سارت قافلة الأسرى باتّجاه الكوفة، مع عدوّ لا يرحم، وفي الطريق الشاق كانت عيون الأسرى تنقسم بين جهتين؛ جهـة الرّؤوس التي رفعوها على الرماح أمامهم، وجهة الأجساد المطهّرة التي تركوها في العراء من غير دفن ولا غطاء.
وكانت عيون الأسارى تدمع بغزارة، ولكن كان ممنوعــاً عليهم أن يرفعوا أصواتهم بالبكاء والنحيب، كما كان ممنوعــاً عليهم أن يتكلّموا بشيء، أو يعترضوا على شيء، فقــد وكّل بهن عمر بن سعد مجموعة من الذين انتزع الله الرحمة من قلوبهم، فكانت المرأة إذا بكت ضربوها بعقب السنان، أو بالسوط أو بما شابه ذلك…
لقد ارتكبوا الجريمة، وبدأت ضمائرهم تؤنّبهم… وكعادة المجرمين حينما يرتكبون جريمة كبرىٰ وتؤنّبهم ضمائرهم فإنّهم يحاولون إسكاتها عن طريق التوغّل في الجريمة، وارتكاب المزيد من الظلم.
لم يكونوا يرتاحون إلى من يذكّرهم بما فعلوا، وكانوا يرقصون ويسكرون وكأنّهم يطالبون أهل بيت رسول الله بأن يفعلوا مثلهم، فيطربون لمقتل أعزائهم، ويرقصون لحمل رؤوس رجالهم على الرماح أمامهم، بدل أن يبكوا عليهم!
وكان أحياناً ممنوعاً على الأسرى حتى النظر إلى الرؤوس كما كان ممنوعاً عليهم أن يلتفتوا إلى الوراء، للنّظر إلى الأجساد الطاهرة التي تُركت بلا رؤوس.
كان الغبار الصاعد من الأرض بفعل سنابك الخيول شديداً، والحر شديداً، كلّ ذلك زاد من تعب الأسارى.
لكن مع هبوط الليل خفّ الحرّ قليلاً، وكانت القافلة قد اقتربت من مشارف الكوفة إلّا أنّهم لم يسمحوا بدخولها ليلاً؛ لأنّ عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد كانا يريدان أن يشارك الكوفيّون في أفراح انتصارهم، الذي ظنّا أنّهما حقّقاه على أهل بيت النبي.
فما أرادوا أن يدخلوا الكوفة والناس نيام، وإنّما أرادوا أن يدخلوا والنّاس يـرون وينظرون كانوا يريدون استعراض النّصر والتّنكيل بأهل البيت.
يقول القرآن الكريم: " وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِين "(١) و " قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَه "(٢).
١. الشعراء - الآية ١٣٠
٢. عبس - ١٧