ليس من طبع الحياة تمام الحظوظ ..
فلا كمال مطلق ولا نقص مطلق ، ثمّة نِعم كتبت لك وثمّة حرمان فرض عليك ، وهنا تبدأ حياتك او تنتهي ؛ فإما أن تعظّم النِعم التي بيمينك فتعيش راضياً مرضيا ، وإما تقلب كفّيك على ماحُرمت منه وليس وراء ذلك إلا حياة تمر بك دون ان تعيشها .
لن تُبتلى إلا في أشد ما يتعلق به قلبك، وأضعف ما تتحمل جهاد نفسك فيه، وأكثر ما تتمنى الحصول عليه في الدنيا، ليستخلصك الله له، وليُمحّص سيئاتك، ويرفع به درجاتك، ويضاعف به حسناتك، فإذا أحب الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه، وإِن سخط نفاه وأقصاه،
أعرف غربة الاماكن بعد ان كانت أُنس ، اعرف شعور اللامبالاه بعد كمية الاكتراث ، اعرف خطوات التجاوز بعد عشرات الالتفاتات ، اعرف الوقوف المستقيم بعد عثرات السقوط ، اعرف طعم الانتصار بعد مرارة الهزيمة ، اعرف شكل الصديق بعد الأقنعة المزيفة ، اعرف تلويحة اللقاء بعد تلويحة الوداع .
إن الله إذا أحب عبداً أنار بصيرته ، ولا تُستنار البصيرة إلا بالحزن ، فعند الحزن يرى المرء حقيقة كل شي ، حقيقة نفسه ، وحال قلبه ، وصحبته وأهله ، حقيقة الدنيا على حالها ، وما صارت اليه روحه ، تدرك بصيرته جمال الأشياء التي مرت عليه وتجاوزها على عجل ، تتصل روحه بالسماء وتقترب ..
أعتقد أن من تمام حسن الظن بالله هو الإدراك بأن النِعم ليست ماديه فقط ، المزاج الهادئ نعمة ، اليوم العادي نعمة ، القدرة على إنجاز عمل في وقت قصير نعمة ، القلب الرقيق نعمة ، سلامة النفس تجاه الآخرين نعمة ، وأن الصحة والعافية هي أكبر النِعم .
الحمدلله على التمام والبلاغ والصيام
اللهم اجعلنا ممن صام الشهر
وأدرك ليلة القدر، وفاز بالأجر
اللهم إنا استودعناك رمضان فلا تجعله آخر عهدنا وأعده علينا أعوامًا عديدة، ولا تخرجنا منه إلا وغفرت ذنوبنا، واستجبت دعواتنا وأعتقتنا من النار .