نجوبُ في آفاقه ما بين تدبّر ومقالة ،رجاء أن يُبلغَ الله ثمرته في النفوس
فيُثبّت قائمًا ، ويُقوّم مِعوّجًا ،ويجلُو ظلمة ، وينيرُ بصيرة (وما توفيقي إلا بالله)
[إما مَجدٌ وإما وارتهان]
أقبلت الإجازة والعُرف الجاري أنها موضع الراحة والدَعة ، والتخفف مما أثقل الكاهل طوال العام
-ولا بأس بشئ من ذلك- ونستأنس بقوله ﷺ:( ساعة وساعة )
ولنستحضِر أن الوحي لم يتعامل مع أوقات الفراغ كساحةٍ متروكةٍ لفعل قد يجلب للإنسان البوار والغبن في الدنيا أو الآخرة ؛ بل كان التوجيه لأوقات الفراغ على أنها مَغنم نفيس ، وفرصة في طياتها العطايا والمنح
فهذا قوله تعالى : (فإِذا فَرَغتَ فانصَب )
وقولهﷺ:( اغتنم خمسًا قبل خمس : … وفراغك قبل شغلك)
فإن كنت مرهونًا بعملك لحاجة تريد الوصول إليها ؛ فأنت سيّد زمام فراغك ؛ فإما أن تصنع به مجدَك وإما أن تبقى مرهونًا بلهوك وملذاتك
لذلك ( اغتنم ) ؛ فهذا الوقت هو عمرك ، وفرصة تعويض ما لم تبلغه -لانشغالك- ، وهو محطّة التزوّد لمستقبلك في الدنيا والآخرة ، فاستثمره بما يسرّك أن تصل إليه اليوم من مكانة ، ويسرّك رؤيته إذا فُتحت خزائن الأعمال يوم القيامة
لا تُضيّع نفسَك ، لا تُضيّع وقتَك ، واغتنم
[أيأنس المحب بعد طرده؟]
تلاحظك العناية ؛ فتهنأ بها عمرًا وتعرج بها مكانًا رفيعًا ، ثم تلتفت غافلًا فتقترف ؛ فتهوي بهذه الالتفاتةِ دركات ، إذ أن غفلة العارف ليس كغفلةِ الجاهل
وخطأ المحبوب ليس كخطأِ المبغوض
فتستثقل ما كنت تفعله بانشراح ويُسر
وتُحجب عنك أبوابًا كنت تأنس برَوحِها ونسيمها
والناظر إليك يظن -بظاهرك- أنك في نعيم ، وأنك المستريح من فعل تلك الأعمال -الشاقة في نظره-
ولكن قلبك يتقلب على شفا جمر ؛ لِما لقي من تيه البعد عن ربه ، ووَجدِه من مرارة الخذلان
فهنا أستعير:
"ظنّ الخَلِيُّ بأن البُعدَ يُؤنِسني
فكيف يؤنسني طَردي وإبعادي؟"
وليس ثمة خَلاص إلا الانطراح بين يدي الله تذللًا وافتقارًا ، لعل العناية التي لاحظتك في أول أمرك تعود عليك ، وكان الذي بينهما تأديب وتهذيب ؛ لأنك لستَ كغيرك في خطأك
-وتذكر : أن وقع أخطاء مَن نحب أشد علينا من وقع أخطاء مَن لا نعبأ بهم-
فاستبصر حقيقة مقامك عند ربك ، واعمل بما يحفظه
وإنما أنت صاحب الشأن ، والله الغني الحميد
[الوصية في دياجير الشبهات]
الشبهات كالليل ؛ لا يستبين فيها الصديق من العدو إلا بالنور ؛ وإن لم تكن عينك على النور ستتعثر من كثرةِ الأصوات
فالحَقُّ أبلَج ، وقوة اتباعك مرتبطة بمكان رؤيتك للنور وإبلاجه ؛ فلا تقف خلف المرجفين الذين يطاولون بأباطيلهم الحق ليدحضوه ، بل قِف وانظر حيث لا تشويش ولا حُجب لئلا تَضِل
[الزبدُ الجارف أيهدم الحق الراسخ؟ ]
مَن يشكك في الأصول والمعتقدات فإنه ينفخ في قربة مشقوقة ؛ تنتفخ القربة لوهلة من جَلَبة القول وانتشار صداه ، ثم ما يلبث أن يتسرب هباءً ، وأما الجهود والأموال المبذولة :(فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)
