ملوك الأندلس كملوك اليوم، باعوا دينهم وأرواحهم لأعدائهم وكانوا يرون بأم أعينهم الممالك الإسلامية بجانبهم تسقط والمذابح ترتكب ومنعوا عنها العون والنصرة وأغلقوا أبواب الجهاد، وتسابقوا لتقديم فروض الطاعة للعدو الذي طمع بهم وداسهم واحداً تلو الآخر، وكذلك فعل أمراء المسلمين عند غزو الصليبيين للشام، وظنّوا أن حبل النجاة بالمحتلين لا من الله، فمحق الله ملكهم وأخزاهم ولم تذكرهم كتب التاريخ إلا في مواضع الخائنين..
يقرؤون في كتب التاريخ أخبار الخيانات، هذا تحالف مع الإنجليز ضد الوطنيين، وهذا تحالف مع الفرنسيين ضد المجاهدين، وهذا تحالف مع الطليان، وهذا مع الإسبان... إلى آخره!
ولا يعلمون أن منطقهم في التخذيل والتثبيط واتهام المجاهدين والمقاومين بالخطأ في التدبير والتقدير والتنفيذ هو نفسه نفسه منطق هؤلاء الخونة!
هل يظن أحد أن الخائن كان يقول: أنا خائن عميل وأفتخر بهذا العار؟.. أبدا، لقد كان يفلسف موقفه ويبرره، ويجعله عين الحكمة والعقل وفن الممكن!
��ا لنا طاقة بالإنجليز، وأمام كل فرنسي نصيبه يقتلون مائة من الجزائريين، ومن ذا يستطيع أن يتصدى لطائرات الطليان، أو يختبيء من مدافع الإسبان!
وهكذا تبدو الشجاعة والجهاد تطرفا وعبثية ودمارا وكارثية، وتبدو الخيانة عقلا وحكمة وتخطيطا بعيد المدى ومناورة ذكية وهادئة!
حين تُطوى الأيام وينتهي الزمن وتصير الأحداث تاريخا، تخلد الأمم أبطالها الذين خاضوا الحروب المستحيلة حتى لو أنهم هُزِموا فيها، وتصم أولئك "المحنكين" بوصمة الخيانة، أو على أقل تقدير: بوصمة الغفلة والغباء والحماقة!
لا تتصور أن الخيانة بعيدة عن كثير ممن تراهم يكتبون ويحللون وينصحون.. إن طابور الواقفين في الجهة الأخرى من المقاومة هم مشاريع خيانة، لكنها لا تظهر إلا حين ينزل الاحتلال في أرضهم وديارهم!
ليس الخائن بالضرورة شخصا خبيثا اختار أن يخون عن وعي وقصد، قد يكون شخصا ضعيفا لا يتماسك أمام المغريات أو أمام التهديد، فمن ها هنا يدخل عليه العدو بالترغيب والترهيب، حتى يُسقطه!
لا تغيب عن ذهني كلمة رئيس محطة للاستخبارات الأمريكية -كما نقل ستيفن جراي في كتابه "أسياد الجاسوسية"- حين رأى أحد أتباعه يُدَرِّس لضباط الاستخبارات كيفية تجنيد العملاء، عبر فهم الدوافع والمغريات التي يمكن أن يسقطه بها، فقال رئيس المحطة: هذا كلام فارغ، الأمور لا تسير هكذا في الواقع، الهدف أن تجعل الشاب يخون، وحين يخون سيقوم هو بإنتاج التبرير لنفسه!
هذه خلاصة ثمينة نرى فيها كيف أن الضعف في لحظة واحدة قد يصنع خائنا فيلسوفا، خائنا محنكا، خائنا يبدع في تقنين خيانته ��شرعنتها وإلباسها ثوب الحكمة والذكاء.
وكلما كان الخائن ذا حظ من الثقافة والفكر كان أخطر، وقد قال لينين صادقا: المثقفون أسرع الناس إلى الخيانة لأنهم الأقدر على تبريرها!!
والآن، قد صار كل الناس مثقفين وأصحاب رأي حين صاروا أصحاب صفحات على مواقع التواصل، فهو يتطوح بين الأخبار، تذهب به كلمة ويأتي به مقطع، وأمامه الشاشة تغريه أن يسجل موقفه ويكتب خلاصة مشاعره.. بيئة نموذجية لصناعة الهشاشة وترويجها!
لذلك كان من عظيم الوصايا التي أوصانا بها نبينا -صلى الله عليه وسلم- قوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت"
وقد قال شاعرنا القديم: لا خيل عندك تهديها ولا مال .. فليسعد النطق إن لم تسعد الحال.