منعتُ فراشاتٍ كثيرة
من العبور فوق مجالي
وأحرقتُ أجنحةَ أخريات
قبل أن أُنهي الحظرَ
الذي فرضتُه على سمائي
فورَ انحسارِ الذخيرةِ
أصابعي
خمسةُ عصافيرَ
تطير في الجهات
وقميصي
خيمةٌ مفتوحةٌ للريح.
أنا هادئ،
وكلُّ شيءٍ على ما يرام.
يمكن لأيِّ طائرةٍ
أن تمرَّ من فوقي الآن.
مجازفا بحياتي
شربت الماء
من ذات الموضع
الذي تركت عليه امرأة لا أعرفها
بقايا أحمر شفاهها
وبعكس ما حذر منه الأطباء
لم أنم ليلتها محمومًا
ونبت ورد كثير
على شفتي
زكي العلي ، "الآباء"!
فلاح المشعل
يكشف زكي العلي عن مقابر جديدة يشيدها الشعراء برمزيةٍ توحي بوجودٍ أبدي للمعنى؛ مقابر في الأثير، أو في أكوانٍ أخرى، يسكنها الآباء بعد رحيلهم. تلك بعض أسرار سرمدية حضور الآباء حين يغادرون حياتنا نحو كونٍ آخر:
«الآباء لا يموتون
يذهبون
للبحث عن عملٍ في كونٍ آخر!
يؤثثون لنا بيت الآخرة
ويملؤون الصوامع بالحنطة».
كان أرسطو، في كتابه «فن الشعر»، يرى أن «الشعر أقرب إلى الفلسفة من التاريخ». وإذا كانت القصيدة رؤىً جوّالة بين الواقع والخيال، واستغراقاً في التأمل واستنفاراً لطاقة المخيلة، فإن ذات الشاعر لا تكتمل إلا بالتفكير العميق وإنتاج معنى مغاير واستثنائي في سياقه الوجودي.
ويقول أدونيس إن الشعر يرتبط بالقلق الوجودي والتأمل في الكون واللغة والإنسان والزمن. وما يقوله أدونيس فلسفياً يتجلى بعبقٍ شعري في نصوص زكي العلي وقصائده؛ حيث تتجسد حداثة العبارة الشعرية ووظيفتها في تركيبٍ متضاد ومبتكر. وتلك هي الأجنحة التي تحمله إلى عزلته الشعرية الخاصة، بعيداً عن السائد والمألوف، عزلة تشبه عزلة الشفق المتحرر من أثقال الأرض عند انطفاء النهار.
«الشعر بحثٌ دائم عن الحرية»، هكذا يقول محمود درويش. وإذا كان يركز على حرية اللغة وحرية الخيال وحرية الإنسان، فإن شاعرنا المدهش يجمع هذه الحريات كلها في معنى واحد ينتجه الخيال الشعري المؤنسن.لنقرأ نص «الآباء»:
«الآباء لا يموتون
يذهبون
للبحث عن عملٍ في كونٍ آخر
يؤثثون لنا بيت الآخرة
ويملؤون الصوامع بالحنطة
الثلاثة
الذين رفعوا الأشرعة على توابيتهم
وأبحروا في نهر قريتنا البارحة
غابوا
في وميض الأزل
مثل سحرة الأساطير».
حين يكتب زكي العلي قصيدته، يبدو كأنه يخرج من طوقه الوجودي نحو عالم يفيض بالرؤى السديمية. يصطحب معه مشاهداته الأرضية واحتراقات روحه، ثم يعيد تشكيلها في قصائد جديدة تحاكي فضاءً مطلقاً من المعنى، وتترجم جمالاً من نوعٍ خاص، جمالاً يزاوج بين الفقد والأمل، وبين الواقعي والمتخيل.
يا أيّها الباني لنفسكَ
من قصائدكَ التي كُتِبَت لهم
بيتًا ببالك
وتركتَ نافذةً لهم
لن تنجو
حتى لو هربتَ إلى خيالك
سيحاصرونكَ
بالمواعظِ والخناجرِ والمُدى
وسيعبثونَ
بما تبقّى من جمالك.!
لاتَلمس الورد فالأشواك تحرسهُ
وأرفق بكفكَ إن الوردَ مغرورُ
لهُ المَعَاذِير في إدماءِ لامسهِ
وإن أصابك أو أدماك معذورُ
للوردِ حقٌ بإدماء القلوب ولا
يُطالَبُ الورد أن القلبَ مهدورُ
وأنت والورد بانٌ وابن خالتهِ
وسائر الناس رأسٌ فيك مخمورُ
على جمرة الأَيام أَحكمتُ قبضتي
ومازال حزّ الجمر للآن في يدي
أبيت وما في القلب بأس وشرهةٌ
على طيب الأَخوان في الوصل والرَّدي
لي الأَرض كل الأَرض بيتًا وموئلًا
وكل وجوه الآدَميّين معبدي
أُجيء بها بيضاء قلبٍ قصيدتي
وسيّانِ أُنسى أو أرى الدهر مُنشدي