ويبقى الحق أبلجًا راسخًا لا يحجبه زبد التشكيك ولا يُزيله ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)
وإن دين الله حقٌ ظاهر ؛ فإن التبس عليك شئ فالزَم غرزَ الكتاب والسنة وألقِ بسمعك للعلماء الراسخين ولا تأخذ دينك من كل ناعق -ممن هبَّ ودَبَّ- لئلا تلقي بإيمانك إلى التهلكة
[الزبدُ الجارف أيهدم الحق الراسخ؟ ]
مَن يشكك في الأصول والمعتقدات فإنه ينفخ في قربة مشقوقة ؛ تنتفخ القربة لوهلة من جَلَبة القول وانتشار صداه ، ثم ما يلبث أن يتسرب هباءً ، وأما الجهود والأموال المبذولة :(فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)
ويبقى الحق أبلجًا راسخًا لا يحجبه زبد التشكيك ولا يُزيله ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)
وإن دين الله حقٌ ظاهر ؛ فإن التبس عليك شئ فالزَم غرزَ الكتاب والسنة وألقِ بسمعك للعلماء الراسخين ولا تأخذ دينك من كل ناعق -ممن هبَّ ودَبَّ- لئلا تلقي بإيمانك إلى التهلكة
[ تمحيص اليقين قبل إجزال العطاء]
قد يتوالى عليك المنع مرةً بعد مرة
كلما ابتغيت شيئًا أُخِّر عنك ومُنعت منه
وكلما اتخذت الأسباب إذا بالأبواب تُغلق في وجهك
فاعلم أنه لم يُقدّر ذلك ليحوطك اليأس
بل هنا موضع اختبار اليقين الذي يأتي بعده كل ما تريد، وتذكر:( عَسَى اللهُ أن يَأتِيَني بِهِم جَمِيعًا )
لم ييأس بالرغم من غياب يوسف لعشرات السنين وتبِعَه غياب أخوَيه أيضًا ؛ فلم يزده ذلك إلا يقينًا بقدرة الله وحسن الظن به ، وأنه (العليم) بأحوال عبده (الحكيم) في أقداره ؛ فإذا به يجتمع بهم جميعًا كما كان ظنه بربه
( فما ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِين ) حين تكون الوقائع أمام عينك على غير ما تحب ، ما ظنك بربك؟
واعلم أن المنع لم يكن عقوبة -إلا بوجود موجبها- ، بل المنع تمحيص ؛ يزيح عن قلبك كل العلائق إلا منه سبحانه
من الناس مَن يرى الإجازة فرصة للراحة
ومنهم مَن يراها مَغنمًا لاستثمار الممكن عما قصُرت عنه همته فيما مضى
وما بين قاعد وسائر ؛ منازل عالية لا يصل إليها المعجبون بزهرة الدنيا ، المكتفون بالسير العام مع الناس
وما بين تهاون وهمة ، علومٌ فُهِمت وإنجازاتٌ حُقِّقت ومآثرٌ خُلِّدت ؛ أدركها مَن أمعن ببصيرته في حقائق الأمور وعواقبها
"وعند الصباح يُحمَدُ القوم السُّرى"
[حصن قلب المؤمن من وطأة الابتلاء]
يؤيد الله عباده بالوعود الخاصة ؛ لتطمئن قلوبهم إذا ما تعرضوا للابتلاء
فهذا يوسف أيّدَه الله برؤيا في صغره لتكون له دليلًا ويقينًا أن عاقبة أمره الخير والتمكين ، فيثبُت بها -معتمدًا على الله- أمام أقداره المتبدِّلة
وأولئك الصحابة بفتوحاتهم العظيمة ؛ قد بُشّروا أنهم سيبلغون بالإسلام فاتحين ظاهرين بدين الله على الممالكِ الثلاث : فارس والروم واليمن
ومتى كان هذا الوعد والتبشير ؟ في الوقت الذي خندقوا فيه على أنفسهم لئلا يصل العدو إليهم !
