و قد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله : معاوية عندنا محنة ، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم ، يعني الصحابة . انظر البداية والنهاية لابن كثير (8/139) .
و سئل الإمام أحمد : ما تقول رحمك الله فيمن قال : لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ، ولا أقول إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً ؟
قال أبو عبد الله : هذا قول سوء رديء ، يجانبون هؤلاء القوم ، ولا يجالسون ، و نبين أمرهم للناس . انظر : السنة للخلال (2/434) بسند صحيح .
وقال الربيع بن نافع الحلبي ( ت 241 هـ ) رحمه الله : معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه . البداية والنهاية (8/139) .
وقال ابن خلدون: إن دولة معاوية و أخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين و أخبارهم ، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة . أنظر هذا القول في العواصم من القواصم ( ص 213) .
..
و ما ضر المسك معاوية عطره ، أن مات من شمه الزبال والجعل
أجمعت الأمةعلى تعديل الصحابة دون استثناء .. و لم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة
. انظر حول عدالة الصحابة : الاستيعاب لابن عبد البر (1/19) و فتح المغيث (3/103) و شرح الألفية للعراقي (3/13-14) والإصابة (1/9) و مقدمة ابن الصلاح (ص 147) والباعث الحثيث (ص 181-182) وشرح النووي على صحيح مسلم (15/149) والتقريب للنووي (2/214) والمستصفى للغزالي (ص 189-190 ) وفي غيرها من الكتب .
ذكر النووي في شرح صحيح مسلم (8/231) و ابن القيم في زاد المعاد (2/126) أن معاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح ، أي أنه أسلم سنة ( 8 هـ ) ، في حين ذكر أبو نعيم الأصبهاني كما في معرفة الصحابة (5/2496) و الذهبي كما في تاريخ الإسلام - عهد معاوية - ( ص 308) أنه أسلم قبيل الفتح .
ومرد الاختلاف بين المصادر حول تاريخ إسلام معاوية رضي الله عنه يعود إلى كون معاوية كان يخفي إسلامه ، كما ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات (1/131) ، وهو ما جزم به الذهبي ، حيث قال : أسلم قبل أبيه في عمرة القضاء أي في سنة ( 7 هـ ) وبقي يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبيه .. وأظهر إسلامه عام الفتح . انظر : تاريخ الإسلام عهد معاوية ( ص 308) .
وبعد هذا هل يبقى مطعن في معاوية رضي الله عنه من كونه من مسلمة الفتح وليس في ذلك مطعن - . وإن سلمنا بأنه من مسلمة الفتح ؛ فهل هذا يقلل من شأن صحبته رضي الله عنه
معاوية رضي الله عنه كان من كتاب الوحي ، و من أفضل الصحابة و أصدقهم لهجة و أكثرهم حلماً فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يهرق دماء المسلمين من أجل ملك زائل ، و هو القائل : والله لا أخير بين أمرين ، بين الله و بين غيره إلا اخترت الله على سواه . سير أعلام النبلاء للذهبي (3/151) .
وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفاً في حلم معاوية رضي الله عنه ، ولعل هذا من بركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاوية . انظر : تاريخ الإسلام للذهبي عهد معاوية ( ص 315)
روى الترمذي في فضائل معاوية أنه لما تولى أمر الناس كانت نفوسهم لا تزال مشتعلة عليه ، فقالوا كيف يتولى معاوية و في الناس من هو خير مثل الحسن و الحسين . قال عمير و هو أحد الصحابة : لا تذكروه إلا بخير فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اجعله هادياً مهدياً و اهد به . رواه الإمام أحمد في المسند (4/216) و صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/236) . و زاد الإمام الآجري في كتابه الشريعة (5/2436-2437) لفظة : ( ولا تعذبه ) . إسناده صحيح .
و أخرج الإمام أحمد ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم علم معاوية الكتاب و قه العذاب . فضائل الصحابة (2/913) إسناده حسن .
