بخجل يكسر الظهر، تقف على سجادتك وأنت محمل بذنوب وأخطاء تخجل حتى من تذكرها..
تردد الفاتحة ودموعك تسبقك، بينما يجلدك الشيطان بقسوة: كيف تقف بين يدي الله وأنت بهذا التلوث؟ كيف تطلب منه المغفرة وقد نكثت عهدك معه مئات المرات؟
فيصيبك احتقار شديد لنفسك، وتكاد أن تقطع صلاتك وتهرب من شدة الخزي، ظنا منك أن الخالق يمقتك ولن ينظر إليك..
إياك أن تنسحب من سجادتك.. هذا الانكسار المدمر الذي تشعر به، وهذا الخجل الذي يذيب قلبك، هو أغلى وأصدق حالة عبودية يحبها الله.
ربك لا يبحث عن ملائكة معصومين لا يخطئون، بل يبحث عن قلبك هذا.. القلب المكسور الذي كلما غلبته بشريته ووحل الدنيا، عاد يجر أذيال خيبته ليطرق باب السماء باكيا.
ابكِ على سجادتك كما تشاء، فوالله إن أنينك وندمك الآن، أحب إلى الله من تسبيح المغرورين بأعمالهم.
- {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}.
الإنسان يتشكّل بمن يطيل مجالستهم…
أفكارًا …
ومشاعر …
وسلوكًا…
ولذلك لم يجعل الشرع الصحبة أمرًا هامشيًا…
بل قال ﷺ «المرءُ على دينِ خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل»…
وما يؤكده علم النفس اليوم أن البيئة الاجتماعية تعيد تشكيل العادات والانفعالات والقرارات…
فانتقاء من حولك ليس ترفًا…
بل حمايةٌ لعقلك وقلبك ودينك...
كُن انتقائيًا، فالانتقاء فَنّ، واختَر بعناية ما يستحق أن يكون ضمن إطار حياتك، وإياك واستنزاف نفسك ووقتك في أماكن، أو علاقات، أو دروب، أو صداقات، أو اهتمامات، ليست لك
ولا تشبهك، ولا تُعبِّر عنك، فإن من يعرف قَدر نفسه
يعزّ عليه أن يمضي بها في سُبُل، لا ينتمي إليها.
يسمعون كلماتك، ويرون مواقفك النبيلة، فيثنون على طيبة قلبك وحسن أخلاقك..
وفي اللحظة التي يبتسمون لك فيها بحب، ينقبض قلبك وتكاد تبكي.. فأنت وحدك من يعرف حجم عيوبك في الخفاء، وزلاتك التي تسترها الجدران..
فيحاصرك شعور خانق بأنك مجرد مخادع، وأن هذا الاحترام لا تستحقه، وتدعو في سرك:
"يا رب، لا تفضحني فأسقط من عيونهم".
هذا الانكسار المرير أمام نفسك، وهذا الاحتقار الصادق لزلاتك، هو أعظم دليل على حياة قلبك وطهارة معدنك..
الخالق لم يستر ذنوبك ليخدع الناس بك، بل سترك لأنه يحبك، ويريد أن يعطيك الفرصة تلو الأخرى لتعود إليه في السر، كما سترك في السر.
لا تخفْ، فبينك وبين المغفرة التامة دمعة صادقة واعتراف خفي بين يدي من لا يعاير عباده.
- {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً}.
أقسم بالله غير حانث؛ أن لذة ترك الشهوات، أعظم من لذة نيلها!
وفي ذلك يقول ابن الجوزي رحمه الله :
"وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة، ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلا، لأنه قُهِر.. بخلاف غالب الهوى، فإنه يكون قوي القلب، عزيزا؛ لأنه قَهَر؟!".
تأمل في اسم الله «اللطيف».. تجد عجباً يملأ القلب طمأنينة 🤍!
يأتيك بالفرج متخفياً، ويسوق إليك الخير عبر دروب لا تدركها الأبصار ولا تخطر على العقول..
قد تظن أحياناً أن الأبواب أُغلقت، وما علمتَ أن لطفه قد حجب عنك شراً لو أبصرته.. لسجدت باكياً شكراً على المنع!
من عجيب لطفه سبحانه:
أن يجبر كسرك بآية تقرؤها، أو بكلمة عابرة تسمعها صدفة فتوافق جرحك تماماً وتداويه.
أن يُسخّر لك من يدعو لك في جوف الليل، وأنت غارق في نومك لا تدري.
أن يتقبل منك العمل القليل، فينمّيه ويتقبله، حتى تراه يوم القيامة كالجبل العظيم.
حين تتأمل قصة يوسف عليه السلام، وكيف انتقل من قاع البئر وظلمة السجن إلى خزائن الأرض.. لم تكن هناك معجزة واضحة كشق البحر، بل كانت أسباباً خفية، وتدابير متسلسلة؛ حلم يراه ملِك، ونسيان ساقٍ.. هكذا يتدخل اللطيف، بخفاء تام، وحكمة بالغة؛ ولذلك قال يوسف عليه السلام في آخر السورة :
{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ}..
إذا تولاك اللطيف..
أوصل إليك مرادك ومنافعك من حيث لا تحتسب، ويسّر لك عسير الأمور بأهون الأسباب، وحماك من حيث لا تشعر.
فسبحان من أحاط بكل شيء علماً،
وشمل كل خفيّ بلطفه ورحمته.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾..
