أنصح إخواني في فلسطين وغزة خاصة وإن كان مثلي ليس أهلا لهذا في حقهم لكن قد يتكلم المفضول بين يدي الفاضل.
فأشير على أهل العلم والفضل أن يتدارسوا مع عامة الناس آيات سورة آل عمران التي نزلت بعد غزوة أحد.
فإن ما حصل في غزوة أحد كان من المصائب الجسام التي حدثت في سيرة النبي ﷺ، ولذلك نزل القرآن معالجا لنفوس الصحابة بعدها.
ووجه الإشارة بتلك الآيات خاصة؛ لمناسبتها الواقع، ومشابهتها الحال، والقرآن إنما نزل ليهتدى به، وتلتمس مواقعه في الواقع.
ومن الوارد بعد وقوع المصائب الكبيرة أن يحصل التلاوم والتعاتب في أسباب ما حصل، ولهذا نزل القرآن في مصيبة أحد معالجا للنفوس والقلوب، متجاوزا للواقع المادي، والقدر الكوني.
والمصائب الكبرى التي يقدر الله تعالى وقوعها على عباده لحكم يعلمها وتقصر كثير من العقول عن فهمها؛ لا يصح أن تعامل بمقتضى الحسابات المادية المبنية على الربح والخسارة؛ فإن أقدار الله تعالى يجري في كونها خير عظيم وإن كان في حصولها شر معلوم.
الحاصل أن العلاج القرآني من أحوج ما تحتاجه النفوس المصابة، والظن بأهل الثغور لاسيما في غزة = تَوَطُّن نفوسهم على استقبال قدر الله، وتوفر أفهامهم على إدراك المقاصد والحكم، وهم أهل القرآن الذين عرفوا به في أشد أحوالهم، ولا نزكيهم على الله.
والله تعالى ضرب للصحابة مثلا بالأنبياء الذين حصلت لهم كبرى المصائب كالقتل والجراحة والنفي، ليعلموا بذلك أن ما أصابهم قد أصاب من هو خير منهم عند الله، وأن سلوك جادة الأنبياء محفوف بالمصابات والبلاء.
قاعدة جليلة في التفسير:
"والتأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم".
".. وهذا تأويلٌ وإن كان له مخرج ووجه؛ فإنه خلاف الظاهر المفهوم بنفس الخطاب،.. وإنما هو استخراج.
وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر بالخطاب دون الخفي الباطن منه، حتى تأتي دلالة من الوجه الذى يجب التسليم له، بمعنى خلاف دليله الظاهر المتعارف في أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن- أولى".
هذه قاعدة كررها الطبري رحمه الله في تفسيره مرارا بعبارات متقاربة، وهي أصل في بيان معاني القرآن وترك التكلف في التفسير.
وهذه القاعدة تدل على ضعف كثير من صور التفسير الإشاري -وغيرها- الخارجة عن نظم القرآن وأسلوبه.
ما زال بلاء أهل غزة كبيرا عظيما، ولعل كثيرا من الناس قد اعتاد ما يحصل، فغفل عن الواجبات والفروض تجاه نصرتهم وغوثهم.
هذا، مع أن ما يحصل لهم عظيم عند الله تعالى، فإن سفك دماء المؤمنين واستضعافهم في دينهم، وتخويفهم وتجويعهم؛ هو من أسباب غضب الله تعالى، ومن موجبات إيقاع العذاب والنكال.
ذلك لئلا يظن المتواطئ أو المتخاذل -وهو قادر- أنه بمنجى من سنن الله تعالى وآياته ووعيده، وأنه لن يحيق به بطش العزيز الجبار.
وليكون ذلك موعظة لعموم المؤمنين فيستذكروا مصائب إخوانهم ويقوموا بحقهم، ويعلموا أن ليس من مانع أن يقع بهم من البلاء كما وقع عليهم، فلله تعالى في تصاريفه حكم، وله في مقاديره ألطاف، نسأل الله تعالى لعباده اللطف والرحمة.
رحم الله الأخ الفاضل مازن العقل، وأحسن وفادته، وعظّم أجره، وجعل ما أصابه من المرض والبلاء الشديد كفارة لذنوبه، ورفعة لدرجاته ووسيلة إلى عفو الله ومغفرته ومرضاته.
