزام والعمق، والوفاء للنص، والبعد عن الاستعراض، إذ يُقدَّم العلم خالصًا لوجهه، ويعيد الثقة بمنهج التلقِّي المتدرِّج، وينمِّي الملكة البلاغية، ويُغرس في الطلاب احترام التراث، وفهمه، واستيعاب مسائله، مع القدرة على مساءلته علميًا. وممَّا يميِّز العلَّامة محمد أبو موسى، في مسيرته العلمية؛ ابتعاده عن محافل الضجيج والأضواء؛ فقد آثر العمل في صمت، والإنجاز في هدوء، لأنه يدرك أنَّ قيمة العالِم الحقيقية، تكمن بما يخلِّفه من أثر علمي باقٍ، وليس بما يناله من شهرةٍ أو صيتٍ فقط.. وقد جاء فوزه #بجائزة_الملك_فيصل_العالمية لخدمة الإسلام؛ تتويجًا كريمًا لمسيرة علمية فذَّة ومحترمة، قامت على الإخلاص، والصبر، والجهاد بالعلم، والدرس، وخدمة العربية والقرآن الكريم. وإنَّ تكريمه بهذه الجائزة العالمية، واستحقاقه إياها، هو تكريمٌ لقيم العلم والمعرفة، التي لا يزال أمثاله من العلماء يحافظون عليها، ويتمثَّلونها خُلُقًا ومنهجًا، ويؤصلونها علمًا وتعليمًا، في زمنٍ أحوج ما يكون إلى الإخلاص للعلم، والوفاء للمعرفة.
رحم الله الدكتور محمد بن علي العقلا.
كان رحمه الله آيةً في التواضع ولين الجانب، وسماحة النفس.
لم يتعلق بالمظاهر والبهرجة، ولم يتعالَ على غيره بمنصبه الكبير.
شاركت قبل نحو أربعَ عَشْرةَ سنة في مؤتمر (اللغة العربية ومواكبة العصر) الذي نظّمته الجامعة الإسلامية، وكان مديرَها.
ولما وصلنا إلى مطار المدينة المنورة أنا ونفرٌ من الضيوف، إذا هو في المطار يستقبل الوفود!
وفي أثناء الجلسات كان يقتعد كرسيًّا في طرف الصف الأول، يتابع ويتأكد من سير العمل، بلا تكلف في اللباس ولا تخاشع ولا تعال.
وفي أحد الأيام كنت أتوضّأ لصلاة الظهر في متَوَضَّأٍ قرب قاعة المؤتمر، وكان فيه حشد من الطلاب، ولما خرجت بصُرتُ قُدامي برجل مشمّرٍ عن ذراعيه بعد فراغه من الوضوء، وهو يتكلم في جواله، ولما تجاوزته إذا هو محمد العقلا، ولولا معرفتي به لظننته من صغار الموظفين!
لم يكن رحمه الله يعبأ بأن يُنظَر إليه، ولا بأن يلاحقَه المصورون، ويتمسّحَ به المتقربون. ولم يكن يجعجعُ ولا يسمحُ بأن يُجعجَعَ له.
وكانت تلك السجايا مشهورةً عنه، حتى إني لما حدثت أحدَ منسوبي الجامعة عما أعجبني منه، أخبرني بوقائع عدّة تشهد له بالفضل وعلوّ الهمّة وسجاحة الخلُق.
منها أنه زار معهدًا يتبع الجامعةَ ليرعى حفلَ الطلاب، وبعد الحفل دُعي الجمعُ إلى مائدتين للعشاء، الأولى للمدير والضيوف ومسؤولي المعهد، والثانية للطلاب، ففوجئوا بالمدير يقعدُ مع الطلاب ويتركُ الموائد الخاصة، قيل له: (تعال هنا يا معالي المدير) فقال: أنا جئت من أجلِ هؤلاء، وسأتعشى معهم.
وفي حفل العشاء الختامي للمؤتمر كنت ممن دخلوا إلى القاعة متأخرين، فوجدت منضدةً قصيّةً عليها رجلٌ ليس من الضيوف المهمين على ما بدا، فقعدت معه، وما هي إلا لحظاتٌ حتى جاء محمد العقلا نفسه فقعد معنا على تلك المنضدة البعيدة، وكان يأمر المشرفَ على العشاء بتوزيع بعض الإضافات على الموائد، ويخدمُ ضيوفَه بيده.
