محام، عضو @qdha، وحاصل منها على وثيقة زمالة المستشار الشرعي، مستشار سابق لدى جهة تمويلية، باحث في القضاء التجاري والجنائي. للتنسيق: 920012737 - [email protected].
لا يُظهر لك حبًا إلا وأنت خارجُ عالَمِ الشعور به، ولا يُقِر بحق لك حتى يُفقدَك أعظمَ من قيمته، ولا يروم إليك وصالًا بغير مآربَ أخرى، إنه يتحيّنُ خلوّ المعنى لأفعاله ؛كي يبرر تخاذله عنك!
للموتِ مَهابةٌ يكادُ لها القلبُ يَنزِع! وإنما يعقِلُ هذا من اغتالَ الموتُ فرحتَه ولطالما انتظرَها! يعقِلُه الذي أمّلَ لُقيا عزيز ؛فحالَ بينهما الموت، يعقله الذي شيّعَ أحبابَه حتى كرِهَ يده التي حثت فوقهم التراب! يعقله الذي رأى الموتَ يتخطّفُ أقربينَه ؛فهو ينتظر!
المواقفُ لا تَنتزعُ الحقيقة، بل تكشف الستار عنها، والخصومة لا تكوِّن شرًا، بل تُظهره، والخلاف لا يولِّد عداءً، بل يفضحه، وشدة الحال لا تَخلقُ أخًا، بل تُبينُه.
ستُلقيك الأيامُ في غيْهب تجارِبها، وسيَمر بك بعضُ السيّارة المنتهزون، فيأخذونك ليشرُوك بثمن بخس، لا لحاجة بهم، بل هو قدرٌ يسوقهم ليُمكّنوك فيما هُيئ لك على أرض الله، حتى إذا ما بَلغتَ أشُدَّك ؛علمتَ أن الله سيجزي المحسنين على أنفسهم لِما صبروا، وأنه -جل ثناؤه- لا غالب على أمره، عندئذ ؛تَودُّ -وأنت مستوٍ على عرش ملكك- أنْ لو زِيد لك فيما صبرت عليه ؛كي تضحى بإحسان أسبغ.
حظك من المُنى ؛حظك من الجِد في طلبها: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة…﴾. والسعيِ القويم في سلوك دربها: (…وكان تقيًا﴾. فالقوّة عند كل بداية مطلب، والتقوى مع كل سبيلٍ مأْرَب، وقد أبلَغَ شوقي في هذا فقال:
وما استَعصى على قومٍ مَنالٌ
إِذا الإقدامُ كان لهم رِكابَا
كان لزامًا أن تحتضرَ فيك أجزاءَ ؛لتعيش بأخرى هي أشبه بك اليوم، وأن تموت منك نبضاتٌ ؛لتحيا بواحدة هي أربَطُ لك جأشًا، إنما أنت مراحل ؛إنْ لم تتنقل بتنقلها فحظُّك من العيشِ الفناء، ومن البقاء العدم.
الصدقُ أوّلُ معابرُ استقلالِك بذاتك، وذروةُ سنامِه أن لا تسوقَك في الحياة دنيءُ ملذاتك، وما والله رأيتُ مستقلًا إلا والصدقُ كان له مفرًا، ولا متعلمًا فذًا إلا وكان حظه من الصدق وافرًا، ولعمري لن يبلغَهُ من كان تبعًا، بل من صار لحزمه تابعًا، فلهذا ؛قال رسول الله ﷺ: "الصدق منجاة". إذ يُعتقك من رق آرائهم، فيسمو بك إلى حرية بارئهم.
ليس أمانٌ أدعى للسكينة من أمان خالجَك بعد وقوع ما تخشاه، كما وليس خوفٌ أجلب لنفسك الرعبَ من تحَرِّيك حدوث ما تخشاه، وقد هنئ المستغرقُ في لحظته الآنيّة.
متى ما أتيحت لك فرصة، فخاطر لانتهازها ؛فالعمر أقصر منها في حينها، ذلك أن الفرصةَ متحققة أمام عينيك في الواقع، وأما عمرك ؛فما تدري، لعله لا يبلغ بك أخرى! وما أضاعه التردد ؛فلن يستعيده (الندم)! ومن لم يصحب البسالة في قراراته ؛فلن يسليه قوله (ما ذا لو).
لم يجعلِ اللهُ مستقبلَك رهينَ أحد غيرَ نفسك التي بين جنبيك: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما *بأنفسهم*﴾. منها تُشكَّل أيامَك، وبها تُسخَّر السُبُلُ أمامَك، فإذا ما حُرِمت ؛فلا تلومنّ سوى نفسك! وقد صدق ﷻ: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾. إنما واقعُك وليد شعورك.
التوفيق وما أدراك ما التوفيق! عزيزٌ عند الله ؛فلم يذْكرْهُ -سبحانه- في القرآن إلا مرة واحدة، وقد قَطَعَ أسبابَه الماديةِ كلها! فعلّقَهُ به وحده فحسْب: ﴿وما توفيقي إلا بالله﴾. وإنما التوفيق منشؤه النية، فأنّى لهذا التوفيق محلٌ صالح له في قلوبنا!؟ ألا فاستوهبوا من الله محلًا.