وأحسن عزاء ذويه الكرام، وجبر مصابهم، وأخلف عليهم في مصيبتهم خيرا.
https://t.co/O8fuSSJHAe
نص الفقهاء على استحباب الأضحية، وقالوا: لا يستحب لمن قدر عليها أن يتركها.
وذلك لما فيها من إظهار الشعيرة، والاستجابة لله تعالى بإراقة الدماء.
وهل الأفضل في الأضحية، تعددها؟ أم استسمانها والمغالاة في ثمنها؟
ذكر ابن رجب في قواعده الكلام في ذلك فقال: "إذا تقابل عملان: أحدهما ذو شرف في نفسه ورفعة وهو واحد، والآخر ذو تعدد في نفسه وكثرة، فأيهما يرجح؟
ظاهر كلام أحمد: ترجيح الكثرة".
والمسألة فيها ثلاثة أوجه في المذهب:
الأول: أن الأفضل هو التعدد، فذبح اثنتين أفضل من ذبح واحدة سمينة، وهذا الذي نص عليه الإمام أحمد، قال الكوسج في مسائله: "قلت: بدنتان سمينتان بتسعة وبدنة بعشرة؟
قال: ثنتان أعجب إلي".
ويستدل لهذا الوجه بأدلة، منها:
١- أن فيه كثرة إراقة للدماء، وهي مقصودة في هذا اليوم، كما جاء في حديث أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ سئل: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج.
والعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة الدماء.
وهذا الحديث معلول، إذ هو من رواية ابن المنكدر عن عبدالرحمن بن يربوع.
وابن المنكدر لم يسمع من عبدالرحمن، نص على ذلك البخاري والترمذي.
ومما يقوي هذا الدليل، أن تعدد الأضحية فيه مشابهة للحجيج يوم النحر، ومعلوم أن النحر من أظهر أوصاف الحجيج، ولهذا سمى الله تعالى يوم النحر: يوم الحج الأكبر.
٢- قياسه على العتق لكون الشارع يتشوف إليه، فكذا يقال في النحر، لظهور القربة فيهما، فيكون الأفضل كثرة ما ينحر كما أن الأفضل كثرة الإعتاق.
الوجه الثاني: أن السمن وغلاء الثمن أفضل، وهو وجه في المذهب وهو قول الشافعي وأصحابه، وهو الذي اختاره ابن تيمية.
ويستدل له بأمور:
١- قول النبي ﷺ لما سئل: أي الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها".
وهذا وإن كان المراد به عتق الرقاب، لكن يتوجه القول به في رقاب الأضاحي.
ولا ريب أن طيب الذبيحة وسمنها مطلوب في الأضحية.
٢- ما ورد عند أبي داود وأحمد من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه قال: أهدى عمر بن الخطاب بختيا فأعطي بها ثلاث مئة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أَهديتُ بختيا، فأعطيت بها ثلاث مئة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: "لا، انحرها إياها".
قال أبو داود عقبه: هذا لأنه كان أشعرها.
فأمْرُ النبي ﷺ بذبح البُختي، وعدم إبدال عمر له ببدن مع تعددها، يدل على أن غلاء الثمن أفضل.
وهذا الحديث معلول، إذ هو من رواية جهم بن الجارود عن سالم بن عبدالله بن عمر.
قال البخاري في تاريخه: ولا يعرف لجهم سماع من سالم.
وقد يقال أيضا: إن المنع هنا لكونه عيّن الهدي فلم يجز إبداله لتعلق حق الله تعالى به.
٣- أن السمين أفضل لكون لحمه أطيب وأكثر، وكثرة اللحم مطلوب في الأضحية، ذكره الشافعي وأصحابه.
وذكر الشافعي أن بعض المفسرين حمل قوله تعالى: " ذلك ومن يعظم شعائر الله"، على أن ذلك استسمان الهدي واستحسانه.
٤-أن الغلاء أشق على المتصدق، فهو أفضل وأعظم أجرا، ذكره الشافعي فقال: "والعقل مضطر إلى أن يعلم أن كل ما تقرب به إلى الله عز وجل -إذا كان جائزا- كلما عظمت رزيّته على المتقرّب به إلى الله تبارك وتعالى= كان أعظم لأجره".
فيظهر من هذا: أن القاعدة عند الشافعي وأصحابه هي التفريق بين العتق والأضحية، فاستحبوا العدد في العتق لأن فك الرقبة مطلوب، أما الأضحية فاستحبوا السمين والغالي.
