بعض الرجال يسجلون الأهداف وبعضهم يمنح من حوله الشجاعة ليؤمنوا بأن الأهداف ستأتي.
هكذا بدا محمد صلاح في ليلة أستراليا.
لم يكن في كامل جاهزيته البدنية فآثار الإصابة في العضلة الخلفية كانت حاضرة وكل خطوة كانت تحمل امتحانا جديدا للجسد ومع ذلك اختار أن يكون هناك. لم يطلب من الألم أن يرحل وإنما أقنعه أن ينتظر حتى تنتهي مهمة الوطن. القائد الحقيقي لا تعيقه السرعة التي يركض بها وإنما القدرة على أن يجعل أحد عشر قلبا ينبض بإيقاع واحد.
طوال المباراة كان صلاح ينسج الخيوط التي لم يرها كثيرون. صنع خمس فرص محققة وهو أعلى رقم لأي لاعب في دور الـ32 من كأس العالم 2026. كل لمسة كانت تحمل فكرة وكل تمريرة كانت تفتح بابا نحو الحلم حتى بلغ رصيده ست عشرة فرصة صنعها في البطولة ليشارك صدارة أكثر اللاعبين صناعة للفرص.
ثم جاءت اللحظة التي يخشاها الجميع ركلات الترجيح. سار نحو الكرة بهدوء رجل يعرف أن الخوف ينتقل من العين قبل القدم. لم يبحث عن القوة واختار الجرأة. رفع الكرة برقة فوق الحارس وكأنها تعرف طريقها منذ اللحظة الأولى. ركلة الترجيح كانت رسالة إلى زملائه: امضوا فالإيمان لا يرتجف.
سجلت مصر أربع ركلات وكسرت عقدة صاحبتها سنوات طويلة وحققت أول انتصار لها بركلات الترجيح في تاريخ كأس العالم لتبلغ دور الستة عشر للمرة الأولى.
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية اختارت الدموع أن تتحدث نيابة عنه. لم تكن دموع لاعب فاز بمباراة وإنما دموع طفل حمل حلم مصر فوق كتفيه سنوات طويلة ثم رأى ذلك الحلم أخيرا يمشي على قدميه.
ربما لن يذكر التاريخ كل تمريرة صنعها محمد صلاح في تلك الليلة لكنه سيذكر أن قائدا لعب وهو يقاوم إصابته وأن حضوره منح منتخبا بأكمله طمأنينة الرجال الذين يؤمنون بأن الطريق مهما طال ينتهي دائما عند الضوء.
وفي بعض الليالي تكفي دمعة صادقة في عيني قائد لتروي حكاية وطن بأكمله.