ولم نشاهد آلاتِ التصوير ولا جلجلةَ موظفي الأمن والسلامة.
كان محمد العقلا يُحرق نفسه عملًا وجِدًّا وإخلاصًا، فأزهرتْ في طريقه المروءةُ والنُّبل. ولم يكن يُحرَق في موكبه البَخور، ولم يستعبدْه المنصب ولم يغرّه اللقب.
والناس معادن، وبضدّها تتمايزُ الأشياءُ.
رحمه الله ولقّاه نَضرةً وسرورًا.
قهوة الصباح ☕️
درر التراجم والسِّيَر الذاتية
لا حدود لمتعة القراءة في كتب السِّيَر الذاتية وكتب التراجم الخاصة أو العامة، ومن يقرأ أخبار الرجال ونجاحاتهم وانكساراتهم يجد الكثير من الفائدة والمتعة والسلوة والعبرة.
ومن يفتّش عن الكتب التي تترجم للنبلاء وأصحاب الشأن والعلماء يقف على تراث زاخر منها، وهي متنوّعة بتنوّع الفنون، ومن أقدمها في تراثنا كتب السيرة وكتب الرجال أو الطبقات، ومن أقدم ما صُنّف في السيرة والمغازي: "السيرة والمغازي" لابن إسحاق وتهذيبها لابن هشام المعافري، و"المغازي" للواقدي، ومن أقدم ما صُنّف في الرجال: "الطبقات" لخليفة بن خيّاط و"الطبقات الكبرى" لابن سعد، وينبغي لهذه الأربعة أن تكون في مكتبة طالب العلم، فهي من الأصول في تراثنا الإسلامي.
وأتذكّر أنني اقتنيت "الطبقات الكبرى" لابن سعد وأنا طالب في كلية الآداب بجامعة الملك عبدالعزيز، (في عام 1406هـ)، وفي ذلك الحين كلفني عميد الكلية المتخصّص في التاريخ الدكتور حمد العرينان بجمع مرويات عوانة بن الحكم الكلبي من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ومن تاريخ ابن كثير، (وأنا لا أعرف عوانة هذا) فلما فرغت من مهمّتي أهداني نسخة من المغازي للواقدي ونسخة من البداية والنهاية لابن كثير ونسخة من فتوح البلدان للبلاذري، ولم تزل هذه النسخ الثلاث في مكتبتي إلى اليوم، وعليها إهداء الدكتور حمد، أطال الله في عمره.
ومن كتب التراجم ما صُنّف في علماء اللغة والنحو والأدب، ومن أبرزها "مراتب النحويين" لأبي الطيّب اللغوي، و"أخبار النحويين البصريين" لأبي سعيد السيرافي، و"طبقات النحويين واللغويين" لأبي بكر الزُّبيدي، و"نزهة الألباء في طبقات الأدباء" لأبي البركات الأنباري، و"إنباه الرواة على أنباه النحاة" للقفطي، و"بغية الوعاة" للسيوطي، وهذه كلها من مقتنياتي وأنا طالب في الجامعة، وكنت شغوفًا بجمعها من مكتبات جدة ومكة.
ومن أجود كتب التراجم القديمة ومن أوسعها: "معجم الأدباء" (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) لياقوت الحموي، و"وفيات الأعيان" للقاضي الأديب ابن خَلِّكان، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي، و"الوافي بالوفيات" للصفدي، و"فوات الوفيات" لابن شاكر الكتبي، و"نفح الطيب" للمقّري" و "الذخيرة" لابن بسام. وكان الدكتور عبدالله المعطاني -رحمه الله- يغري طلابه -وأنا أحدهم- بقراءة الكتابين الأخيرين لاهتماماته بأدب الأندلس.
ومن كتب التراجم في زماننا "الأعلام" لخير الدين الزِّرِكْلي، (من وزراء الملك عبدالعزيز) ويعدّ معجمه هذا تاج كتب التراجم قاطبة، ومن أنفعها، ومن أكثرها انضباطا في المنهج، وله ذيول وتتمات فيها من التراجم أكثر مما فيه، مع أنها لا تترجم إلا لمن جاؤوا بعد وفاة الزركلي، أي بعد عام 1396هـ/ 1976م إلى اليوم.