تتمحض عناية الله بعباده المؤمنين ؛ فلا يتركهم وسط ابتلائهم متحيرين متخبطين ، يؤيدهم لئلا يأخذ الابتلاء قدره في نفوسهم ، بل تجدهم ثابتين لم يفتك الابتلاء بإيمانهم ولا بردود أفعالهم تجاهه
هذه صورة -واحدة فقط- تبيّن عِظم شأن المؤمن عند الله ، حين يؤيده بما يُعينه ويُصبِّره على ابتلاءه قبل أن ينزل عليه الابتلاء أصلًا ؛ فكيف إذا نزل ؟
وللتأييد أنواع عديدة ؛ فلا تُحجِّر مداركَ لطفه بك في صورة واحدة ، فيصيبك الغمّ إن لم تُؤيَّد بها
وانشغل بتحقيق إيمانك ، (والله وليُّ المؤمنين )
[مابين الانسلاخ والاقتداء]
لقد انحدرت البشرية إلى الهاوية حين تخلّت عن دينها الذي ارتضاه لها ربها ، وتخلّفت هي حين وصفته بالتخلّف والرجعية ، والمتفكّر العاقل الناظر لحقائق الأمور يدرك أنه ما كان هذا الفِكر مهيمنًا -أعني : التخفف عن النهج الشرعي ؛ بدعوى الحرية- إلا عِداءً للإسلام وأهله ؛ ليفرغوا روح المسلم عن حقائق دينه ، ولينغمس في دنياهم ، وهو الذي لطالما كان سماويًا لا يستقر قلبه للدنيا ولو لبث فيها مئة سنة
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)
وأعظم خطوات الإصلاح هاهنا :
النظر التفصيلي الاستهدائي لسلف الأمة ؛ نظرة المقتدي لأسلافه وخير مَن انتهج الدين والملة
نظرة المعتز بمنهجهم ، المفتخر بسلوك سبيلهم
وفي هذا مكمَن العزة والرفعة ، ونيل خيري الدنيا والآخرة
وكفى بهذا المنظور -بعد توفيق الله وهدايته- سببًا في إقامة الدين في النفس والمجتمع والأمة جمعاء
وكفى بضد هذا المنظور سببًا في نظرة الرجعية والتخلف ، والرضا بأفكار ومنهجيات لا أصول لها في الأمة الإسلامية ، وإنما انبطح لها من رَضي الانسلاخ عن أصله
وإنه لعجب أن يأتي من أصقاع الأرض مِمَن لا دين له ولا عُرف ليقودنا وفق نهجٍ موبوء ، وبعد هذا كله لا تختلف نظرته إلينا -بأننا المُتخلّفين-
وحُقّ له أن ينظر إلينا بهذه النظرة لمّا تخلفنا عن نهج ربنا واتّبعنا نهجه -وصدقنا أن ماكنا عليه عين التخلف ؛ فسلّطانهم على أنفسنا-
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ )
( وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا )
"فلو لم تكن له معجزةٌ غير سيرته لكفى"
لا أظن أن أمة محمد ﷺ سُرَّت في هذه الأيام بشئ سرورها بهذه السلسلة [ سيرة رسول الله ﷺ ]
ولقد جعل الله لمَن يلقيها براعة وتمكنًا فيها ، وبذلك تطمئن النفوس بسيرةٍ محققة ، وبفوائد وعِبَر جمّة وافرة
وإن أهل الحديث وأهل التفسير لمِن أعظم الناس سرورًا بها ، ليأخذوا هديه العام والتفصيلي معًا ، وليزدادوا فقهًا بكتاب الله من خلال ربط الآيات بأحداث نزولها
وإنا لنسأل الله أن ينفعنا بها نفعًا عظيمًا
وأن يجزي القائمين عليها خيرَ الجزاء
والحمدلله ذو الفضل والنعماء
[سنّة إلهية .. من الاستضعاف إلى التمكين]
من استضعاف قاهر إلى خوف مقلق إلى نصر مؤزر ، والله العزيز الرحيم يقلّب الأحوال بقدرته وحكمته ؛ لتكون العاقبة للمتقين