ولما ذكر ابن حجر الكلام في ذلك عقّب فقال: "والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص:
= فرب شخص واحد إذا عتق انتفع بالعتق، وانتُفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عدد منه.
و رُب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم.
فالضابط: أن ما كان أكثر نفعا= كان أفضل، سواء قل أو كثر".
الوجه الثالث: أنهما سواء.
ولما ذكر المرداوي الأوجه في المسألة قال: "الصواب الأفضل الأنفع للفقراء".
والله تعالى أعلم، وأسأله تعالى أن يجعل أعمالنا متقبلة، وأخطائنا مغفورة مستورة، والحمد لله رب العالمين.
المسجد الحرام الذي هو بيت الله تعالى وموضع الخضوع له؛ يجب على من ارتاده تعظيمه وإجلاله وتوقيره، وقد جاء الوعيد على من أراد فيه الانحراف والميل، أو أراد ترويع أهله وإخافة عمّاره.
ومنه يستفاد وجوب صونه عن سفاسف الأمور ومحقرات الأفعال، مثل ما يفعله بعض الزوار والحجاج من كثرة التصوير فيه، والكلام أثناء الطواف في غير شأن العبادة.
وكل ذلك مما لا ينبغي؛ لعظم حرمة البيت عند الله تعالى، ولما في ذلك من تهوين لمهابة البيت في القلوب.
وقد تنازع العلماء في صحة الصلاة فوق سطح الكعبة، ومن دلائل النهي عن ذلك ما ذكره الكاساني فقال: "وأما فوق بيت الله تعالى فمعنى النهي عندنا أن الإنسان منهي عن الصعود على سطح الكعبة لما فيه من ترك التعظيم".
فإذا كان ذلك في مثل الصلاة التي هي عمود الدين، فغيرها من فضول المباحات أولى بالنهي في بيت الله، وأحرى بأن يجتهد عامر البيت المحرم باجتنابه.
الحمد لله الذي أمكن من مجرم مجزرة التضامن، نسأل الله أن يقر عيون المكلومين بالانتقام منه.
وفي هذا الحادث بيان لعناية الله تعالى وكمال عدله، فإنه توعد سبحانه وتعالى الظالمين بالانتقام منهم، ووعد عباده المؤمنين بنصرهم، فقد كثر في كتاب الله مواساة الأنبياء وأتباعهم بقدرة الله تعالى على الظالمين، وكونهم تحت قهره وسلطانه، وقرب وقوع العقاب بهم.
وإن كان العذاب الأبقى والشفاء الأتم هو في نيلهم عذاب الآخرة بين يدي الملك الجبار جل جلاله.
من أبرز إشكاليات أهل العلم والفقه والفضل في زماننا؛ بُعدهم ومجانبتهم لأبواب السياسة وعلومها، ونأيهم عن فهم أحوالها وظروفها، وقصور كثير منهم في معرفة تجاذباتها وتقاطعاتها.
وقد أدى ذلك إلى قصور واضح في مواقف بعض فضلاء الفقهاء في جملة من وقائع السياسة للجهل السابق بأحوالها.
وسبب ذلك اعتقاد سائد عند كثير من الفضلاء بمجانبة السياسة وترك النظر فيها، حتى صار شعار كثير منهم: "من السياسة ترك السياسة"، هذا عن عدا عن تفرق الأمة الحاصل بتعدد الحكام، وقصور نظر الفقيه على نظر حاكمه، وجعل ذلك قاعدة أولية فيما يحكم به في الغالب من تلك الأحوال.
والحق أنه لا يمكن لطالب العلم فضلا عن العالم مجانبة شؤون السياسة، لأمور كثيرة، أهمها وأظهرها: أن كثيرا من مباحث السياسة لا تنفك عن مسائل الدين، وقد صنف الفقهاء أبوابا كبرى جلها داخل في مفهوم السياسة بالمعنى المعاصر، وذلك كالجهاد وما يتعلق به أموال وعقود، والأقضية والخصومات، والعلاقات الدولية.
بل صنف العلماء كتبا خاصة عالجت أخص أبواب السياسة، وهو النظر في تولية السلطان، وطرق حصول الولاية، وحقوق السلطان وواجباته، حيث جعلوا من أولى واجباته إقامة شعار الدين وشعائره الظاهرة.