وأما كتب السير الذاتية، فأكثر من كتب التراجم في زماننا خاصّة، وكثير ممن جاوز الستين من أصحاب الشأن والأثر كتب شيئًا من سيرته أو حدّث نفسه بالكتابة على الأقل، ومما قرأته من سير المعاصرين: "سوانح الذكريات" لحمد الجسر، فعرفت طرفًا من سيرة هذا العالم المدقق المحقق الفريد، وقرأت "ذكريات" علي الطنطاوي، وهي ذكريات موسوعية جاحظية ماتعة، في ثمانية مجلدات.
وقرأت "سقيفة الصفا" وهي سيرة روائية صغيرة للكاتب السعودي حمزة بوقري، فتركت في نفسي أثرًا، لأنّي قرأتها في وقت مبكّر من حياتي، ثم فقدت نسختي، وكانت عليها تعليقات ساذجة. ثم قرأت "حياتي مع الجوع والحبّ والحرب" للكاتب السعودي عزيز ضياء، وهي سيرة لطيفة جديرة بالقراءة، تحكي طرفًا من تاريخ المدينة المنورة. وقرأت "رحلة الثلاثين عامًا" لزاهر بن عوّاض الألمعي، وهي تحكي سيرة رجل عصاميّ نادر، وقرأت الكثير من السير السعودية والعربية والعالمية، ومن أواخر ما قرأت: سيرة حمزة بن قبلان المزيني الحربي "واستقرّ بها النوى"، وفيها طرف من تاريخ التعليم في المدينة المنورة قبل سبعين سنة.
ومما قرأته: "غربة الراعي" لإحسان عباس، وهي سيرة باردة، وقرأت "غُبار السنين" لعمر فرّوخ، وهي باردة أيضًا، ولم تعجبني، وقرأت "ذاكرة الجسد" للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، ولا أدري كيف أصفها! وقرأت "بيضة النعامة" لرؤوف مسعد، وهي سيرة متفسّخة، تشبه "الخبز الحافي" و"الشطّار" للروائي المغربي المتفسّخ محمد شكري. وأنا لا أرى بأسًا في قراءة الأدب المتفسّخ، فهي مرآة لحياة رجال صار لهم شأن في عالم الأدب، ونحن لا نعيش في مجتمع ملائكي.
وقرأت "حدائق الملك" لفاطمة أوفقير، وهي زوجة الجنرال المغربي الشهير محمد أوفقير، وأمّ الكاتبة مليكة أوفقير التي كتبت "السجينة"، وهما (أي حدائق الملك والسجينة) من أدب السجون والمعاناة، وفيهما شيء من تاريخ المغرب، وأجود منهما "تازممارت" لمحمد المرزوقي، وهي من روائع أدب السجون، وقريب منها "تذكرة ذهاب وعودة إلى الجحيم" لمحمد الرايس.
وأنا لا أخفي إعجابي بكتابات الروائيين المغاربة، فهم قادرون على السرد الماتع على الرغم من بؤس الأحداث التي يعرضونها. وأما "تلك العَتَمة الباهرة" للمغربي الطاهر بن جلّون، فقرأت صفحات منها ولم أستطع إكمالها، وهي تتحدّث عن معتقل تازممارت، والفرق بينها وبين رواية محمد المرزوقي كالفرق بين السماء والأرض.