و أخرج أبو داود و البخاري في الأدب المفرد من طريق أبي مجلز قال : خرج معاوية على ابن الزبير و ابن عامر ، فقام ابن عامر و جلس ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر : اجلس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار . سنن أبي داود (5/398) و الأدب المفرد (ص 339) ، الشريعة للآجري (5/2464) .
و أخرج ابن كثير في البداية والنهاية بسند صحيح ، أن معاوية رضي الله عنه ، كان إذا لقي الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : مرحباً بابن رسول الله وأهلاً ، و يأمر له بثلاثمائة ألف ، و يلقى ابن الزبير رضي الله عنه فيقول : مرحباً بابن عمة رسول الله وابن حواريه ، ويأمر له بمئة ألف . البداية والنهاية (8/137) .
و أخرج الآجري عن الزهري قال : لما قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه و جاء الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى معاوية ، فقال له معاوية : لو لم يكن لك فضل على يزيد إلا أن أمك من قريش و أمه امرأة من كلب ، لكان لك عليه فضل ، فكيف و أمك فاطمة بنت رسول صلى الله عليه وسلم ؟! . أنظر كتاب الشريعة (5/2469-2470) إسناده حسن .
و فضائل معاوية رضي الله عنه كثيرة ثابتة عموماً و خصوصاً ، فبالإضافة إلى ما ذكرت ، أورد شيئاً منها ..
فأما العموم .. فلما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولانصيفه ) .
وأهل العلم مجمعون قاطبة على أن معاوية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أنه داخل في عموم هذا النص ، فمن سبه أو طعن فيه آثم بلا ريب بل سب الصحابة رضي الله عنهم من الكبائر .
وأما خصوصاً .. فلما رواه مسلم من حديث ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب ، فجاء فحطأني حطأة وقال : اذهب وادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت هو يأكل ، قال : ثم قال لي : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت :هو يأكل فقال : لا اشبع الله بطنه
هيئة التراث السعودية :
اكتشاف 1774 أثرا جديدا في عدد من المواقع بمحافظة المهد في المدينة المنورة .
ومن بين ما تم توثيقه ، نقش صخري نادر يحمل عبارة :
" الله ولي عمر بن الخطاب في الدنيا والآخرة
فائدة كبيرة جدا...
أن المبتدع و المنافق وصاحب الهوى
قد يقول كلمة الحق
لكنه يريد بها الباطل
قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ
🎙فضيلة الشيخ / #عبدالله_العبيلان حفظه الله
خطر التهاون مع الدعوات المخالفة لمنهج السلف
إن من أعظم واجبات أهل السنة أن يحفظوا الحدود التي وضعها الشرع، وأن يردوا الناس إلى النصوص، وأن يمنعوا البدع في بداياتها قبل أن تستفحل ، فالسنة لا تضيع دفعة واحدة، وإنما تضعف حين يُهوَّن من شأن المخالفات، وتُذوَّب الفوارق بين المشروع والمبتدع، ويُستثقل التحذير من الانحرافات باسم التيسير أو توسيع دائرة الخلاف .
كان السلف إذا رأوا البدعة في أول نشأتها اشتد إنكارهم لها، لا لأنهم يجهلون المصالح أو يضيقون واسعًا، بل لأنهم يعلمون أن البدع إذا تُركت بلا إنكار استحكمت، وإذا استحكمت صعب اقتلاعها .
وما انتشرت الأهواء في الأمم إلا يوم استصغر الناس بداياتها .
إن من أخطر ما يبتلى به الناس أن تُلبس البدع لباس الخلاف الفقهي، فيُقال: هذه مسألة اجتهادية، وهذه من الفروع، وهذه مما يسوغ فيه الخلاف ، ثم لا يزال هذا التهوين يتسع حتى تضعف هيبة النصوص في القلوب، ويقل استنكار المخالفات، وتتحول البدعة من أمر مستغرب إلى أمر مألوف، ثم من مألوف إلى شعار، ثم من شعار إلى سنة عند العامة .
