مع إشراقة عام هجريٍّ جديد وطيِّ صفحة من العمر وفتح صفحة أخرى نرجو أن تكون عامرة بالخيرات والبركات، نسأل الله تعالى أن يجعل عام 1448هـ عاما تُغسل فيه القلوب من أدرانها وتُجبر فيه الخواطر المنكسرة، وتُستنزل فيه الرحمات، وتتحقق فيه الأمنيات.
عاما يتحقق فيه النصر والتمكين لهذه الأمة، وأن يوحد الله كلمتها، ويجمع شتاتها، ويلم شعثها، ويعيد لها هيبتها.
وما زالت سمائل منذ سالت أفلاجُها على هذه الأرض تُنبت الرجال كما تنبت النخيل ويثور من أوديتها مدادُ البيان وتتدفّق من ينابيعها الحكمةُ والعرفان حتى غدت مدرسة للأدب ومهوىً لأفئدة الشعراء.
فإذا أنشد أبو سرور الجامعي فإنما يُسمع صدى وادٍ بأكمله وامتداد تاريخٍ عريقٍ من المجد والوفاء. وما تزال سمائلُ تُخرج من كنوزها ما يطاول قمم جبالها رفعةً ويضارع باسقات نخيلها سموًّا.
وكيف لا تكون كذلك ومنها شاعرُ العلماء وعالِمُ الشعراءِ أبو مسلم الرواحي البهلاني الذي اجتمع له من سعةِ العلم وعلومِ العرفان ومن جزالةِ البيان وروعةِ البنان ما قل أن يجتمع لغيره فكان لسانَ عُمان الناطق وسِفرَها المفتوح في ميادين الشعر والبيان ترفرف قصائده على صفحات التاريخ كما ترفرف رايات المجد على قمم الجبال.
المشكلة أن بعضكم لا يرى من سماحة المفتي إلا ما يريد أن يراه.
فإن تكلم في الأخلاق والقيم قالوا متشدد ومتدخل في شؤون الناس.
وإن سكت قالوا أين هو؟ ولماذا لا يتكلم؟
وإن تكلم في قضايا الأمة ووقف مع المظلومين ورفع صوته بالحق قالوا يغرد خارج السرب وخارج عن الجماعة.
وإن دعا إلى الإصلاح قالوا يفرض الوصاية. وإن نصح بالحكمة والموعظة الحسنة قالوا يتدخل فيما لا يعنيه. والحقيقة أن حب عمان والغيرة عليها لا تُقاس بموافقة الأهواء بل بثبات المواقف وصدق المنطلقات.
أما التشكيك في وطنية الرجال لمجرد الاختلاف معهم فهو إفلاس في الحجة قبل أن يكون إساءة في الأدب.
بل لعلَّ قوما وقفوا على ركامِ غزةَ مُلبِّين، وقلوبُهم بين الألمِ واليقين، أقربُ إلى اللهِ من كثيرٍ وقفوا على صعيدِ عرفةَ بأجسادِهم ولم تبلغْ قلوبُهم معنى الوقوف.
فهؤلاء أحرموا بالحزنِ والصبرِ والرضا، ولبَّوا اللهَ تحتَ القصفِ والدمار، فاجتمع لهم وجعُ الابتلاءِ وشرفُ النيَّة.
نسألُ اللهَ أن يكتبَ لهم أجرَ الحجِّ بنيَّاتهم، وأن يُضاعفَ لهم الثوابَ كما ضاعفَ عليهم البلاء، وأن يجعلَ تكبيراتِهم بين الركامِ أحبَّ إليه من أصواتٍ خلت من الصدقِ والانكسار.
#سيء_وصعب
لا أشاهد القناة، إلا ما أصادفه من مقاطع مجتزأة، للحوار مع الدكتور حسن أحمديان، ومن خلال النقاش الأشهَر، وقعت القناة في موقفين محرجين.
أولًا: الموقف الصعب، فحينما استضافت أحمديان، لم يخطر ببالها أن يُصبح نجم المكان، وأن يجعل من كل خصومه مجرد قطعان، وأن تتحول القناة، إلى أداة، بيد هذا الصامت المفترس، والمتحدث الشرس، والناطق بالعربية الفصحى، أمام مُستعرِبين حمقى.
أدركت القناة أن أحمديان، هو سبب المشاهدات بالملايين، بعدَ أن كادت تختفي من العناوين، لكنها أمامَ معضلة أكبر، ومشكلة أخطر؛ ألا وهي إشعال ثورة الوعي، التي يذكيها هذا الإيراني، ودوره الكبير، في إيقاظ الضمير.
