❝
فإنَّ اللّٰهَ تعالى لم يُعَلّم الناسَ ليكونوا عالمين دونَ أنْ يكونوا عاملين، بل علّمَهم ليعملوا.
وَبَيّنَ لهم ليتقوا. ولِخَوفِ الوقوعِ في المضارِّ، والتورّطِ في المهالك، طَلَبَ الناسُ التَّبَيُّنَ. ولِحُبِّ السلامة من الهلَكة والرغبة في المنفعة احتملوا ثِقلَ التّعلم، وتعجّلوا مكروهَ المعاناة. ولِقلَّة العاملين وكثرة الواصفين، قال الأولون: العارفونَ أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين.
وإنّما كَثُرت الصفاتُ وقلّت الموصوفات، لأنّ ثوابَ العمل مؤجل، واحتمالَ ما فيه معجل.
الجاحظ
مفهوم الأصالة عند بعض الناس مشوّه.
عبارات مثل «كن أنت» و «تقبّل طبيعتك» عندما تُفهم بطريقة مبسّطة أو مريحة تُحدث التباسًا بين الاختلافات الشخصية المشروعة والعيوب والأنماط المؤذية للآخرين والمدمّرة للذات.
الأصالة تعني أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه ومدركًا لنقاط قوته وضعفه وألا يتصنع شخصية لا تشبهه. لكنها لا تعني أن يعتبر كل سلوك أو عادة أو نمط مؤذٍ جزءًا من هويته لا يستلزم مراجعته، ويتوقّع من الناس أن يتقبّلوه دون نقد أو مساءلة.
الأصيل الناضج يقول: نعم، هذه الصفات موجودة فيّ بسبب تاريخي، بسبب نشأتي أو تجاربي، لكنها مسؤوليتي الآن.
وقد لا يدرك الإنسان ذلك إلا بعد أن يخسر كل شيء.
❝
ذُكرت متنزهات الدنيا بين يدى ابن دريد فقال: هذه متنزهات العيون، فأين أنتم من متنزهات القلوب؟ قالوا : وما هي؟ قال: كتب الجاحظ، وأشعار المحدثين، ونوادر أبي العيناء.
أدب الجاحظ، حسن السندوبي.
❝
"الأدب يقضي عليك !
ينزل بك أثقل خلق الله فتلقاه بـ أهلاً وسهلاً، وما عندك له أهلٌ، ولا مكانٌ سهلٌ.
ويودعك فتقول: آنستنا، والعود أحمد، وأنت تتمنى أن تعاودك الحمى ولا يعود."
أحمد زكي، ساعات السحر _بتصرف يسير_
في زمن المحتوى السريع والتلقّي العَجول، يصنع الأستاذ حمود الصاهود استثناءً ثقافيًّا فريدًا ورفيعًا. فهذا الرجل لا يكتفي بسردٍ التاريخ ورواية التّراث، ولا بحفظ الشعر وإلقائه بجمالٍ وسلامةٍ من اللحن؛ بل يُعيد إحياء تجلّيات الأخلاق العربيّة العالية: المروءة والكرم والشجاعة والصداقة والجِيرة والعفّة والإباء، ويرفعُ من شأن الحكمة والحِلم، دون أن ينسى جماليّات الحُبّ وإنسانيّته. وهو ينتقي منظومة محتواه بعنايةٍ تكشف سعة اطّلاعه وتنوّع مشاربه، وتدلّ في الوقت نفسه على شهامته وسموّ رسالته.
وممّا جعل أثره حاضرًا في التلقّي، ومُتّسعًا على نحوٍ مستمر، دماثةُ خُلُقه الواضحة؛ فمنذ أن بدأ حضوره في منصّات التواصل قبل سنوات، لم يُعرف عنه صدامٌ ولا مشادّة، ولم تصدر عنه عبارةٌ تنال من أحد، كما لم تصدر منه جملةٌ تعكس تحيّزًا أو عصبيّة. وغالبًا ما تبدو عليه سمات الخجل والحياء حين يمازحه الآخرون، وأنعم بها من صفة؛ فالحياء من تيجان الرجولة. بل إنّ دماثته تلك قد اتّسعت حتى لتلك الشخصيات الوضيعة في التّراث؛ فلا يصفها في سرده بما يُشنّع عليها، وإنما يكتفي في تصويرها، أو تصوير دناءتها، بقولٍ لطيفٍ مقتصد، يوظّف الاستعارة والمجاز ليبلغ غاية المعنى بأدبٍ ورهافة.
تجربة الصاهود مُلهمة وفارقة عما سواها، واستثنائيّة في زمنها وفي منصّاتها؛ فقد اتّسمت بالعمق والجودة والرِفعة، واستطاعت أن تُنشئ جسرًا حيًّا وأنيقًا للتلقّي بين جيل اليوم؛ جيل الحياة السائلة السريعة، وبين تراثهم العربيّ العظيم، في متقدّمه ومتأخّره، وفي أدبه وشعره وفرائده وأخباره.
لم أشرُف بلقاء الأستاذ حمود الصاهود بعد، وليس بينا اتصال للأسف، لكنّني بحقّ أُحبّ هذا البدويّ الأشمّ، أحترمه للغاية، وأعتني بمتابعة جديده، ويُشعرني حضوره بالفخر والحبور.
فلهذا الأثر الجميل كلّ الإجلال.
وللأستاذ @huomod6 من التحيّة ما يليق بقيمته ومقامه.