ومن أعجب ما يُرى في بلادنا أن نرى من يقرر أن مسألة شد الرحال إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم - من الفروع الفقهية اليسيرة التي يسوغ فيها الخلاف، وكأنها مسألة تتعلق بمسائل الطهارة التي يسوغ الخلاف فيها ، لا بقضية لها صلة بالتوحيد والاتباع وسد ذرائع الشرك ، وهذا المسلك في الحقيقة ليس مجرد خطأ في التصنيف العلمي، بل هو من أعظم أسباب طمس السنن وإذهاب هيبتها من النفوس ، وإضعاف الإنكار على البدع، وفتح الأبواب التي دخل منها الضلال على أمم كثيرة قبل هذه الأمة .
ولهذا فإن تصوير شد الرحال إلى القبور على أنه مسألة فقهية مجردة يفرغ القضية من حقيقتها، ويغفل الصلة الوثيقة بينها وبين باب التوحيد ، فالمقصود ليس مجرد حركة الأقدام وانتقال الأجساد، وإنما المقصود نوع التعبد والتعظيم الذي من أجله وقع السفر .
وإن من أعظم واجبات أهل السنة أن يحفظوا الحدود التي وضعها الشرع، وأن يردوا الناس إلى النصوص، وأن يمنعوا البدع في بداياتها قبل أن تستفحل .
فالسنة لا تضيع دفعة واحدة، وإنما تضعف حين يُهوَّن من شأن المخالفات، وتُذوَّب الفوارق بين المشروع والمبتدع، ويُستثقل التحذير من الانحرافات باسم التيسير أو توسيع دائرة الخلاف ، فالواجب أن تبقى النصوص حاكمة، وأن يبقى التوحيد مصونًا، وأن تبقى البدع منكرة مهما صغرت في أعين الناس؛ فإن البدعة الصغيرة إذا أُهملت أورثت بدعة أكبر منها، والانحراف اليسير إذا لم يُقوَّم جرَّ إلى انحراف أعظم .
ومن تأمل تاريخ الفرق والأمم علم أن أكثر الضلالات الكبرى كانت في بدايتها أمورًا استهان الناس بها ولم يعطوها حقها من الإنكار والبيان ، وكذلك يجب منع الدعوات المخالفة لما عليه علماء أهل السنة الراسخون في هذه البلاد من أصول الاعتقاد والمنهج، حمايةً لعقائد الناس من الاضطراب، وحفظًا لوحدة المرجعية العلمية القائمة على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح .
من لم يكن له في أهل البدع صولة تردهم، وحجة تبطل شبههم، وتجلي الحق، فليس من ورثة الأنبياء
العبرة بالخاتمة، والعبرة بالمعتقد والمنهج الذي سار عليه العبد أومات عليه العبد، لا بما أخذه من تزكيات أو شهادات أو أسانيد قديمة. اوحديثة
وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
[ من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ]. رواه ابن وضاح وغيره.
وإن واصل بن عطاء رأس المعتزلة، كان تلميذًا للحسن البصري. كما كان بشر المريسي تلميذًا لأبي يوسف، صاحب أبي حنيفة. وكان عبد الله بن سبأ، رأس الفتنة، يظهر الإسلام، ويزعم اتباع الصحابة. فهل أغنت عنهم صحبة العلماء أو تزكياتهم، لما انحرفوا عن الجادة، وركبوا الأهواء؟
إن الإسناد والقراءة على العلماء في حد ذاتها ليست تزكية مطلقة، ولا شهادة على سلامة الاعتقاد والمنهج إلى الممات، بل قد يطلب الإسناد من باب الرواية أو التبرك أو العلو، وقد يكون الطالب مستقيمًا زمنًا ثم ينحرف، والعبرة بما استقر عليه حاله.
