"أتعلمين، يا صوفيا، ما هو أكثر ما يُرعبني في هذه الحياة؟ ليس المرض، ولا الوحدة، ولا حتى الموت نفسه... بل فكرة أن يمرّ العمر كله دون أن أشعر للحظة واحدة أنني كنتُ حيًا حقًا. أن أستيقظ يومًا وأجد أنني لم أضحك من القلب، لم أحب بجنون، لم أصرخ من الألم، لم أبكِ بحرقة... أن يكون كل ما عشته مجرد سلسلة من الأيام المتشابهة، حيث لا شيء يُدهش، ولا شيء يُوجِع، ولا شيء يَبعث الحياة في العروق. أليس ذلك هو الموت الحقيقي؟."
- اقتباس من قصة "الراهبة"
#تشيخوف
تقول عالمة نفس من جامعة هارفارد:
"إذا لم تُحقق إنجازات كبيرة بحلول سن الخامسة والعشرين، فقد تكون قد نجوت من أحد أخطر أوهام الشباب."
في عام 2021، صدمت عالمة نفس من هارفارد قاعةً مليئة بالطلاب بتصريح غير متوقع:
"إن لم تحقق الكثير عند سن 25، فربما تكون قد أفلتَّ من أكبر أوهام هذه المرحلة."
في البداية، عمّ الضحك القاعة.
لكنها كانت جادة تمامًا.
وهم النجاح المبكر
في أوائل العشرينات، يبحث العقل بشغف عن إثبات سريع للقيمة: مكانة اجتماعية، إعجاب الآخرين، وإنجازات سريعة.
لكن يحذر علماء النفس من أن السعي المبكر وراء الاعتراف قد يقيّد الإنسان في مسارات لم يخترها بوعي.
قرارات مبكرة…
ثم سنوات طويلة لمحاولة تصحيحها.
مرحلة الاستكشاف
تشير الدراسات إلى أن من يمنحون أنفسهم مساحة للاستكشاف قبل الثلاثين، غالبًا ما يبنون مسارات أكثر ثباتًا وعمقًا
يجربون.
يخطئون أمام الجميع.
يغيرون اتجاههم دون خوف.
في سن 25 يبدو الأمر كضياع…
لكن عند 35، يتحول غالبًا إلى وضوح.
أولئك الذين يشعرون بأنهم "متأخرون" في منتصف العشرينات، غالبًا ما يكتسبون ما يفتقده غيرهم:
رؤية أعمق.
صبرًا أطول.
وفهمًا صادقًا للأمور المهمة حقًا.
وهذا ما يصنع لاحقًا قرارات أكثر نضجًا.
وفي ختام المحاضرة، تركت الحضور بجملة واحدة:
"ليس مطلوبًا منك أن تفهم الحياة في سن الخامسة والعشرين."
"بل أن تكتشف نفسك وقدراتك ."
أحمد زكي يَصِفُ موته!
عندما أعدت بعد موته قراءة ما كنت قد نشرته من حوارات صحفية معه أثناء حياته، أذهلتني قدرته على التنبؤ بما سينتهي إليه حتى وإن اختلفت التفاصيل، لكنني الآن وبعد مضي كل هذه السنين على رحيله أدرك أنه لم يكن يتنبأ أبدا، بل كان يمشي في طريق رسمه لنفسه وكان راضيا به ومقتنعا وليس لديه أي شك في أنه الطريق الأمثل.
قال عبقري فن التمثيل في مصر أحمد زكي في حوار أجريته معه عام 1998 أثناء تصوير فيلم (أرض الخوف) ونشرته في مجلة (صباح الخير): "أنا حاسس إني ممكن يحصل لي زي ما حصل لأساتذة عظام لنا من الممثلين العباقرة اللى ماتوا فى قصر العينى فى سراير العلاج المجاني والمدعوم.. وهم مش سايبين لولادهم حاجة ..أنا ما عنديش مانع يحصل لي ده. وعارف إن في ناس كتير يمكن ما بيعجبهاش كلامي ده ويقولون على إنى بتاع كلام .. هم أحرار .. أنا أخترت حياتي وراضي بيها .. فخور إني لا عندي شاليه في مش عارف مين ولا فيللا فى مش عارفين فين.. كل اللى حيلتي شقة وممكن لا سمح الله ترسى على لوكاندة سويس كوتاج تاني أرجع فيها زي ما دخلتها أول ما نزلت مصر.. بس ده مش المهم المهم إن عندى حاجة وأربعين فيلم وحاجة وأربعين شخصية غير اللى ربنا يقدرنى وأعملهم ودول عندى كفاية".
