لن تنتصر أمةٌ يُهان فيها عقلاؤها، ويُطلَق للسفهاء أن يستطيلوا بألسنتهم، وتضيق فيها مساحة الأخلاق، ويُحارَب كل رأيٍ لا يساير أهواء العامة ولا يرضي مزاج الحاكم؛ فهزيمة الأمم تبدأ حين يُخرَس العقل، ويعلو الجهل، ويصبح الحق تابعًا للهوى والسلطة.
🎬
🏛️ أربعة رجال في زمن الفترة... من اهتدى بالفطرة ومن أضله الكِبر
قبل أن تشرق شمس الإسلام، عاشت الجزيرة العربية قرونًا عُرفت عند العلماء بـ"زمن الفترة"، وهي المدة بين بعثة عيسى عليه السلام وبعثة محمد ﷺ. ورغم انتشار الوثنية، برز رجال رفضوا عبادة الأصنام، وبحثوا عن الحقيقة، لكن نهاياتهم لم تكن واحدة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
① 🌿 زيد بن عمرو بن نفيل
"الباحث عن دين إبراهيم"
👤 من سادات قريش، لكنه رفض عبادة الأصنام منذ شبابه.
🚫 امتنع عن أكل ما ذُبح للأوثان، وكان ينهى عن وأد البنات، ويسعى لإنقاذ من استطاع منهن.
🌍 رحل إلى الشام والعراق يسأل علماء أهل الكتاب عن الدين الحق، فأخبروه أن نبيًا سيُبعث قريبًا في أرض العرب.
⚰️ توفي قبل البعثة النبوية، فلم يدرك الإسلام.
⭐ قال عنه النبي ﷺ:
«يُبعث يوم القيامة أمةً وحده».
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
② ✍️ أمية بن أبي الصلت
"العالم الذي غلبه الكِبر"
👤 شاعر من ثقيف، عُرف بالحكمة، واطلع على أخبار أهل الكتاب.
📖 كان يؤمن بالله وينبذ عبادة الأصنام، ويكثر في شعره من الحديث عن التوحيد والبعث.
⚖️ فلما بُعث النبي ﷺ لم يتبعه، وقيل إنه كان يرجو أن تكون النبوة فيه أو في قومه، فحال الكِبر بينه وبين الإيمان.
⭐ فقال النبي ﷺ:
«آمن شعره وكفر قلبه».
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
③ 📜 ورقة بن نوفل
"أول من صدّق خبر الوحي"
👤 شيخ من قريش، ترك عبادة الأصنام، واشتغل بقراءة كتب أهل الكتاب.
🕊️ لما نزل الوحي على النبي ﷺ، ذهبت به خديجة رضي الله عنها إلى ورقة.
💬 فقال:
«هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا إذ يخرجك قومك».
⚰️ توفي بعد بداية البعثة بوقت قصير، ويرجح كثير من أهل العلم أنه مات مؤمنًا بالنبي ﷺ.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
④ 🗣️ قس بن ساعدة الإيادي
"خطيب العرب الحكيم"
👤 من أشهر خطباء العرب وحكمائهم في الجاهلية.
☁️ اشتهر بالدعوة إلى التفكر في خلق الله، والتذكير بالموت والبعث، ورفض عبادة الأصنام.
🕌 ومن أشهر كلماته:
«أيها الناس، اسمعوا وعوا... من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت».
📅 توفي قبل البعثة بسنوات، وبقيت خطبه من أشهر ما نُقل عن حكماء العرب.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
📚 الخلاصة
ليس كل من عاش في الجاهلية كان سواء.
🌿 فمنهم من اهتدى بفطرته، وبحث عن الحق حتى آخر حياته.
📖 ومنهم من عرف الحقيقة، لكن منعه الكِبر من اتباعها.
🤝 ومنهم من أدرك بداية الرسالة فآمن بها وصدقها.
🗣️ ومنهم من دعا إلى التوحيد والحكمة، ثم رحل قبل أن يرى اكتمال النور.
