يُدهشني من يتهرب من الإقرار بالرداءة الأصيلة لخياراته في الحياة ويحاول تبريرها بحجة أن الدنيا هي دار ابتلاء، وأقصد بكلمة "الأصيلة" أنها ليست نابعة من قدر لا يملك حيلة أمامه بل مرتبطة بنمط تفكيرٍ يجلب المعاناة له ولمن حوله، السعادة فيما يبدو هي حقا إرادة واعية بغض النظر عن كل شيء.
لفتني اسم التطبيق (خرائط الهدهد) و لا يكاد يجول في البال إلا قصة الهدهد في القرآن. إن كانت التسمية مستوحاة منها، فهو اختيار بديع؛ إسم يحمل دلالات الاكتشاف والدلالة ونقل الخبر معانٍ تليق بتطبيق خرائط
الأدب الأفغاني لا يمكن أن يخذل القارئ أبدًا؛ أدب مشحون بمعاناة الشعب الأفغاني الذي ذاق الويلات من الحروب والقمع والظلم.
إضافة إلى خالد حسيني الذي يملك حسًا إنسانيًا أدبيًا، فإنّ نادية هاشمي لا تقل روعةً عنه. لم تخيّب ظنّي في "اللؤلؤة التي كسرت محارتها" ولا في "حين يقترب القمر".
في هذه الرواية يحكي خالد حسيني نكبة أفغانستان منذ اللحظات الأولى لاجتياح المتشددين لكابول وطرد القيادة المدنية منها نهاية السبعينيات.
أفغانستان بلد منكوبة، وفي الرواية تصوير لهذا الوجع:
خمسة أشياء أعجبتني في فيلم مندوب الليل:
-الموضوع حساس ومثير للفضول، عن توصيل المشروبات الكحولية في دولة تحظر بيعها. الفكرة ذكية لأنها تبقيك مشدوداً وتجعلك تتابع الفيلم بصفته درامياً ووثائقياً في الوقت نفسه.
-الإخراج لا يستعرض -وكان تخوفي الأكبر من الاستعراض- بل يتماهى مع القصة بانسيابية، ولا يُبرز نفسه أكثر من اللازم. (بعض المخرجين يحاولون التفنّن بطريقة تشعرك طوال الفيلم أنهم يصرخون ليقولوا: نحن هنا! شرايك في هاللقطة؟ حلوة هالزاوية صح؟!) ، أما إخراج مندوب الليل فكان ناضجاً وهادئاً، يصنع الضوء ويتولّى إلى الظل.
-الممثل لا يبالغ، ظهر بصورة عفوية وحقيقية دفعتني لتصديقه. بعض الممثلين في أفلامهم الأولى يبالغون في العفوية حتى ينفوا عن أنفسهم صفة التصنّع، فيقعون في نفس الفخ.
-التصوير الليلي شاعري جداً، أعطى الفيلم بُعداً غامضاً، وعيّشني أجواء الرياض كأني فيها. صنّاع الفيلم برعوا في التقاط ذلك الهدوء المُريب الذي يُشعرك أن حياةً أخرى تفوتك خلف الأسمنت والأسوار العالية، وأنّ مدينةً خفية تخرج من تحت الأرض ليل الخميس وتتوارى صباح الأحد.
-الفيلم لا يمارس الوصاية ولا يُطلق الأحكام ولا يقدّم موعظةً ولا يوصل رسالة، بل هو فنٌّ خالص. لا خير مطلق ولا شر مطلق، هناك فقط إنسانٌ أودت به الظروف إلى عالمٍ سُفلي. فوُجدت القصة، وحضرت الكاميرا.
اختصاراً: هو فيلم حقيقي، وجمالٌ يستحق المديح.