توفِّيَ منذ يومين أستاذ الجيولوجيا الدكتور زغلول النجار - رحمه الله- الذي كان أحد أعضاء ما عُرِف، واشتهر بـ(بهيئة الاعجاز العلمي في القرآن الكريم)، تلك المدرسة التي أُنشئت بغية الدفاع عن الوحي، وإظهار أسراره. غير أنَّها قامت ـ في أصل تصوِّرها المنهجي ـ على مقاربةٍ خلطت بين القطعي والمتحول، وبين اللسان القرآني المقاصدي، والجوانب والنظريات العلمية المتغيرة بطبيعتها، فكان أن أمضى الراحل، ورفاقه؛ شطرًا من أعمارهم، في محاولة ربط الوحي المقدس؛ بنظريات قابلة للنقض في أية لحظة؛ مع أنَّ القرآن الكريم في ذاته؛ نصٌّ قطعي الثبوت، مُحكَم الدلالة، مقصوده الإرشاد والهداية، وبناء التصوُّر الايماني، و مكارم الأخلاق، في حين أنَّ العلم الطبيعي، لا يملك قولًا فصلًا في الحقائق النهائية، وإنما هو منظومة نماذج متبدِّلة كلما تبدَّلت المعطيات، وتطورت أدوات الرصد والتحقيق، وبذلك وقع الراحل ورفاقه، ومثلهم معهم، في الخلل المنهجي؛ حين حمَّلوا المطلق الثابت؛ نتائج المتغيِّر النسبي، واستبان لهم من الآيات الكريمة- بحسب فهمهم- دلالات لم تضعها الآيات في مقاصدها، ولم يجعلها العرب في لسانهم. ثم لاح لهم تطابقٌ ظنِّي بين آيةٍ في القرآن الكريم، ونتيجة تجريبية متغيِّرة، فجعلوا ذلك دليلاً على صدق الوحي..!!. بينما يُدرك صدق الوحي من ذاته وآياته وبيانه، ونوره وهدايته، وليس من مطابقته لما قد تنقضه ورقة بحثية، أو اكتشاف يأتي بعد مدة قصيرة أو طويلة. ويزداد الخلل حين يُستعار خطاب الفيزياء أو الكونيات، أو البيولوجيا، وغيرها من أنواع العلوم، ليُنزَّل على الفضاء البياني للآيات الكريمة؛ فيتحول خطاب الهداية، إلى خطاب تقني ضيق..!. لأنَّ القرآن الكريم ليس كتاب علوم تجريبية، بل كتاب هداية للتي هي أقوم، وكتاب تزكية وأخلاق، وصناعة ضمير، وتهذيب قلب، واستقامة سلوك. وإشاراته الكونية؛ إشارات مقاصدية مفتوحة المنحى، وغايتها الحث على التفكُّر والتدبُّر، وتوسيع الشعور بآيات الربوبية، وليس إنتاج نظرية في فيزياء الجسيمات، أو علم الأكوان. ولو ميَّزنا بين (الحقائق الوجودية)، و(النموذج العلمي التجريبي)، لسقطت أغلب صور التعسُّف، في توجيه الآيات ومضامينها، إلى غير مرادها وغاياتها.
ولو أدركنا وسلَّمنا بأنَّ العلم أداة بحث، وأنَّ الوحي رسالة وسبيل هداية؛ لأرحنا من محاولة إثبات أنَّ في القرآن الكريم، مايمكن أن يُبدَّل أو يتغير غدًا.
وليت أصحاب مدرسة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ وجهوا جهودهم إلى أبواب الأخلاق والتزكية، وصناعة الإنسان المستخلف، وترقية الحس القيمي، لأنَّ ذلك ميدان لا ينقضه تغيُّر النماذج، ولا تبدُّل الفيزياء، وهو باب الإعجاز الحقيقي، المعنيُّ ببناء وعي الإنسان بهدي القرآن، ليجعله في موضع الرفعة والاستقامة والفاعلية، وليس أن يعلِّق يقينه على آخر صياغة لتفسيرٍ علمي لم يستقر بعد. والقصد من ذلك كله: أن نحفظ مقام الوحي المقدس؛ من تحميله ما لا يحتمل، وأن نستأنف البناء على ما هو أصلب وأرسخ، وأقرب لمقاصد القرآن الكريم الخالدة.
اختيار المرء قطعة من عقله وعلمه وذوقه، وذلك مما يتفاوت الناس فيه ويختلفون.
وقد تعجب إن علمت أن أعلى قصائد المتنبي عند المتنبي وصاحبه فيلسوف العربية ابن جنّي قصيدة مغمورة هي آخر ما أنشده المتنبي بحضرة سيف الدولة سنة 345، ومطلعها:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندمُ
ماذا يزيدك في إقدامك القسمُ
ولوّح في آخرها بالفراق بقوله:
لا تطلبنّ كريمًا بعد رؤيته
إن الكرام بأسخاهم يدًا خُتِموا
ولا تبالِ بشعرٍ بعد شاعره
قد أُفسِد القولُ حتى أُحمِدَ الصَّممُ
يقول ابن جنّي: قلت لأبي الطيّب: ليس في جميع شعرك أعلى كلامًا من هذه القصيدة، فاعترف بذلك، وقال: كانت وداعًا !
