الدكتور الغذّامي يمنح "صكّ غفران" للتفاهة الثقافيّة!
ما أخطر أن تتحوّل الفلسفة النقدية إلى مظلةٍ تبرر الرداءة، وأن يصبح التسامح مع التفاهة عنوانًا للحكمة، ورفضُ التمييز بين الجميل والركيك موقفًا تقدّميًّا!
ذلك ما نكاد نلمسه اليوم في بعض أطروحات ما يُعرف بالنقد الثقافي التي رفعت شعار "العدالة الرمزيّة"، فألغت معايير التفوّق الجمالي والفكري باسم "الذوق الجمعي"، حتى صارت الرداءة تجد في هذا الخطاب صكًّا لغفرانها، وملجأً يبرّر وجودها.
أولًا: في معنى التفاهة وضرورتها المفهوميّة
لم يكن مصطلح "التفاهة" بدعًا من القول ولا حكمًا أخلاقيًّا اعتباطيًّا، بل توصيفًا معرفيًّا لمستوى الانحدار في القيمة والغاية، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: "سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلّم في أمر العامّة".
وفي هذا النصّ إقرارٌ بوجود التفاهة كحالةٍ اجتماعية، وبأنّ لها جمهورًا ومريدين يُضفون عليها شرعيةً زائفة.
فالتافه - من المنظور الثقافي - ليس من لا يملك رأيًا، إنما من يملك المنصّة بلا علمٍ ويملؤها بلا قيمة. ومن هنا يصبح التسامح مع التفاهة خيانةً للمعرفة نفسها؛ لأنّه يُلغي معيار الكفاءة ويُكرّس صوت الصدفة والضجيج.
ثانيًا: في خطأ المساواة الجمالية
صرّح الدكتور عبد الله الغذامي - حفظه الله - في أحد لقاءاته في الشريك الأدبي التي حضرتها بقوله:
"أنا أتحفظ على كلمة تفاهة، لأني لا أرى أن الذي يُفعل ما دام وجد جمهورًا تنسحب عليه الكلمة، فمعناه أنه وجد شيئًا ما تعلق به الناس، فهي مسألة أذواق، لا مسألة طبقات معرفيّة".
وأضاف: "والشيء الجيد إن وجد فإنه يشفع للرديء الباقي".
وقوله: "ولا يمكن أصلاً تحديد مفهوم التفاهة، فهو حكمٌ مطلق على ما لا يتّسق مع ذائقتي، بينما المفهوم الأدقّ هو الرديء لا التافه".
وهذا القول - على عمقه الجدلي - يقوم على منطقٍ نسبيّ يساوي بين القيمة والذوق ويُذيب المعايير النقدية في بحر الرغبة الجماهيرية.
لكن العلوم - في أصلها - لم تُبنَ على التسوية، بل على التمييز والفرز. فلو سلمنا بأن كل ما له جمهور غيرُ تافه لكانت أكثرُ الظواهر الجماهيرية سطحًا أرفعها شأنًا، ولما بقي معنى لـ"النخبة" أو "التميّز" أو "الجودة" نفسها.
ثالثًا: العدالة الرمزيّة أم العدالة المعرفيّة؟
لقد نشأ ما يُسمى بـ"العدالة الرمزية" في سياقات النقد الثقافي لتمنح كل خطابٍ حقَّه في الوجود داخل الحيّز الرمزي للثقافة، دون نظرٍ إلى قيمته أو وزنه المعرفي. وهي في أصلها محاولةٌ لتوسيع دائرة التمثيل الاجتماعي، لكنها حين تُنزع من موضعها الفلسفي وتُطبَّق على الأدب والفكر، تتحوّل إلى أداةٍ تُسوي بين المختلفين في القيمة بحجّة المساواة في الصوت.
إنّ الخلط بين العدالة الرمزية والعدالة المعرفية هو ما جعل بعض الخطابات تُبرر التفاهة بدعوى أنّها تعبّر عن فئةٍ من المجتمع، وكأن التعبير عن الواقع يُعفي من شرط الجودة. فالعدالة الرمزية تُعنى بالتمثيل، أمّا العدالة المعرفية فتُعنى بالتمييز، ومن خلط بينهما ضيّع المعيار الجمالي الذي به قِوامُ الأدب.
رابعًا: الذوق ورأس المال الثقافي
ومن منظور علم الاجتماع الثقافي، كما يرى بيير بورديو في كتابه التمييز، أن الذوق ليس حكمًا طبيعيًّا بريئًا، بل حصيلة "رأس مالٍ ثقافيّ" يتكوّن عبر التربية والموقع الاجتماعي. وحين يُختزل الحكمُ الذوقي إلى اختيارٍ شخصيّ يُمحى التمييزُ بين ما يُنمّي الوعي وما يُرضي الغرائز، فتسود السطحية باسم الحرية.