وليست هذه الأحوال مقصورة على قوم موسى ؛ بل مَن وسّع نظره إلى ماوقع ويقع في التاريخ ، أدرك أن هذه سنة إلهية ، يُقلّب الله فيها أحوال عباده ليبلغ بهم إلى مراده جلّ وعلا :
فهؤلاء قوم موسى ﷺ (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ *وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ )
وهؤلاء صَدر أمة محمد ﷺ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ )
وهي على مرّ الأزمنة سنة متكررة
والموفق مَن استبصرها فلم ييأس مما قد يُحيط به ؛ فيخرج المسلم من هذه النصوص بالعمل الذي يؤهله بفضل الله إلى العزّة والرفعة والتمكين
وأعظم ما يوصله لذلك: الثبات على ماهو عليه بالصبر على ما يلقى ، واليقين بآيات الله ووعده بنصره للمؤمنين ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)
وهي سُنّة خاصة متعلقةٌ بالأفراد ، وكذلك هي سُنّة عامة متعلقةٌ بالمجتمعات والأُمَم
فمَن استبصر ذلك هان عليه ما يرى ويَجِد
والله العزيز الرحيم
( وذَكِّرهُم بأيّام الله )
ذكرهم يا موسى بيوم انتصارهم على فرعون وقومه رغم أن الأسباب المادية تقول : أن هلاك المؤمنين محتوم : بحر أمامهم فمَن يستطيع أن يمخر عُبابه ، وعدو ورائهم لا قِبَل لهم به عددًا وعُدّة
لكنها السُنَن الإلهية ؛ إذا أتت فلا الأسباب يُنظر إليها ولا المعايير يُعتمد عليها
(وكان حقًّا علينا ننجِ المؤمنين)
وسنة الله أن يأخذ الظالم وهو في أوجِ قوّته ، وفي استحكام هيمنته ؛ ليكون أخذه أليمًا ، ووقع ذلك في نفوس المؤمنين عزيزًا
فكان يصوم هذا اليوم موسى ومن معه شكرًا لله ؛ فلما رآى النبيُ ﷺ اليهودَ يصومونه ، قال ﷺ(نحن أحقُّ بموسى منكم ) نحن أولى بتذكّر نعمة الله على نبيه والمؤمنين معه أنِ انتصَروا على عدوّهم الطاغية
فنصوم هذا اليوم شكرًا لله بإنجائه موسى ومن معه ، مستبصرين أنها ليست حادثة فريدة بل(ذكرهم بأيّام الله ) الماضية ؛ ليُستدّل بها على الآتية ؛ لأن سُنَن الله في خلقه متكررة
( فهل ينظرون إلا سُنّت الأولين فلن تجدَ لسنّت الله تبديلًا ولن تجِدَ لسُنت الله تحويلًا )
والحمدلله ربّ العالمين ، الغالبُ على أمره
أمرُ علوّ الإسلامِ عنده ، يُجري سُنَنه في خلقه كما يشاء وفق حِكَم بالغة يعلمها هو -ولا يمنعُه عن إنفاذها جهل عباده بها-
[استبصار اللطف .. تربية للثبات ]
ألطاف الله محيطة بالعبد في أموره العامة والخاصة ، ومن رحمة الله بعبده أن يوفقه لاستشعارها وتتبعها؛ ليزداد يقينه بحسن تدبير ربه لشؤونه ، وأن الله أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين
فتتشكل قاعدة يقينية بجودِ الله الدائم على عبده ؛ حتى إذا ما داهمته نائبة من النوائب ، ورأى بعين عقله أن الأبواب غُلّقت ، فتَحت له تلك القاعدة عين بصيرته ، موقنًا أن مَن أحاطته ألطافه في أدق التفاصيل الصغيرة ؛ لن يضيعه في أموره العظيمة الحالكة
فاستبصار اللطف في الرخاء تربيةٌ لك ولإيمانك
لتكون نعم العبد الموقن الصلب في الشدة
وأعظم ما يُستشهد لذلك يقين موسى عليه السلام حين ترآى الجمعان ( قال أصحاب موسى إنّا لمدركون * قال كلا إنّ معي ربي سيهدين )