والمشهور المقدّم عند الناس قصيدته الأخرى الذائعة التي أنشدها قبل ذلك في مجلس سيف الدولة سنة 341، ومطلعها:
وا حرّ قلباه ممن قلبه شبمُ
ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ
وهي على رويّ القصيدة الأولى وبحرها.
كتب الله لغازي القصيبي القبول في الأرض، ومحبة الناس، من جميع الفئات والمذاهب والمشارب، وكتب له النجاح والشهرة؛ بوصفه وزيرًا وسفيرًا أحيانًا، وبوصفه أديبًا: شاعرًا وروائيًا وكاتب مقالة: مثقفًا مستنيرًا دائمًا؛ لأنه كان صادقًا. بدأ صادقًا، وظلَّ صادقًا، وانتهى صادقًا مسلِّمًا وراضيًا مرضيًا، وهو في ذروة المجد في جميع الصنائع التي اختارها، أو اختارته، أو أُختير لها. وأظن الصدق من أهم مقومات شخصية غازي القصيبي، التي يمكن أن نجدها، وأثرها في جميع ما كانه، وما صنعه. وبسبب ذلك، أضحى القصيبي سيرة خالدة، لاتزال تستعاد وتروى فصولها. سيرة صنعت له شُهرة ومثابة عظيمة، في نفوس من سمعوا به، ومن قرأوا له، ومن صاحبوه. وفي نفوس من سمعوا عنه، ممَّن قرأ له، أو صاحبه.
فالشهرة التي تصنعها المؤثرات؛ تنطفئ بانطفائها، ولكن الشهرة التي يفرضها صدق الرجل مع نفسه، ومع فكرته، ومع وطنه، هي الأثر الذي يبقى ويدوم بعد أن تخفت كل الأضواء. ويبقى من الرجل أثرُهُ فقط. ولذلك فإن حبَّ الناس للقصيبي، لم يكن ثمرةَ حملةٍ إعلامية، ولا نتيجة ترويجٍ رسمي، وإنما كان صدى لأثرٍ صادقٍ سكن العقول، واستقر في الوجدان، قبل أن يستقر حوله الضجيج والصخب. ورغم كل محاولات خصومه همزه ولمزه، واستثارة الجماهير ضده، واستعداء الناس عليه، إلا أنه ظلَّ صادقًا كما بدأ. لم يَخَفِ الجدال، ولم يهرب من السجال، ولم يتوارَ خلف مناصبه ليحتمي بظل السلطة، بل واجه الجميع بما يملك: صدق الحجة، ونقاء الضمير، واستقامة القصد. وكان منهجه في محاورتهم؛ ينمُّ عن ثقةٍ بالنفس، لم تستمد قوتها من الكرسي، ولا من الجاه، وإنما استمدتها من صفاء الفكرة، واطمئنان القلب. حين كان يَعرض رأيه كما هو، بلا زخرفة تُضلِّل، ولا خطابة تُثير، وكان يقف أمام خصومه؛ موقف المثقف الذي يبحث عن الحقيقة، وليس موقف الخصم الذي يبحث عن غلبة، حين رأوا فيه خصمًا، ونظر إليهم بوصفهم (إخوة) يختلفون عنه بالمنطلقات والأفكار والمقاصد.
وقد يكون هذا هو سرُّ القبول الأعظم: أنَّ الرجل إذا اتسقت سريرته مع علانيته، صار لكلمته وزن، ولمواقفه أثر. فالحب لا يناله المتلوِّن، وإن حاز الإعجاب، ولا يحوزه المتحاذق، وإنما يناله الصادق صاحب المبدأ.
ومن هنا جاء تفرُّد القصيبي: الذي جمع بين منصب الدولة، وقلم الأديب، ولم يسمح لأحدهما أن يلتهم الآخر، فبقي المسؤول فيه إنسانًا، وبقي المثقف فيه مواطنًا، قبل أن يكون منظِّرًا، أو صانع أفكار. ولذلك ظلَّ اسمه بعد رحيله خالدًا دالاً على معنى: معنى أن تكون صادقًا في البدايات، وصادقًا في النهايات، وأن يكون أثرُ حياتك، أصدق من خطاب تأبين، وأرفع من دنية شامت، وأنبل من ذريعة متزلِّف.
سيرة #غازي_القصيبي؛ جديرة بأن تروى وتدرَّس، وأن تُستعاد في كل حين.