قال الإمام الذهبي في -السير- (ج7/ص 154):
[ كم من حافظ قد جمع وكتب وطلب، ولكن ما فهم ولا علم، فليس العالم من حفظ، إنما العالم من فهم وعمل، واتبع السنة، وإن قل حفظه. ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:
[ وليس كل من روى عن العلماء شيئًا صار من أهل العلم والدين، فإن المنافقين والزنادقة قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا من المؤمنين.] [مجموع الفتاوى 4/96]
بل إن كان المرء ممن يُعرف بنشر بدعة، أو نصرة مذهب منحرف، أو الدفاع عن جماعة ضالة كالإخوان والسرورية، فمهما قرأ أو تتلمذ، فهو مردود ولا كرامة، وسُنة الجرح والتعديل قائمة عليه، ومن أثنى عليه بعد قيام الحجة عليه بانحرافه، فإما جاهل لا يعلم حقيقته، أو متساهل يُرد قوله، أو متعاطف ضال مثله.
قال الإمام ابن القيم في -مدارج السالكين - :
[ من لم يكن له في أهل البدع صولة تردهم، وحجة تبطل شبههم، وتجلي الحق، فليس من ورثة الأنبياء.]
إذا سكت أهل الحق عن بيان الحق توهّم أهل الباطل أنهم على حق
فإن من أعظم نعم الله على عباده أن أقام في كل زمان من يبين الحق ويدعو إليه، ويكشف الباطل ويحذر منه، حتى لا تختلط السبل ولا تلتبس المعالم، قال تعالى: ﴿لِيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةࣲ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةࣲ﴾
ومن هنا كانت وظيفة العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله وظيفة عظيمة، إذ ليس المقصود منهم معرفة الحق فحسب، بل بيانه ونشره والذب عنه، والتحذير مما يضاده ،
وقد قيل: “إذا سكت أهل الحق عن بيان الحق توهم أهل الباطل أنهم على حق”، وهي كلمة جليلة تشهد لها نصوص الشرع ووقائع التاريخ، فإن الباطل لا يقوى بنفسه غالبًا، وإنما يقوى بسكوت أهل الحق عنه، فإذا غاب البيان ظن الجاهل أن السكوت إقرار، وظن المتردد أن الأمر لا بأس به، وربما توهم صاحب الباطل أنه مصيب ،
ولهذا ذم الله تعالى كتمان العلم، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ﴾، لأن كتمان الحق يفتح الباب لظهور الباطل وانتشاره ،
ولم يكن السلف الصالح يسكتون عن الأخطاء والبدع إذا ظهرت، بل كانوا يبينونها ويحذرون منها، رحمة بالخلق ونصحًا للأمة، لا انتصارًا لأنفسهم ولا طلبًا للعلو في الأرض ،
وما انتشرت بدعة من البدع في أمة من الأمم إلا وكان من أسباب انتشارها ضعف البيان أو غياب أهله أو ترددهم في إظهار الحق، فإن النفوس مجبولة على الاقتداء، فإذا رأت الخطأ ظاهرًا بلا نكير ألفته واعتادته، ثم ينتقل من كونه خطأً مستنكرًا إلى كونه رأيًا مقبولًا، ثم إلى مذهب متبوع، وربما آل الأمر بعد أجيال إلى أن يُجعل من الدين وهو ليس منه ،
غير أن بيان الحق والتحذير من الباطل لا يعني الظلم أو الجور أو تتبع الزلات، بل الواجب أن يكون البيان قائمًا على العلم والعدل والرحمة، فيُرد الخطأ ويُحفظ للمخطئ حقه، ويُعرف قدر أهل الفضل، فلا يحملنا بغض الخطأ على ظلم صاحبه، كما لا تحملنا محبة الأشخاص على السكوت عن أخطائهم ،
ومن الآفات المعاصرة أن بعض الناس جعل الدعوة إلى الرفق والستر ذريعة إلى ترك البيان والإنكار، حتى صار التحذير من الأخطاء عنده أشد من الخطأ نفسه، وهذا مسلك يفضي إلى ضياع معالم السنة وانتشار المخالفات؛ فإن الستر المشروع شيء، وكتمان الحق وترك البيان شيء آخر ،
