المرأة التي أنا عليها الآن أحبّها…
أحبّ وعيها، هدوءها، قدرتها على قراءة ما وراء الأشياء، وقلبها الذي ما زال يعرف كيف يحب رغم كل ما تعلّم..
لكنني أكره كل من صنعوها..
أكره كل موقفٍ أجبرها على أن تصبح أكثر حذرًا، وكل خيبةٍ جعلتها تتعلّم أن تصمت بدل أن تشرح، وكل شخصٍ جعلها تكتشف أن الطيبة وحدها لا تكفي كي تبقى الأشياء جميلة.
أحب أنها أصبحت تعرف متى تمنح، ومتى تتوقف، ومتى تغادر دون أن تلتفت،أحب أنها لم تعد تستجدي الوضوح، ولا تطارد تفسيرًا، ولا تقنع أحدًا بمكانتها.
لكنني أتمنى لو أنها تعلّمت كل ذلك دون أن تتألم إلى هذا الحد.
أنا ممتنّة للمرأة التي صنعتها الأيام في داخلي، لكنني لا أمتنّ للأيام التي اضطرتني إلى أن أصبحها..
أحب ما أصبحتُ عليه، وأكره كل يدٍ جعلتني أحتاج إلى أن أصبح هكذا.
شخص جيد جدا، إذا آذيته، فلن يثير المشاكل أو يحاول يردها لك.
لا يغضب، ولا ينتقم، ولا رح يفضح سرك لاحد . إنه يختار فقط أن يكون صامتا، ليس لأنه لا يشعر بالأذى، ولكن لأنه يعرف أن قيمة القلب أعلى بكثير من الأنا.
ولكن في صمته، اقتبس ببطء واحدا تلو الآخر من القلب الذي كسرته دون وعي. لا يزال بإمكانه أن يبتسم إذا لزم الأمر، ولا يزال يجيب عند الترحيب به، ولكن ما لم تره من قبل هو في أهدأ زاوية منه، هناك شيء مات ببطء.
الثقة التي اعتادت أن تكون سليمة جدا، والآن تصدع دون صوت.
عندما ينهار أخيرا تماما، لن يلومك بعد الآن.
لأنه في ذلك الوقت تعلم التخلي دون الحاجة إلى الكراهية.
ليس لأنه ضعيف...
ولكن لأنه كان قويا لفترة طويلة جدا بالنسبة للأشخاص الذين لم يقدروا ذلك أبدا.
277 يومًا…
وأنا أحمل في صدري عبرةً لم تجد طريقها إلى الخارج كأن شيئًا في داخلي ما زال واقفًا عند تلك اللحظة، لم يستوعب تمامًا أن اليد التي كنتُ أطمئن إليها لن تمتدّ إليّ مرةً أخرى..
والشوق أكبر من قدرتي على احتماله؛ لأنني أريدها في تفاصيل صغيرة جدًا… في صوتٍ أعرفه، في كلمةٍ تقولها لي، في نداءٍ أسمعه منها
أريدها في لحظةٍ أحتاج فيها أن أكون ابنتها فقط،
لا المرأة التي تعلّمت كيف تتحمّل الوقوف بدونها.
اللهم ارحم أمي بقدر ما أشتاق إليها، واغمرها من رحمتك بما يطمئن قلبي عليها، واجمعني بها في فردوسك عاجلاً ولقاءً لا يعقبه فراق.
أنا امرأة حضوري لا يُضاف إلى حياة من يعرفني، بل يترك فيها أثرًا يصعب محوه. أعرف كيف أرى في الإنسان ما عجز هو عن رؤيته، وكيف أمنحه ثقةً تُعيده إلى نفسه، حتى يقف في مكانٍ لم يكن يظن أنه يستحقه..
أستطيع أن أبني في رجلٍ مهدودٍ صورةً جديدةً عن ذاته، وأن أرفع من يده المرآة التي كسرها بنفسه؛ لا لأنني أحتاجه، بل لأنني أعرف قيمة ما أملك، وأعرف أن بعض الناس لا يحتاجون من ينقذهم… بل من يريهم أنهم قابلون للنجاة.