وهذا كله من أساس السياسة، ولم يكن العلماء قديما يجتنبون الكلام فيها، بل كان كثير منهم عالما بها، عارفا بأحوالها، إن لم يكن مباشرا لها.
ولا شك أن هذا من آثار انفصال القرآن عن السلطان؛ بيد أنه كبر في العقود الأخيرة، حتى صار المتناول للأوضاع السياسية ينبز بأنواع من التصنيفات.
ولقد جر ذلك كله= أن ظهر في الفقهاء من لا يفقه في شؤون السياسة شيئا، حتى سمعنا الجهل الفاضح، وربما تكلم الفقيه فأبدى عنه من قصور كبير في ذلك، ولا ريب أن من نتائجه المريرة: سوء الموازنات، واختلال نظام النظر.
وليس المطلوب هو ملاحقة تفاصيل الأخبار وتتبع شوارد التحليلات، بل أن يكون الفقيه على دراية جيدة يعرف بها مقصود الشارع في أي نازلة سياسية، فيصيبه قولا أو عملا.
ولذلك على العالِم أو الفقيه المتصدر لشؤون الناس أن ينظر فيما لا يسع جهله من علوم السياسة، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فيأمن بذلك الوقوع في محادة مقصود الشارع في الوقائع المتجددة.
إغلاق المسجد الأقصى ليس أعظم من سفك دماء أهله وذويه من أهل القدس وغزة وما جاورها.
بيد أنه شاهد جديد على إيغال اليهود في علوهم وبغيهم وطغيانهم، كما يؤكد على جبنهم وغلبة المسكنة عليهم.
وهذه الشواهد وغيرها، تدل على مكانة أخذ أسباب القوة، وضرورة الاحتراس بوجوه الاستعداد، وكون الجهاد في سبيل الله من أولى الفرائض وأعظمها.
وأن المسلمين أحوج ما يكونون إليه، إذ لم يضرب هذا الهوان إلا بترك كل ذلك، فإن الضعيف يغري غيره به، وهذه كما أنها قاعدة إنسانية تفهم بالفطرة، فقد غدتْ اليوم قاعدة سياسية لا يستحي الأقوياء من ذكرها ولا يخجلون من الإذاعة بها.
وهذه الحوادث تدل وتؤكد، أن المسلم قد يصلح حاله منفردا ببعض شعب الإسلام، لكن المسلمين لا يصلح حالهم بغير الأخذ بالإسلام كله، كما قال تعالى: "ادخلوا في السلم كافة"، وأن صلاح المؤمن بذاته، وعبادته لنفسه، لا تمنع عنه الهوان، ولا تعصمه من غلبة الأعداء.
فقد جرت هذه الأحوال لتذكر المسلمين بحقيقة حالهم، وحقيقة عدوهم، وأن ينظروا في أخرة أيامهم إلى أي حال وصل الأمر بعموم الأمة؟
وقد جاء في الحديث المرفوع عن الصادق المصدوق ﷺ أنه قال: "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا".
التدافع بين الناس -الذي يدفع الله به الفساد- لا يتحقق إلا بفعل إنساني، لأن الخلق هم آلة تحقيق القدر.
فلما أن قدر الله تعالى وقوع هذا التدافع، إلا أنه لابد له من عمل، ككل أقدار الله تعالى، ومن ظن اندفاع المجرمين والمفسدين في الأرض بغير عمل؛ كان كمن أراد الزرع من غير حرث وبذر، وأراد الذرية بغير نكاح.
وأعظم صور الفعل الإنساني لتحقيق هذا القدر الرباني: الجهاد في سبيل الله، ولهذا ذكر الله تعالى القتال في سياق آيات التدافع في القرآن، فقال: "فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ".
وقال: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ* ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ".
وعلى هذا، فإن دفع الظلم والصغار عن الأمة لا يتحقق بغير فعلها المتضمن ردع عدوان الظالم، وكف بغيه، وهل يكون ذلك إلا بالجهاد؟
من دلائل أهمية الهداية في سورة الفاتحة: أن الله تعالى ذكر -بعد ذكر الهداية للصراط- أصناف المنحرفين عنه، وهم من عاند الحق، أو ضل عنه لتفريطه.
والمقصود بهم في قول جماعة من السلف -وروي مرفوعا- اليهود والنصارى.