(كلا ) ؛ لأن مَن أكرمني بلطفه فأيّدني فيما مضى ، لا يضيعني الآن في الشدائد ، وسيهديني لطريق النجاة ، فجاءت الاستجابة مصدقةً ليقينه -بفاء التعقيب المباشرة على (كلا ..سيهدين)- :{فأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرقٍ كالطود العظيم }
[ميزانُ الفوز .. التخلّي المؤقت]
يجتهد الواحد منا لينال درجات الفوز في هذه الدار ، وقد يبذل لأجل ذلك كل الأسباب حتى وان كان فيها تخليًّا عما أحبه واعتاده ، والذي يصبّره على هذا التخلي : أنه مؤقت ، وسيرجع بعد فترة معينة إلى ما يحبه ويريده ، سيرجع وقد اجتمع له سروران : رجوعه لما اعتاده ، وفوزه بمطلوبه
ألا فإن الموفق مَن استشرف انتقاله إلى الدار الآخرة ، وبذل الأسباب للفوز هناك ، ومنها الامتناع عما تهواه نفسه من أجل رضا ربه
والذي يصبّره على إحجام نفسه عن هواها : أنه إلى نعيم خالد ، وكما امتنع عما يحبه لأجل ربه ، سيعطيه الله في الجنة ما يريد ؛ جزاءً وِفاقًا ( لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين)
"سلّموا له في الأولى ما يشاء ؛ فسَلّمَ لهم في الآخرة ما يشاؤون"
وكل فوز في الدنيا مآله إلى نقطة محدودة ويتلاشى ويفنى إلا ماكان مرتبطًا بالله والدار الآخرة
فحقيقة الفوز التي سندركها جميعًا هناك :
( فمَن زُحزِحَ عن النار وأُدخِل الجنة فقد فاز )
ومَن أدرك حقيقة الفوز ، أدرك تبعًا لها :
(وما الحياة الدنيا إلا متاعُ الغرور)
[ هل فُزت بالرضا ، أم آثرتَ القعود ]
هناك ولدان : أحدهما بارٌّ مُطيع والثاني عاق عاص ، فإذا نزلت بالوالدين حاجة، لم يكلفا بها إلا مَن أنِسا منه حسن القبول ، وطيب التودّد ، وإتقان العمل
ويبقى الولد الآخر ولدَهما ، يدخلُ في محبتهما العامة ، وفي دعواتهما و..و..
لكن الأول فاز بالرضا واختص بالقرب من والديه ، وآثار ذلك في الدنيا قبل الآخرة معلومةٌ مشهودة
فكذلك مَن يستخدمه ربّه في طاعته
ومَن كره انبعاثه فثبّطه فأقعده
فكان الشرفُ للأول رغم ما تحمّل من التكاليف
وكان الخزي للثاني رغم ما آثره من الدّعة
وأهل الشرف ليسوا سواءً ؛ فمنهم مكتفٍ بالتكاليف العامة فذاك هو الصالح ، ومنهم مَن تقدّم خطوة للتكاليف الخاصة فهو ذاك المُصلح
واعلم أن التكليف تشريف قبل أن يكون حِملًا
وأن القرب من الله اصطفاء لا يناله إلا المُقبلون
وفي مستهل عام ١٤٤٨ هـ
مَن منا يستطيع أن يُرجع الأيام السالفة والسنوات الماضية ليغيّر فيها شيئًا ؟
فمَن منا إذًا يستطيع أن يستدرك ويرجع إلى الله بالتوبة والعمل الصالح والالتزام على الطريق المستقيم ؛ فيُختم له بالخير ؟
الأولى محتومة بالاستحالة ، والثانية مفتوحة بالهداية
فلا تفوتنّ على نفسك الفُرَص ؛ فالأعوام تمضي ، وصفحات الأيام تطوى بما قد أودع العبد فيها ، إن كان خيرًا فسيراه وإن كان شرًا فسيراه ( ولا يظلم ربك أحدًا )
وإن الأيام تسارع بك إلى الآخرة ، فلا تنشغل عنها بأمور لا تقدم لك باعًا ولا تؤخر عنك عقوبة