وعليه، فإنّ القول إنّ "الأمر مسألة أذواق" يحتاج دائمًا إلى سؤالٍ أعمق: من الذي صاغ هذا الذوق؟ وبأيّ سلطةٍ جماليّةٍ أو إعلاميةٍ فُرض؟
خامسًا: "النقد الثقافي"… حين يبرّر لا يُفسّر
لعلّ هذا التسامح الذي يراه بعض الاتجاهات الحداثية فضيلةً هو إحدى جرائر ما يُسمّى بالنقد الثقافي الذي أراد أن يخلّص الدراسات الأدبية من مركزية النصّ إلى تحليل الخطاب والسلطة والمعنى، لكنه - في التطبيق العربي - تحوّل من منهج تفسيرٍ إلى ذريعة تبرير.
فبدل أن يفكّك الخطاب المهيمن على الذوق الجماهيري، صار يُشرعن له، ويمنح التفاهة شرعية وجودها بدعوى أنّها "ابن السياق الاجتماعي" أو "رمز توازنٍ ثقافي".
لكنّ هذا التوازن المزعوم لا يعني إلا موت الحسّ النقدي وتعويم المعايير حتى لا يبقى شيء يُسمّى "الأدب الرفيع" أصلًا.
سادسًا: شهادة "آلان دونو" في زمن التافهين
لقد نبّه المفكر آلان دونو في كتابه نظام التفاهة إلى هذا الخطر حين قال:
"لقد تغيّر الزمن، زمنُ الحقّ والقيم، ذلك أنّ التافهين أمسكوا بكلّ شيء، بكلّ تفاهتهم وفسادهم؛ فعند غياب القيم والمبادئ الراقية، يطفو الفساد المبرمج ذوقًا وأخلاقًا وقيمًا؛ إنّه زمن الصعاليك الهابط".
وأضاف: "كلّما تعمّق الإنسان في الإسفاف والابتذال والهبوط، ازداد جماهيريةً وشهرةً".
وهذا القول يُبيّن كيف تحوّلت أدوات الاتصال الحديثة إلى معامل لصناعة الرموز الزائفة، تمنح الشهرة دون استحقاق، وتُسكت الناقد بتهمة "التحامل على الذوق العام".
سابعًا: الفرق بين الحريّة والتفاهة
إنّ الحريّة الثقافية لا تعني إلغاء المعيار، كما أنّ النقد النزيه لا يعني احتقار الجمهور، فالتفاهة ليست ذوقًا، بل مرضُ الذوق.
وإذا قبلنا بمنطق المساواة الجمالية المطلق سقطنا في "الديمقراطية المعرفية الزائفة" التي تقتل الوعي باسم التسامح وتجعل من النخبوية جريمة ومن السطحية فضيلة.
إنّ كلّ علمٍ - من الفقه إلى الفيزياء - يقوم على التراتب المعرفي، فكيف نُنكر هذا التراتب في الأدب، وهو أشدّ الفنون حاجةً إلى التمييز بين الجمال والابتذال؟
فالتسامح مع التفاهة ليس فضيلة، إنما تهاونٌ في حراسة القيم الجمالية، ونقضٌ لمبدأ التحسين والتقبيح الذي هو أساس كلّ حضارة فكرية.
ثامنًا: نحو استعادة المعيار
لقد تقدّمت الأمم حين احترمت الاختصاص، وتأخّرت حين ساوت بين الخبير والدخيل.
وليس في قولنا "هذا تافه" تعدٍّ على حريّته، لكنه دفاع عن حق المجتمع في الذوق السليم والمعرفة الصافية. فالتاريخ الأدبي لم ينهض بالتسامح مع الرديء، بل بالصراع معه: من نقائض جرير والفرزدق إلى معارك العقاد وطه حسين، كان الصراع هو الذي صفّى الذهب من التراب.
خاتمة: حين يعتذر العلم للجهل
إنّ ما يراه بعضهم "تسامحًا" مع التفاهة ليس إلا تهاونًا في حراسة العقل وتخلّيًا عن دور النقد بوصفه سلطة الوعي. فالأدب الذي يساوي بين "المفكّر" و"المؤثّر" يشيّع جنازة نفسه دون أن يدري.
وليس من الترف أن نحرس الذائقة؛ لأنّ الذائقة آخرُ ما يبقى حين يسقط كلُّ معيار.