تحدثنا يومها عن قراره الغاضب الذي اتخذه وقتها بأن ينتج كل أفلامه القادمة بنفسه بعد أن خذله المنتجون في أكثر من تجربة وافق عليها بناء على تفاصيل إنتاجية معينة ثم بعد أن دخل الفيلم وجد أن هذه التفاصيل لم تكن موجودة مما أغضبه كثيرا وجعله يعيش فترات عصيبة على المستوى النفسي، وسألته يومها سؤالا تحذيريا عن مدى إدراكه للمصيبة التي سيدخل عليها والتي أدت إلى إفلاس البعض من الفنانين الذين خاضوا هذه التجربة، فقال: "شوف أنا عارف.. أنا لا أفهم فى الفلوس والإنتاج وجميع أصدقائى يعرفون ذلك، دخلى معروف ولست متفرع القنوات، لا أعمل فى المسرح ولا التليفزيون ولا الإذاعة، ولا أعمل حساب للفلوس، أساسا تكوينى كده، أنت عارف فيه فنانين بيموتوا في مستشفى القصر العيني ويقولوا عليهم: يا عيني، مسكين كسب كتير ومات وماحيلتوش حاجة، أنا من النوع ده، لكني قررت مع سبق الإصرار والترصد أن أنتج أفلامي من أجل الحفاظ على ما تبقى لي من عمر، أنا ليس عندي فكرة عن الإنتاج لكن أخذت هذا القرار لأنه ما حدش قادر يحافظ لي على هذا الممثل ، وللأسف فيه شيزوفرينيا عند بعض الناس، يشوفوك وأنت عمال تكبر وتنحت فى الصخر ودور يوصل لدور لغاية ما تقف على أرض صلبة وبعدين مايرحموكش. وينزلوا عليك هجوم، وأنا بانتج عشان ما أخليش للي زي دول حجة".
سألته مشاكسا: "هل من دوافع هذا القرار أن تضمن لنفسك كنجم السيطرة الكاملة على الفيلم، زي ماناس تانية بتعمل؟"، رد بحماس: "أنا باعمل ده مش علشان أتدخل فى الفيلم، علشان أوفر المناخ الجيد للفيلم، للأسف ماحدش بياخد رأيى فى حاجات كتيرة منها مثلاً توقيت عرض الفيلم.. مش عايز أتكلم عن فيلم معين، لكن لست مستعداً لأن أكرر ما حدث اختلاف فى تنفيذه عند التصور الذى قبلته على أساسه.. ودائما أنا اللى فى وش المدفع، أنا لما آخذ هذا القرار مش عايز أكسب، حتى لو خسرت سأستدين وأرهن مكتبي وبيتي، وأنا أعلن لك هذا القرار لأول مرة، بعد فيلمي (أرض الخوف) الذي قاربت من الانتهاء من تصويره من يريدنى إما يشاركني فى إنتاج الفيلم بالنصف وإما أنا اللى أنتج أفلامي".
أخذت أستفزه وكنت أعشق ذلك لكي أخرج كل ما لديه: "لكنى من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا أسمع أنك ستنتج ولا يحدث شئ مما تعلن عنه؟"، كظم غيظه وحاول أن يكون دبلوماسيا لكنه لم يستطع ووقف منتفضا وقال بحماس:" ليه بتقول كده.. يا أخي تعال شوف مكتبي وستجد أنني اشتريت سيناريوهات كتيرة وماخلصتش، الناس اللى بتتهمنى لازم تعرف أن عندي أكثر من 5 أفلام، كل واحد منها اتكتب 3و4 مرات واتغير عليه أكتر من مخرج، وكل دول اتكلفوا مصاريف". قلت له: "يعني العملية جد المرة دى مش شوية إنفعال وهيروحوا لحالهم؟"، لم يفقد انفعاله وقال: "صدقني يا كده يا بلاش وأسيب الجمل بما حمل، أنا سأنتج ليس حباً فى الإنتاج، ولكن حفاظاً على النص الذي يمتعني. تخيل قعدت مرة مع موزع عربي قعد يقول في قصائد شعر ويحكى لي عن حب أولاده لي، لما سألته طيب ليه بتاخد فيلمي بـ 4 قروش مع أنك تعلم أنه يستحق7 قروش، قال لي كلامك صحيح لكن دي تجارة. أنا اللى محيرني وأقوله لنفسي: الناس اللى بتعرف قيمتك ماحدش بيدافع عنك ليه. شوف بصراحة أنا قررت آخد هذا القرار لأني عايز أستمتع أكثر منك بالفيلم، حتى لو ماحدش دخل الفيلم هابقى مبسوط، وأنا متأكد أننى لو أستمتعت بما امثله الناس ستستمتع، والدليل أننى دائما فى أفلامى الملاحظات التى أقولها لصناع الفيلم أجد الناس يرددونها. أنا عندي شيزوفرينيا، ولعلمك أنا مشاهد سخيف على نفسي، جوايا أحمد زكي الإنسان بيقطّع أحمد زكي الممثل، أنا ساعات أبص لنفسي فى المراية واقول مالك يا ابني اتضربت على قلبك ليه. ما أنت كنت كويس يا أخى. صدقنى عندما أستمتع أنا سيستمتع بتاع قهوة بعرة وبتاع قهوة التحرير وبالعكس أنا هابقى أرحم على نفسي منهم".
رحم الله أحمد زكي. الفاتحة أمانة والنبي.
...
الشروق، 31 مارس 2013
#كتبت_في_مثل_هذا_اليوم