وإنما جُعل مافي بواطن الأيام من الأحداث والوقائع ميدانًا للعمل ، ليرى فيها ما تصنع ؟ وكيف تعاملك مع ما يصيبك سرورًا كان أو حزنًا ، نعمةً كانت أو مصيبة ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) لنختبركم (وإلينا ترجعون ) لنحاسبكم ونجازيكم
قبل ١٤٤٨ سنة
نزل من غار حراء بعد أنِ اختير نبيًّا
فغدا يدعو سرًّا ثم علانية
والمؤمنون السابقون يلتفّون حوله واحدًا تلوَ الآخر
على خوفٍ من المشركين أن يفتنوهم عن دينهم
فأُمروا بالهجرة الأولى ثم الثانية فرارًا بدينهم
وما إن مرّت بضعةُ أعوام حتى دخل مكّةَ فاتحًا ، وكُسرت الأصنام حول الكعبة ؛ وصعَد بلالٌ يصدحُ بأذانِه ( أشهدُ أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمدًا رسول الله )
واكتملَ الدِّين ، وظهر النّور ، وتمّت حُجّة الله على خلقه ( اليوم أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ دينًا )
ثم ما غَدت عشرُ سنين بعدها حتى أصبح الآذانُ يدوّي في المشارق والمغارب
وفي مطلع كلّ عام ، يتذكر المسلم بداية بزوغِ هذا النور من غارِ حراء ؛ بأن أتمّ الله نعمته على خلقه راجيًّا في مطلعِ كلّ عام أن ينوّله رضاه مستزيدًا من الصالحات على إثر نهج نبيه صلى الله عليه وسلم
وأنت صاحب الإحسان واليد البيضاء على من حولك صغارًا كانوا أو كبارًا ؛ فاعلم أنه لابد أن يُرَد إليك إحسانك ؛ لكن ليس بالكيفية ولا في الوقت الذي تريده ، وإنما عليك استبصار لطف الله لك حين احتياجك وضعفك ، لترى كيف أن الشكور شكر إحسانك وردّه عليك في الوقت الذي كنت أحوج ما تكون إليه
فأنتَ بإحسانك تودعُ لك كنزًا لا يضيع ، تجدُه إذا نابتك النوائب ، ولكن احفظ هذا الكنز بعدم المنّ والأذى ، حتى إذا ما احتجت إليه هيأ الله لك مَن يخرجه إليك على صورةٍ لم يخطر ببالك أن إحسانك سيُردُّ بها
لا تقف ولا تلذ بباب غير باب مَن خلقك
فإن فعلت ؛ فلا تلومن إلا نفسك بالخيبات التي ستراها
ولا تلُمهم ؛ فهم ضعاف فقراء لا يملكون لأنفسهم شيئًا حتى يملكوا لك شيئًا
أنت المخطئ ابتداءً أن جعلتهم ملجأ وركنًا
( وإذا سألتَ فسألِ الله ، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله )
[تفاصيل غير معتبرة .. لكنها أعمال صالحة]
تمضي الأيام إعدادًا وسعيًا وعملًا وبذلًا ، قد يصيبك في أثناء ذلك مرض ولكنه لا يثنيك عن إكمال المسير ، يمرّ عليك ما جُعل في هذه الدنيا من كبد فما يزيدك إلا ثباتًا على ما أنت عليه لاستبصارك بمآل الأمور ، وقد تكون منهمكًا في العمل فيصيبك جوع أو ظمأ ؛ فتؤجل خواء بدنك من أجل ملء روحك
وتحتسب في كل هذا أن تراغم أعـ.ـداء الدين بثباتك على ثغور العمل للإسلام -ولو صغُرَت في عينيك-
فكلّ ما آلمك وشقّ عليك وكان ناشئًا عن فعل هو طاعة لله ؛ فإنه يكتب لك عمل صالح ، كالألمِ الحاصل للمـ.جاهد في سبيل الله ، قال الشكور ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
لا تضيع عنده هذه التفاصيل الجزئية ومشقتها عليك ؛ فكيف بالعمل الذي كانت تلك الأمور ممهدة له وأثرًا ترتّب عليها؟
فالتجارة مع الله رابحة ؛ لا يخسر فيها صاحبها شيئًا
فهل من متاجر صادق فيصدقه الله ؟