#الشريك_الأدبي
https://t.co/q9HKz4PEe0
لَمْ أَكُنْ مُسْتَعْجِلًا في مشيتي
أَتَحَرَّى كنت في السَّيْرِ الوَنَى
سَائِرًا نَحْوَ الَّذِي أَجْهَلُهُ
أتبع الوَهْمَ وأَطْوِي مُدُنًا
شاء مَنْ رَبَّيْتُ في أَوْرِدَتِي
أَنْ يُرَبِّي في فُؤَادِي شَجَنًا
والذي لم أنتبه يومًا لهُ
صارَ لي حينَ اغترابي وَطَنًا
كنت قد أَسْرَفْتُ في فَهْمِ الوَرَى
وانتهى بي لَسْتُ أَدْرِي مَنْ أَنَا
وغدًا أَمْضِي كأني لم أكن
وَيَقُولُ الناس قد كان هُنَا
هذا لِأَنَّكَ
قد أضَعْتَ البوصلة
هذا لأَنَّكَ قد ولدت مهرولاً
ستظلُ تركضُ
لن تكفَّ الهرولة
هذا لأنك
لاتكف عن (اللماذا)
أتعبتك الأسئلة
لازيت يقدر
أن يُعيد الضوء
أويُحْيي
مصابيح السنين المطفأة
لاشيء من هذا
يبث الروح
في جسدٍ يشيخ مطارداً..
شَبَح امراة
أفهمت عقم المسألة؟
@Sardyiat_Saudia حتى الآن لم اقرأ الرواية ولعل هذه المساحة تعطينا الحماس لقرائتها، الأستاذ إبراهيم كاشف للمجتمع السعودي من خلال اعماله بعيدا عن الأخر ،، وتستحق أعماله فعلا مزيد من الدارسة .
يتقدم #نادي_أبها_الأدبي بخالص العزاء والمواساة إلى الأدباء والمثقفين في المملكة وفي الوطن العربي وإلى أسرة رئيس نادي أبها الأدبي الأسبق الأديب الأستاذ #محمد_زايد_الألمعي الذي وافاه الأجل ليلة البارحة في أحد مستشفيات القاهرة تقبله الله برحمته وغفرانه.. إنا لله وإنا إليه راجعون
لم يكن لدى أمي الوقت الكافي للتوقف من أجل التقاط صورة ، كانت على الدوام مشغولة بتوزيع قلبها على العائلة، منهمكةً بإظهارنا سعداء ومرتبين أمام الكاميرا.
الصورة الوحيدة التي تم التقاطها لها كانت إشاعةً مقطعية لصدرها ، بدا قلبها لقطة واضحة وخالدة ، لقطة تُلخص ستين عاماً أُهدِرت علينا من قلبها!
إلى أين يا صاحبي ننتهي
وهذا الضياع بنا يكبرُ
ومن سوف يسمع أصواتنا
ومنّا النداءات تستغفرُ
يُشق لنا البحرُ في كل حين
وموسى ينادي.. ولا نعبرُ
نفرُّ من الغد للذكرياتِ
صغارا هناك ولا نكبرُ
نعيش على وجعِ الأغنياتِ
يكبلهنا حزنُها الأخضرُ
من السطر لا نستطيع النهوضَ
ويلعننا الوهمُ والدفترُ
على هامشِ العيش خضنا الحروبَ
فمن بعضنا دائما نثأرُ
وموسى ينادي بنا وعصاهُ
ونحن برغبتنا نُسحرُ
رفعنا شعاراتنا "سنعودُ"
لتسخرَ من جهلنا خيبرُ
رَحَلَ عن دُنيانا إلى جوارِ اللهِ تعالى الشيخ #موسى_بن_عبدالله_آل_مضواح الرجلُ المشهودُ له بالتقوى، والنزاهةِ، والصلاح. والمعروفُ بالبرِّ، والصِّلَةِ، والكرمِ، والإحسانِ إلى الناس.. عرفتُهُ عن قربٍ لأنَّهُ صديقٌ حميمٌ لأبي؛ ما لَقِيَهُ إلا كانَ مبتهجًا، ولا ذَكَرَهَ أو ذُكِرَ عنده إلا تَهَلَّلَ، وحَمِدَ له خصالاً كريمةً؛ منها: الصبرُ على المكارِه، والبِرُّ بالأقاربِ، وتحري الصدقَ في القولِ، والوفاءُ بالكلمةِ، والسعي بين الناسِ بالإصلاح.. ولهذا فقد كان يحظى بالاحترامِ والحُبِّ معًا؛ وما أقلَّ مَن يَجمَعُ في شخصِهِ بين حُبِّ الناسِ واحترامِهم..
اللهم تقبله في الصالحين، وارفع درجته في عليين، واجمعه بأحبابه مع الشهداء والصديقين..