وهكذا يثبت التاريخ أن البحث عن الحق وحده لا يكفي، بل لا بد من التواضع لقبوله إذا ظهر، فالهداية نعمة يهبها الله لمن أخلص في طلبها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إننا اليوم نقف أمام ألمٍ مضاعف، وجرحٍ ينزف من جهتين، وكل جهة منهما أشد مرارةً من الأخرى.
أما الألم الأول، فهو ما يتعرض له أهلنا في غزة من عدوانٍ صهيوني وحشيّ متواصل، لم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا وحاصره، ولم يترك مظهراً من مظاهر الوجود الإنساني إلا واستهدفه. إنها ليست حرباً عسكرية فحسب، بل حرب إبادة شاملة؛ حربٌ على الإنسان، وعلى الدين، وعلى الغذاء، وعلى الدواء، وعلى المأوى، وعلى الكرامة، وعلى الحق في البقاء.
يريد الاحتلال أن يضيّق على أهل غزة في كل شيء: في لقمة أطفالهم، وفي دواء مرضاهم، وفي خيام نازحيهم، وفي صلواتهم ومساجدهم، وفي أمنهم وطمأنينتهم، بل وفي حقهم الطبيعي في أن يعيشوا بشراً فوق أرضهم.
إنها سياسة تجويع ممنهجة، وحصار متعمد، وتدمير مقصود لكل مقومات الحياة. وهي جرائم تهز الضمير، وتعتصر القلوب، وتجعل كل إنسانٍ حرّ يتساءل: إلى أي حدّ يمكن أن يبلغ هذا العالم من الصمت والتجرد من إنسانيته؟
وإن من أشد ما يدمي القلب استهداف بيوت الله ومساجد المسلمين، ولا سيما العدوان الآثم على مسجد المتقين، وما رافقه من مشهد سقوط مئذنته.
إن سقوط المئذنة أكبر من سقوطٍ لحجارةٍ شُيّدت فوق بعضها، بل هو مشهد يحمل دلالةً مؤلمة وعميقة. فالمئذنة رمزٌ للأذان، ورمزٌ للصلاة، ورمزٌ لحضور الإيمان في حياة الناس. والاعتداء عليها اعتداءٌ على ذاكرة المكان، وعلى روح المجتمع، وعلى حق المؤمنين في العبادة والأمان.
إننا ندين بأشد العبارات وأقواها استهداف مسجد المتقين وإسقاط مئذنته، كما ندين تدمير المساجد والجوامع ودور العبادة، من كنائس وغيرها؛ فدور العبادة يجب أن تبقى مصونةً عن القصف والعدوان، لا أن تتحول إلى أهداف عسكرية في حربٍ فقدت كل ضابطٍ أخلاقي وإنساني.
لقد دمّر الاحتلال، خلال هذا العدوان، أكثر من ألف مسجد في هذه البقعة الصغيرة المباركة. ألف مسجدٍ لم تكن مجرد مبانٍ، بل كانت محاريب للعبادة، ومدارس للقرآن، ومجالس للعلم، ومواضع للسجود والدعاء، وملاذاً لقلوبٍ أنهكها الحصار والخوف.
إنهم يريدون أن يقتلوا الإنسان، وأن يمحوا معالم الإيمان من حوله؛ يريدون إبادة من بقي من أهل غزة، ثم إبادة الشواهد التي تؤكد أنهم كانوا هنا، وأنهم عبدوا الله هنا، وأنهم رفعوا الأذان وصلّوا وسجدوا فوق هذه الأرض المباركة.
أما الألم الثاني، وهو ألمٌ لا يقل وجعاً، فهو ألم ضعف أمتنا، وعجزها، وتراجع صوتها، حتى أصبحت أمةٌ عظيمة، تمتلك من الطاقات والثروات والإمكانات ما تمتلك، لا تكاد تفعل شيئاً سوى أن تتوسل إلى العدو أن يوقف جرائمه، أو تستجدي ممن يموّله ويسلحه ويحميه سياسياً، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، أن يضغط عليه أو يردعه.
يا لها من مفارقة موجعة!
نستغيث بمن يمدّ المعتدي بالسلاح، ونطلب الإنصاف ممن يوفر له الغطاء، ونترقب الرحمة ممن لم يمنع عنه أسباب القتل والتدمير!