حين تضع المال في يد محتاج، يخيل إليك أنك أعطيته هو.. لكن هذه الآية تخبرنا بحقيقة غائبة:
نحن نتعامل مع الله مباشرة!
الذي (يأخذ) الصدقة حقيقةً هو الله جل جلاله.. المحتاج طريق تمر عبره صدقتك لتصل إلى الرحمن قبل أن تقع في يد الفقير.
وهذا اليقين العظيم هو ما دفع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تُطيِّب الدراهم بالمسك والعطر قبل أن تتصدق بها، ولما سُئلت عن ذلك قالت:
«إنها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل!».
لو استشعرنا هذا المعنى، لاختلف أدبنا في العطاء، ولاستحيينا من استكثار الصدقة أو تقديم الرديء، ولأصبحنا نحن من يمتن للفقير لأنه كان جسراً لصدقتنا.
إنه الله الشكور♥️!
من لطيف شكره أنه يعطي العبد من جنس طاعته أضعافها ويشكر له في أحسن الأوقات وأطيبها..
فإذا أثنى على ربه =يسر له من أسباب الثناء في الأرض والسماء ما لا يخطر على باله.
ومن أحب ربه =أحبه، وحبب إليه خلقه.
ومن يسر على مسلم ابتغاء ما عنده =يسر الله عليه.
ومن ستر عباده =ستره.
ومن أكرمهم =أكرمه.
ومن عفا عنهم =عفا عنه.
ومن أرضى ربه =أرضاه.
كل ذلك بأضعاف عمل العبد وقربته؛ لأنه شكور!.
إنه الشكور :
كثير الشكر في عدده، عظيم الشكر في قدره.
الشكور :
الذي يشكر قليل العمل من عبده.
الشكور :
الذي لا ينسى طاعة عبده ولو طال أمدها.
الشكور :
الذي لا يزال يثيب عبده على طاعة نسيها العبد نفسه!، فيشكر مرة تلو أخرى!.
إنه الشكور :
يشكر فعل العبد الذي هو سبحانه غني عنه والعبد مضطر إليه.
يشكره على طاعة ألهمه إياها سبحانه ثم وفقه فيها وأعانه عليه وقبلها.
فالحمد لله والشكر لله 🤍.
في لحظة ضعف غير متوقعة، قد تقع في نفس الخطأ الذي طالما انتقدت غيرك عليه.. فتصاب بصدمة قاسية من نفسك، وتتهاوى صورتك المثالية في عينيك، لتكتشف أنك لست محصنا كما كنت تظن، وأن بينك وبين السقوط شعرة واحدة من الغفلة..!
هذا السقوط المدوي لكبريائك هو من أعظم رحمات الله بك.. لقد أراد أن يطهر قلبك من آفة العجب الخفية، ويعلمك أن ثباتك ليس بذكائك أو قوة إرادتك، بل بستره وعونه.
حين ترى بشريتك وضعفك بوضوح، ستتوقف عن محاكمة الناس وقسوة الحكم عليهم، وستعود إلى ربك منكسرا، تطلب عفوه وتستجدي ثباته بقلب أرق وأكثر تواضعا من أي وقت مضى.
- {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا}.
أحياناً بعد محاولات طويلة من الاستقامة والبعد عن المعاصي، تزل قدمك فجأة وتعود لذنب عاهدت الله ألا تعود إليه أبدا.. فيضربك خجل عنيف، وتحتقر نفسك بشدة، ويهمس لك الشيطان أن توبتك السابقة كانت كاذبة، وأنك إنسان لا فائدة من صلاحه، فتكاد أن تترك كل شيء وتستسلم للضياع..!
سقوطك المفاجئ بعد ثباتك لا يمحو صدق أيامك الماضية، ولا يعني أبدا أنك منافق..
الجرح الذي يصيب كبرياءك الآن هو درس قاس لتعود إلى الله متجردا من ثقتك المفرطة وإعجابك بطاعتك.
التوبة بعد الانتكاسة عظيمة جدا، ويحبها الله، ويفرح بها؛ لأنها تأتي مصحوبة بافتقار تام واعتراف حقيقي بعجزك عن الثبات دون عونه.
قم فورا ولا تلتفت لمحاولات كسرك، فربك يفرح بعودتك في كل مرة تزل فيها قدمك.
- {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.
- من أدبِ نهايةِ العلاقاتِ
ألا تُشهر سيفك حيث فتحت قلبكَ
وألا تعادي أهل ودّك وإن انطوى وذهب
-قالت العربُ: الحر من راعى وداد لحظة!!
ثمة أشخاص من المسموح أن لا يعودوا أحبابا
ولكن من العار أن يصبحوا أعداء
- دائما تعامل مع العلاقات التي انتهت كأنها قبور ..
و القبور لا تنبش.
مؤمن جدًا بصحةهذه العبارة ،،
لا تُجهد نفسك بالتوضيح وشرح تصرفاتك للآخرين… فهم في النهاية لن يفهموا عنك إلا ما يريدون فهمه، ولن يقولوا عنك، إلا ما يرغبون في قوله، لا ما تعنيه أنت.
مضى على الشافعي قرابة ١٣٠٠ سنة وهو الذي قال:
( اذا المرء لا يرعاك الا تكلُّفا فَدَعهُ ولا تُكْثِر عليهِ التأسُّفا )
ومنذ ذلك الوقت، لم اسمع نصيحة أبلغ منها ..