والتنبيه لمجانبة سبيلهم في غاية المناسبة، لأنهم كانوا أهل كتاب وعلم، فدل ذلك على أن العلم بمجرده لا يهدي للحق، فقد كان الحق والبينات بين يدي هؤلاء ولم يتبعوا سبيلها.
فلهذا يعرف أن الهداية محض منة من الله تعالى، فاستوجب أن يدعو المؤمن بها كل يوم، وأن يأتي أسبابها من الأعمال والأفعال الصالحة.
انقطاع النبي في العشر بالاعتكاف، مع كونه يدير دولة الإسلام ويفتي الأنام، والأمة كلها تحتاج إليه دليل على أنه ينبغي أن تؤجل لهذه العشر المصالح.
🖌️ الشيخ عبدالعزيز #الطريفي#رمضان#العشر_الاواخر
من مقاصد الفاتحة الكبرى: طلب الهداية، ولنيل هذا الغرض العظيم؛ توسل العبد لربه بأنواع التوسلات، فبدأ بالحمد، ثم بالثناء ثم بالتمجيد، ثم أعقب ذلك بإظهار غاية الافتقار في قوله: "إياك نعبد.."= ليتوصل بذلك إلى مقصوده في قوله: "اهدنا".
وبهذا يظهر فضل الهداية وعظمتها.
علق الحمد في الفاتحة بلفظ الجلالة (الله)، وهو من أعظم أسماء الله، بل قيل إنه الاسم الأعظم، وتعليق الحمد به فيه تنويه بشرف هذا الاسم وتعلق العبد به ثناء وطلبا.
لست آسى على مهلك المجرمين الذين لهم في تاريخ أمتنا يد خاطئة، ومواقف منكرة.
لكن ليس الفقه معرفة الشر وحده، إذ كان أولئك الهلكى من أهل الشر؛ بل الفقه معرفة شر الشرين.
ولا ريب أن شر الشرين هو ألا يرى اليهود بعد ذلك لهم مدافعا، فيزدادوا إجراما فوق ما هم عليه، ويستطير شرهم وفسادهم في الأرض، ويستبيحوا المستباح وما لم يستبح بعد في سبيل القضاء على "المحور السني الناشئ" كما يقول كبار مجرميهم.
إن إدراك المؤمن لحقيقة العداوات ومراتبها في ميزان الشرع وميزان العقل؛ يقيه الخطأ، ويدله على إصابة الحق.
فجعل الشيعة هم العدو الأساس للأمة تصغير للأمة وتحقير لواقعها وتاريخها؛ فالشيعة لم يكونوا يوما إلا من جملة رعايا المسلمين، فضلا عن كونهم مكافئين لها، أو من جملة أعدائها.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعدها أبدا والروم ذات القرون أصحاب بحر وصخر كلما ذهب قرن خلف قرن مكانه، هيهات إلى آخر الدهر هم أصحابكم ما كان في العيش خير".
وهو وإن كان خبرا مرسلا لكن يعضده الواقع ويصدقه التاريخ.
وهذا الأمر ذاته يصدق على اليهود، إذ ليسوا مكافئين للمسلمين، ولا هم معهم في وزان واحد، ولا يذكر في التاريخ بعد قتال النبي ﷺ لهم = علو وغلبة إلا في هذا العصر، وما كان ذلك ليكون لولا حبل الصليبية المسيحية الممتد لهم، فهم كما قال الله تعالى: "ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡل مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡل مِّنَ ٱلنَّاسِ".
فالمقصود أن العاقل يوازن بين الشرور، ولا يحمله هلاك عدو له أن ينقطع عن النظر الصحيح في موازين الأمور.
ربما ذاق بعض الناس اليوم -مع ضرب #إيران- شيئا يسيرا مما ذاقه أهل #غزة وسوريا من هلع وخوف، نسأل الله السلامة للجميع.
فكيف بمن عاش سنين عددا تحت البراميل المتفجرة، وفي ظلال الصواريخ والقذائف الذكية؟
والتحف مع ذلك السماء الماطرة والأرض الموحلة؟ وعاش أهوال النزوح والتهجير التي كأنها أهوال يوم القيامة لكثرة الفواجع والآلام.
اللهم أبدل خوف أهلنا أمنا، والشدة دعة ورخاء.