من المود بورد إلى خشبة المسرح 🎭
فخورة بتجربتي أنا وزميلتي ريماس في تصميم وتنفيذ ديكور مسرحية *زجاجات فارغة* والإشراف عليه حتى ظهر بصورته النهائية على الستيج ضمن عمل تُوّج بعدة جوائز🙏🏻
شكرًا للأستاذ إبراهيم مدربنا والمشرف العام على توجيهاته ومساهمته في تنفيذ العمل بالصورة المطلوبة@I_H_H2023
ولجمعية الثقافة والفنون
وجامعة الأميرة نورة على هذه التجربة والفرصة الجميلة
@k_albaz@_PNU_KSA@tapaasc
#المسرح_السعودي #رؤية2030
#جمعية_المسرح_الفنون_الأدائية
قراءة في عرض "زجاجات فارغة"
تبدو المسرحية في ظاهرها حكاية عن ثلاث زجاجات تنتظر الماء من صنبور، وعن ظلّ يحاول أن يطفئ الضوء ليبسط عتمته. لكن كلما تقدمت الأحداث، بدا أن الصنبور والظل والماء والعتمة ليست سوى أسئلة تمشي على قدمين.
في البداية، يظهر الصنبور وكأنه مصدر للماء، ثم يتحول شيئًا فشيئًا إلى مصدر للأمان، فتصبح الشخصيات رهينة له. وحين يتوقف، لا تتوقف المياه فقط، وإنما تتوقف معها قدرتهم على التفكير. ينتظرونه، يرجونه، يخافون فقده، ثم يصل الأمر إلى إيذاء الآخر لمعرفة سبب غيابه!
وهنا يأتي السؤال الذي أراه مفتاحًا للمسرحية:
"فلِمَ الاستماتة إلى وسيلة عوضًا عن الغاية؟"
فالغاية هي الماء، لكن الشخصيات نسيت الماء وتمسكت بالصنبور. فتحول السؤال من: كيف نحصل على الماء؟ إلى: كيف نعيد الصنبور؟ وكأن الوسيلة تحولت إلى غاية، وكأن الحياة بأكملها، بوفرتها، أصبحت معلقة بفوهة حديد.
ولعل ما يستوقفنا أن الماء لم يختفِ من الوجود؛ الذي اختفى هو الماء من الصنبور فقط. فيتنامى السؤال: لماذا نعتقد أن فقدان الطريق الذي اعتدناه يعني فقدان الوصول؟
ومن هنا يصبح الخوف جزءًا أساسيًا من بناء الشخصيات. ممثلة ١ تعيش الخوف بصورة واضحة، فتظل متعلقة بالصنبور، تنتظر منه قطرة واحدة، وتراه خلاصها الوحيد. أما ممثلة ٢ فتدافع عن هذا التعلق وتراه نوعًا من الحماية، بينما تقف ممثلة ٣ في موقع مختلف، فتشكك في المسلمات التي تتمسك بها الأخريات، وتدفعهما إلى النظر خارج الصنبور.
ولهذا بدا لي أن الشخصيات تجسد ثلاثة طرق مختلفة في التعامل مع الخوف: الانهيار أمامه، والتشبث بما يمنح شعورًا بالأمان، ثم محاولة مواجهته بالسؤال.
وفي الجهة الأخرى يأتي الظل وحراسه…
يعد الظل جزء من الثنائية التي تقوم عليها المسرحية: الضوء والظل، الظهور والاختفاء، المعرفة والجهل. يحاول الظل القضاء على الضوء اعتقادًا منه أن اختفاءه سيمنحه وجودًا كاملًا. لكنه لا ينتبه إلى المفارقة الأساسية: لا ظل بلا ضوء!
لذلك تبدو فكرة "مصباح العتمة" من أكثر أفكار المسرحية مفارقة. فالمصباح الذي يفترض أن يكون أداة لإنتاج الضوء يتحول إلى أداة لإنتاج العتمة. وفي الوقت نفسه، الصنبور الذي يفترض أن يكون وسيلة للوصول إلى الماء يتحول إلى شيء مقدس يُخشى فقدانه.
فتكرر المسرحية الفكرة نفسها بأشكال مختلفة: حين نمنح الوسيلة أكثر مما تحتمل، تتحول من شيء نستخدمه إلى شيء يحكمنا.
وتزداد المفارقة وضوحًا عندما يكتشف الظل أن القضاء على الضوء سيؤدي إلى القضاء عليه أيضًا. ما ظنه حماية لوجوده يصبح سببًا في تهديد هذا الوجود. وهنا لا يعود الصراع بين الضوء والظل صراعًا بين طرفين متناقضين فقط، وإنما يكشف اعتماد أحدهما على الآخر.
أما الماء، فيبدو لي أنه الرمز الأكثر اتساعًا وثراءً في المسرحية. هو الحياة، لكنه أيضًا المعنى والأمل والقدرة على الاستمرار. وحين يجف الصنبور، لا تجف المياه وحدها، وإنما تبدأ الشخصيات في الشعور بالفراغ.
لكن المسرحية لا تنتهي عند عودة الماء.
وهذا ما أعجبني فيها؛ لأن عودة الماء لا تعني أن المشكلة انتهت. بالعكس، بعد أن يعود الصنبور، تبدأ الشخصيات في إعادة النظر فيما حدث. فالأزمة الحقيقية لم تكن في غياب الماء، وإنما في اعتقادهم أن حياتهم كلها تقف على مصدر واحد!
فتتركنا المسرحية مع وعيٍ جديد: قد يتوقف الصنبور وتتغير الوسيلة، لكن الوصول يظل ممكنًا بطرق أخرى. ولعل جملة "جفّ الماء من الصنبور، ولم يجفّ من السحاب" تختصر المعنى كله.
ما لفتني في هذا العرض، إلى جانب الفكرة وما تحمله من أسئلة، والحوارات وما تحمله من ثراء لغوي، هو الطاقة الهائلة التي حملتها الممثلات على الخشبة. بدت قدرتهن الصوتية والأدائية لافتة، خصوصًا في الانتقال بين الحالات النفسية المختلفة؛ من الترقب والقلق إلى الغضب والانهيار، ثم إلى لحظات الهدوء والتأمل.
أما على مستوى الجسد، فكانت الطاقة الحركية واضحة جدًا. الحركة، والسقوط، والاقتراب، والابتعاد، والدوران، والتشكيلات الجماعية؛ أسهمت جميعها في ترجمة ما يحدث داخل الشخصيات إلى فعل مرئي على الخشبة. وهذا مهم خصوصًا في عرض يعتمد على الرموز والصور المسرحية بقدر اعتماده على الحوار.
كل الشكر للقائمين على هذه المبادرة: جمعية المسرح والفنون الأدائية @tapaasc، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن.
ولطالباتنا الرائعات، اللواتي منحنَ هذه التجربة روحها وحضورها. فخورة بكنّ، وبما قدّمتنّ.
وللأستاذ إبراهيم الحارثي @I_H_H2023، الذي ما إن أراهن على شيءٍ يصنعه، إلا وأكسب الرهان! شكرًا، ولا تكفيك، على جهودك، وعلى وقتك الذي لم تتوانَ عن منحه، وعلى الأثر الذي تتركه في كل ما تمتد إليه يدك.