يا صديقي، لا تدعهم يخدعوك.
الحياة ليست "عيشة الساحل"، ولا القميص الأبيض والشورت الكتان، بلا شغلة ولا ��شغلة، ولا السهر بين حفلات الهضاب المزيفة، ثم تفاجأ بجبال أوزارٍ على ظهرك في آخر الطريق. وليس هدفها في النهاية أن تصل إلى البحر الأحمر أو شواطئ ميامي، بل إلى "نهر الريان"، وهو المقياس الوحيد لصحة السبيل التي تسلكها، ولو بقميص ممزق، وكعبين يتفصدان دما من وعورة المسير.
..
اغتنِ واصنع مالًا يمكنك من شراء جزيرة تتمتع بمائها وبرها وحدك، ولكن وأنت في الطريق لا تنسَ أن تشتري قبلها قصور الآخرة، لأن ملكك الاختياري زائل ولو كان الأرض برمتها، وملكك الإجباري دائمٌ ولا تدفع فيه درهمًا، يملكك ولا تملكه، وتتساوى فيه الرؤوس بلا أموال، متر في متر، وعليهِ يُبنى ملكك الأبديّ، ففيه فاستثمر!
كل ما يشغل بالي، في المشاهدة العشرين للمشهد، فيمَ كان يفكر فاروق حينها؟ كيف يستطيع المرء أن يحسم قراراته، ويتم حساباته، في جزء من الثانية؟ والمعادلة واضحة، رجل محاصر بين قطيع من الخنانيص وضباط مدججين بالسلاح، إن سكت يكاد يسلم وإن استبسل انتهى كل شيء، وأولها حياته.
..
لكن القرار كأنما "مؤتمَت" مسبقًا، تلك وقفة عز، وميتة عز، ومضي إلى الله على عجل، في موقف شرف، يحب المؤمن المجاهد أن يبعث عليه وليس بشيء أعلى وأجلّ! استنقذ الشيخ فاروق عدنان رمضان البندقية من المستوطن الإسرائيلي، وقتل وأصاب، حتى أرسل جنديا وضابطا إسرائيليين إلى جهنم في جزء من الثانية!
..
والشيخ؟ الليث الهمام القسورة، الغضنفر الحسام المهند، استشهد في اللحظة ذاتها، ومعه ثلاثة من إخوته وأبناء عمومته، ودار رمضان مفتوحة اليوم على مصراعيها، تستقبل المهنئين والمعزين في آن واحد؛ عزاء فلسطين فيهم، وتهنئة فلسطين بهم.
..
الضفة تتكلم، نابلس تقول كلمتها، وجنين تتحدث من خلف ألف عصابة وكمامة وجنزير على عينيها وفمها، الضفة تغلي كأزيز مرجل، والنار من تحت الرماد أحمى من النار من فوق الحطب، والبواسل يضمون إلى الله، كالشي�� فاروق، عمريّين بين حق وباطل!
لئن ساءني تعاطي الناس لمخدرات كأس العالم، فلا ريب يسرني أنهم -حتى وهم في سكرتهم- ينفعلون كأمة واحدة، ويُشهدون الناس على فشل مخططات التقسيم والتمزيق الوطنية!!
وهو دليل على أن الأمة ليست غائبة ولا غافلة، ولكنها عاج��ة محبوسة، فما إن يتاح لها باب لتنفيس مشاعرها والتعبير عن ذاتها إلا أعلنت فيه عن هويتها وانتمائها.. حتى لو كان هذا الباب -لشدة سطوة القمع والعجز- هو فحسب باب اللهو واللعب! أو باب السكرة والغفلة!
وأكاد أجزم أن كثيرا من هذه الجماهير التي تبدو غافلة ومخدرة وتحت سكرة الكرة، لو أنها فتح لها باب الجد في إنقاذ نفسها وإنهاض البلد ورفعة الأمة، لرأيتهم ينصرفون عن اللعب والملاعب إلى الحد والعمل..
ولكن: ماذا بوسع من قُهِر وعجز ولم يترك له سوى باب اللهو ليفجر فيه طاقة انتمائه أن يفعل غير ذلك؟!
وليس في كلامي هذا تسويغ وللتبرير، وإنما هو قراءة وتفسير.. وينبغي أن يحتفظ الخطا�� الدعوي ويحافظ على تتفيه شأن الكرة وإدانة الاهتمام بها والخضوع لسطوتها والتلذذ بلهوها والانشغال بها عن معالي الأمور.. لا سيما في زمن الضعف والعجز هذا، حيث الأمة تحتاج كل جهد وكل طاقة.. فهذا باب، وذلك باب!
"وإذا ألفتك شِدّة تذكر أنها زائلة، وأنّ أيَّام السُرور كثيرة وأيَّام الهناءِ وفيرة، وأنّك في الدُنيا التي لا تصفو طوال الوقت، وأنّك مؤمن والمؤمن مُبتلى، وأنّك مأجورٌ على الشوكة التي تُشاكها فما بالك بما أوجع قلبك وأخفَت وهجك."
يروى أنه قيل لأعرابي"صار رغيف الخبز بدينار"
فقال:
وما همّني لو صارت حبة القمح بدينار!!
سأعبد الله كما أمرني، وسيرزقني كما وعدني!
.
من كانت عنده هذه القناعة👆🏼عاش مطمئن النفس يأتيه رزقه وهو آخذٌ بأسبابه متوكل على ربه
((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رزقها))
يوما من الأيام مررت بهم وغم شديدين ، حتى حارت الأفكار، وذهل العقل، وضاقت النفس بما حملت.
فما وجدت ملجأ إلا الله، فأكثرت من دعائه، وألححت بأدعية الكرب، وكلما مرّت علي آيات قدرته تعلقت بها تعلق الغريق بطوق النجاة.
فإذا قرأت قوله تعالى:
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾
قلت:
يارب، بقدرتك التي تطوي بها السماء، اطوِ همّي.
وإذا قرأت قوله تعالى:
﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾
قلت:
يارب، يا من فتقت السماء بعد رتقها، أيعجزك همّي؟
والله ما هي إلا أيام حتى انجلى ذلك الكرب، وانشرح الصدر.
فتعلّقوا بالله، والجؤوا إليه، وأكثروا من دعائه، فوالله ما خاب من رجاه.
دماء أولياء الله التي سالت وماتزال تسيل في غزة هي في رقاب أبناء الأمة بعامة والأنظمة بخاصة وإذا ما أبينا إلا دوام الخذلان فلننتظر عواقبه ولن تحابينا سنن الله ولن تجاملنا نواميسه