أنا لا أفتح أبوابي على مصراعيها؛ حدودي مرسومة، ومكانتي ليست مجالًا للتجربة. وما أمنحه من ثقةٍ واهتمامٍ واحتواء ليس حقًا مكتسبًا، بل امتيازًا قد أسحبه بالهدوء نفسه الذي منحته به.
قد أكون حلمًا في حياة رجل؛ وحين يصبح الحلم واقعًا، يخطئ أحيانًا فيظن أن امتلاكه للقرب يعني امتلاكه لي. ينسى أنني لم أحتاج إليه لأكتمل، وأن ما رأى نفسه عليه بجواري كان شيئًا ساعدته أنا على رؤيته في نفسه..
فإن حاول يومًا أن يهدم المرأة التي بنَت فيه ذلك الجزء الذي يفتخر به، فلن أهدمه معه… سأغادر فقط، وأتركه يعيش مع حقيقةٍ لن يستطيع الهرب منها: أن أجمل نسخةٍ أحبّها من نفسه، كانت تحمل شيئًا من أثري.
منذ رحيل أمي، أشعر أن الدنيا رغم زحمتها خالية ،
كأن الأماكن ما زالت في مواضعها، والناس يمضون كما كانوا، لكن شيئًا خفيًا انطفأ، فصارت الألوان أكثر عتمة، وصار العالم أقلّ شبهًا بما كان..
أمضي في الأيام كما يمضي الجميع، أضحك حين ينبغي، وأتحدث، وأفعل ما تفعله الحياة بنا، لكن في داخلي مساحةٌ لم تعد تمتلئ، كأن غيابها لم يترك فراغًا في مكانٍ واحد، بل أخذ معه شيئًا من معنى الأشياء ، اللهم أجعل مقامها فردوسك الأعلى .
"مرحلة التعافي هي الاشمئزاز، نعم، الاشمئزاز، ستشعر بالاشمئزاز من الأشخاص الذين سعيت وراء مَحبتهم بِنية نقيّة، ستشعر بالخجل من خياراتك و من الأشخاص الخطأ، الذين أتيحت لهم فرصة الوصول إليك و هُم لا يستحقونها، استشعر هذا الشعور، ثم دعهُ يرحل، لن تعود إلى تلك الحالة أبدًا..".
غالباً أنت لستَ بحاجةٍ إلى أن تكون بخير كي تتحرّك ، يكفي ألّا تسلّم جسدك للسكون، فربما كانت كل خطوةٍ تمضيها… طريقةً خفيّة تقول بها لروحك .. ما زال فيك شي يريد أن يبقى .
أُحب أن يبقى في حياتي شي لا تصل إليه العيون، ركنٌ صغيرٌ أعود إليه، ولا يعرف أحدٌ الطريق..فبعض التفاصيل أجمل حين تبقى بيني وبين نفسي ،
لا تُروى لأحد، ولا تُشرح لأحد، ولا تحتاج إلى تصديق.
وأن تترك لنفسك باب لا يُفتح إلا من الداخل ،
مساحةً تبقى لك وحدك، تعيش فيها الأشياء بهدوء دون أن تحتاج إلى أن تُرى.
ماضيك قد يفسّر قسوتك، لكنه لا يبرّئها، وجرحك قد يشرح لي كثيرًا مما أنت عليه، لكنه لا يمنحك الحق في أن تجعل الآخرين يدفعون ثمنه..
