عندما يموت فن الكاريكاتير !!
عن الزميل الفنان الكبير عبدالوهاب العوض�� أتحدث…
توقفت طويلًا أمام تغريدته الوداعية، التي أعلن فيها انتهاء رحلته مع جريدة «القبس»، بعد 27 عامًا
وقبلها سنوات طويلة
في الوطن ،
قائلاً:
«ضمن سياسة جريدة القبس دمج الصحيفة الورقية بالإلكترونية، ارتأت القبس الاستغناء عن خدماتي في مجال الكاريكاتير مع مجموعة أخرى من الزملاء بعد خدمة 27 عامًا فيها.. متمنيًا للقبس كل التوفيق والنجاح».
قرأت التغريدة أكثر من مرة.
لم أتوقف عند قرار الاستغناء عن فنان قضى ربع قرن وأكثر وهو يرسم للقراء، بقدر ما توقفت عند السؤال الأكبر:
ماذا يحدث عندما تستغني الصحيفة عن الكاريكاتير؟
الكاريكاتير لم يكن يومًا رسمةً في زاوية من زوايا الصحيفة.
كان رئةً ثالثة للصحيفة، تتنفس من خلالها عندما تختنق الكلمات،
وعندما تعجز الصحيفة
عن أن تقول ما تريد،
أو لا تستطيع أن تكتب .
كان الكاريكاتير يقول
ما لا يُقال،
ويكتب ما لا يُكتب،
ويضع الإص��ع على الجرح دون أن يحتاج إلى مقال طويل.
وفي تاريخ الصحافة الكويتية، كان رسام الكاريكاتير جزءًا من صناعة الصحيفة، وشريكًا في صناعة الوعي، وأحيانًا كان الرسم الواحد أقوى من افتتاحية كاملة.
كان القارئ يبحث عن الخبر، ويقرأ المقال، ثم يذهب إلى الكاريكاتير…
لأنه يعرف أن هناك حقيقة أخرى تنتظره هناك.
حقيقة قد تكون ساخرة، موجعة، جريئة، لكنها في النهاية تقول شيئًا.
والكاريكاتير الجيد
لا يضحكك بالضرورة…
قد يجعلك تضحك
لكي لا تبكي.
عبدالوهاب العوضي ليس مجرد رسام أمضى سنوات طويلة في القبس والوطن .
هو واحد من جيلٍ كان يؤمن بأن الصحافة ليست أخبارًا فقط، وأن الصفحة ليست ورقًا فقط، وأن الرسم يمكن أن يكون موقفًا، وأن الخطوط والأشكال تستطيع أحيانًا أن تقول ما تعجز عنه الكلمات.
ولهذا فإن وداع العوضي
لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبرًا وظيفيًا عابرًا.
إنه جرس إنذار لصحافة تتغير.
صحافة تنتقل من الورق
إلى الشاشة،
ومن الصفحة إلى المنصة، ومن الرسم الذي ينتظره القارئ صباحًا إلى المحتوى الذي يمر أمامه في ثوانٍ.
لكن السؤال الذي يجب
ألا ننساه:
هل التطور التقني يعني أن ��تخلى عن فنون الصحافة؟
إذا مات الكاريكاتير في الصحيفة، فلن تموت الرسمة…
لكن الذي قد يموت هو ذلك الصوت الساخر الذي كان يقول الحقيقة دون خطبة، وينتقد دون مقال،
ويختصر زمنًا كاملًا
في مربع صغير.
عبدالوهاب العوضي…
بعد 27 عامًا، لم يغادر «القبس» وحده.
ربما غادر معه شيء من زمن الصحافة الجميل.
زمن كان فيه للكاريكاتير مكان…
وللفنان موقف…
وللقارئ موعد يومي مع الحقيقة، مرسومةً بالحبر، ومكتوبةً بالابتسامة.
رحم الله الكاريكاتير
إن مات…
ورحم الله صحافةً لا تعرف قيمة رئتها إلا بعد أن تفقدها !!
#مبارك_الشعلان
#شارع_الصحافة