فكانت القناة بين خيارين: إما الاستغناء عن حضوره، واختفاء القناة من الصورة، وعودتها إلى حالة الموت السريري، الذي تعانيه معظم قنوات التفسخ والتعري، أو تصبِر على استضافته، وتتصبَّر على حُسن منطقه، وتُجند ضده كل أنواع الحقارة؛ ابتداءً من تقليص وقته، وانتهاءً بجلب كل متردية ونطيحة، مرورًا بمقاطعته المستمرة، وقلة الأدب في الحوار معه.
لكن أحمديان غسَل أشرعتهم المُكسرة، وضرب مصداقيتهم المدعاة، وعرَّى أخلاقهم الماكرة، وأظهر وجه إيران النقي، وموقف دولة الإسلام القوي، وقوة الكلمة مع الحقيقة، وجزالة اللغة العربية الفصيحة.
ثانيًا: الموقف السيء، حينما لم تحترم القناة مشاهديها، ولم تستطع إلزام الأردنية نعواس أن تتكلم بلغتها، بدلًا من التفاصح بإنجليزية لا تتقنها.
هذا الموقف من القناة يفضحها ويصغرها، لأنه يعني السخرية من مشاهِديها، واستصغار متابِعيها، واحتقار ضيوفها.
وفي هذا الموقف السيء الفاضح، فاجَأنا ابن إيران بقوله الصادح، وبيانه النافذ الكاسح، وصفَعَ بكل حروف اللغة العربية، وجه المتصابية المُدعية، ومن خلفها في قناة القواعد الأمريكية، بمعانٍ قصيرة مختصرة:
"أنا لا أعاني من انفصام في الشخصية، وقلتُ في القنوات الإنجليزية بلغتهم أننا ننتظر قتل الأمريكيين، وأتحدث في القناة العربية باللغة العربية ولا أتحدث بلغة مختلفة".
أحرَقها وأحرقَ من ورائها، لكنا ابتلينا بوجوه من رَبَل، لا تستحي ولا تنمحي ولا تخجل، وتستمر في نثر فضلات الأخلاق بلا كلل ولا ملل.
وسيبقى شعار الحق قول الفصل القائل:
"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق".
سبحان الله، المتابع يُدرك ذلك بفطرته؛ فالأستاذ حسن الأحمديان يظهر عليه القبول عند كثير من الناس لأن الصدق يبين في حديثه وهدوء طرحه وتنعكس ملامحه على ما يقول فيجد له مكانًا في القلوب.
أما بعض الطروحات الأخرى فيغلب عليها التكلّف والمبالغة وأنهم مأجورون فيفقد الكلام عندهم روحه ويضعف أثره فيشعر المتلقي بعدم الارتياح ولو لم يُصرّح.
وهذا المعنى قد أشار إليه القرآن الكريم: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
فالصدق يُورث قبولًا والتكلف يُظهر نفسه مهما تزيّن صاحبه .
وهذا القبول الواسع لا يأتي عبثًا
بل يدل دلالة واضحة على أن أغلب المتابعين جمهرة الناس أصحاب فطرة حية ونظرٍ مستقل يميزون بين الصدق والتكلّف ويقبلون ما يوافق عقولهم وضمائرهم وباتت السرديات الكاذبة وإن زينت لا تنطلي عليهم
وأن قلوبهم متعطشة لإذلال أمريكا والكيان الغاصب ومن دار في فلكهم .
الموقف العماني كان ولا يزال قائما على الوضوح والمصداقية وهذا هو جوهر الوساطة لا نقيضها.
فالوسيط الحقيقي لا يجامل على حساب الحقيقة ولا يدير المواقف بمنطق الإرضاء بل ينقل الواقع كما هو ويعبر عنه بصدق لأن الثقة تبنى على الشفافية لا على المجاملة.
حيادية عمان لا تعني الصمت
بل تعني أن تقول الحقيقة دون انحياز وأن تدير الملف بميزان الاتزان لا بميزان الضغوط.
أما رضا طرف فليس معيارا لنجاح الوساطة لأن السياسة العمانية لم تُبنَ يوما على كسب التصفيق
بل على ثبات النهج واستقلال القرار.
وعمان عبر تاريخها لم تكن يوما محاميا لأحد بل كانت بشهادة الجميع جسرا للحوار حين تنقطع الجسور ومساحة ثقة حين تضيق مساحات الثقة.
فالوضوح ليس خطأ دبلوماسيا
بل هو ما يمنح الوساطة وزنها ومصداقيتها حتى وإن لم يرضى عنها ترامب .
أعلن رئيس البوسنة: قُتل 300,000 مسلم سني في البوسنة، ولو لم يكن هناك مساعدة من إيران، لما نجا مسلم واحد
▪لكن هذا يفتح سؤالًا أوسع: أين كان الموقف العربي في تلك المرحلة؟