أنا أستطيع أن أفهم الطفل الذي أوجعته الحياة، وأن أرى الخوف المختبئ خلف غضبك، وأن أعرف تمامًا من أين جاءت هذه القسوة… لكنني لن أستخدم فهمي لك لأعفيك من مسؤوليتك عن نفسك ، فما حدث لك ليس ذنبك، لكن ما تفعله بالآخرين بعد أن تعرفه عن نفسك… أصبح اختيارك، وفي النهاية لا يهمني كثيرًا كيف صنعتك الحياة يهمني ماذا فعلتَ بنفسك بعدما عرفتَ أنها صنعتك هكذا..لأن الإنسان لا يُدان بما كُسر فيه، بل بما اختار أن يكسره في الآخرين بعد أن عرف موضع الكسر .
ثَمّة سكينةٌ تأتي حين يتعب القلب من شدّ الأشياء نحوه ، فيتعلّم أن يترك للأقدار مساحتها دون أن يترك أمنياته، وحين يستقرّ القلب بالله لا يعود يسأل: هل ستأتي الحياة كما أريد؟
يكفيه أن يعرف أن ما سيأتي… سيأتي من يدٍ لا يخطئها لطفها يعلم بها الله ما لا نعلم، ويختار لنا ما قد تعجز قلوبنا اليوم عن فهم رحمته.
ثمّة أيامٌ تجرّدنا من أثقالنا واحدًا بعد آخر، تتركنا طويلًا في مواجهة أنفسنا، حتى نتعلّم كيف نقف دون أن نستند إلى شيء..
تلك الأيام التي مددنا فيها أيدينا ولم تمسك بنا يد، كانت تنزع منّا في كل مرة شيئًا من الخوف والتعلّق وانتظار النجدة… حتى خفّت أرواحنا من كل ما كان يثقلها.. ثم فهمنا متأخرين أن ما ظننّاه قسوةً كان يعلّمنا الخفّة ، وأن كل ما سقط منّا كان يترك في مكانه ريشةً، حتى اكتملت الأجنحة، وصار المكان الذي وقفنا فيه وحدنا هو المكان الذي تعلّمنا فيه كيف نطير .
أنا امرأةٌ يسكنها قلبٌ يفيض حباً وعقل لا يتغاضى عمّا يرى ، أرى فيك أجملك، وأغفر كثيرًا، لكن تفصيلًا واحدًا قد يُسقطك من عيني، مهما بقي لك في قلبي من شعور..
وهذا تناقضي الأجمل الذي لا أساوم عليه ، أحبّك بعمق، لكن إذا سقطتَ من عيني لا يعيدك ما بقي في قلبي.. أرحل بهدوء .. لأن كرامتي حين تقول «يكفي»… لا يملك الحب حقّ التفاوض .
الحنان حين يكون متبادلًاً لا يعود مجرّد شعور، بل يصبح لغةً خفيّة بين اثنين؛
أحدهما يُكمل ما يعجز الآخر عن قوله، والآخر يفهمه دون أن يُطلب منه..
ثمّة تناغمٌ لا يُصنع بالكلام، بل بذلك الفهم الخفيّ الذي يجعل الطرفين يميلان إلى الإيقاع نفسه..
أن تعرف متى تقترب دون أن تُربك المسافة، ومتى تصمت دون أن يُفهم الصمت جفاء ،
وأن تلمح ما وراء التعب فتكون حاضراً قبل أن يُطلب حضورك.
مازال صوت أمي يسكنني في ندائها، في دعواتها، التي لم يطفئها الغياب. أسمعه في داخلي كأن المسافة بيننا لم تستطع أن تصل إليه..
اللهم ارحم أمي رحمةً تسعها، وأنر مرقدها، وآنس وحشتها،وارزقني الصبر على فراقها، والرضا بقضائك، وقوةً أستعين بها على هذا الغياب يارب ، واجمعني بها قريباً في جنّة لا فراق فيها.
ثَمّة سكينةٌ لا يمنحها اكتمال الأشياء، بل استقرار القلب بالله ، فتضيق الحياة ولا تضيقُ الروح، ويغيب اليقين عن الغد ولا يغيب الأمان..
وحين يحسن القلب التوكل، لا يعود يطلب من الحياة أن تطمئنه ، يكفيه أن يعلم أن أمره بيد الله .