كما أن من الناس من يقابل ذلك بالغلو، فيجعل الردود غاية، ويشتغل بالأشخاص أكثر من اشتغاله بالعلم والهدى، والحق وسط بين الطرفين؛ بيان للحق، وتحذير من الباطل، وعدل مع الخلق ، وإذا كان أهل الباطل لا يملون من نشر باطلهم والدعوة إليه، فإن أهل الحق أولى بالثبات على بيان الحق والدعوة إليه، بالحكمة والبصيرة والصبر، حتى تبقى معالم الدين ظاهرة، والحجة قائمة، والسبيل واضحة
(١)
خمسون وجهًا في صحة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وموافقتها للكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة
دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في أصولها الكلية ليست دعوةً جديدة، وإنما هي تقرير لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة في أبواب التوحيد والإيمان واتباع السنة وتعظيم النصوص والتحذير من الشرك والبدع ،فإذا تأمل المنصف هذه الأصول وجد أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم تأت بأصلٍ جديد في الدين، ولم تُحدث مذهبًا خامسًا، ولم تدعُ إلى تعظيم شخص أو طريقة أو حزب، وإنما دعت إلى ما دعت إليه الرسل جميعًا: إفراد الله بالعبادة، واتباع الرسول ﷺ، وتعظيم الوحي، وترك الشرك والبدع والمحدثات ، ولهذا كانت موافقتها للكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة من أقوى الشواهد على صحتها، كما أن كثرة الطعن فيها من أهل الأهواء والبدع لا يقدح فيها؛ فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا أكثر الناس تعرضًا للطعن مع أنهم أهل الحق ، ولم يكن سرّ الخصومة معها أنها دعت إلى الصلاة أو الصيام أو مكارم الأخلاق، وإنما لأنها أنكرت ما اعتاده الناس من الغلو في الصالحين، ودعاء الأموات، والتعلق بالقبور والمشاهد، وردّت الجميع إلى ميزان واحد: قال الله، وقال رسوله ﷺ، وقال السلف الصالح ، والمتأمل في كتب الإمام يجد أن عامتها آيات من القرآن، وأحاديث من السنة، وآثار عن الصحابة والتابعين والأئمة، حتى كأن خصومه لم يجدوا سبيلًا إلى نقض أدلته، فلجأ كثير منهم إلى تشويه الدعوة أو الطعن في صاحبها أو نسبة الأقوال إليها بغير برهان ، وإليك تفصيل الأصول التي قامت عليها دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، والتي تدل على موافقتها للكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة، وتكشف في الوقت نفسه حقيقة ما يُثار حولها من دعاوى وشبهات :
1. أنها تقرر أن الله وحده المستحق للعبادة، وهو إجماع الأنبياء وأهل السنة
2. أنها تقرر أن دعاء العبادة ودعاء المسألة حق لله وحده، وهو محل إجماع المسلمين
3. أنها تقرر تحريم الذبح لغير الله، وهو إجماع أهل السنة
4. أنها تقرر تحريم النذر لغير الله، وهو إجماع أهل السنة
5. أنها تقرر أن الشرك أكبر الذنوب، وهو إجماع المسلمين
6. أنها تقرر وجوب محبة النبي ﷺ واتباعه، وهو إجماع أهل السنة
7. أنها تقرر أن السنة حجة يجب اتباعها، وهو إجماع أهل السنة
8. أنها تقرر أن القرآن والسنة هما أصل الدين، وهو إجماع السلف
9. أنها تقرر أن الصحابة خير الأمة وأعلمها بالدين، وهو إجماع أهل السنة
10. أنها تقرر أن فهم السلف حجة في فهم النصوص، وهو أصل عند أهل السنة
11. أنها تثبت صفات الله الواردة في الكتاب والسنة بلا تحريف ولا تمثيل، وهو اتفاق السلف الصالح
12. أنها تقرر أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص، وهو مذهب أهل السنة
13. أنها تقرر أن أهل الكبائر لا يخرجون من الإسلام بمجرد الذنب، وهو مذهب أهل السنة
14. أنها تقرر وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف، وهو من أصول أهل السنة
15. أنها تحذر من الخروج المسلح وما يترتب عليه من الفتن، وهو من معتقد أهل السنة
16. أنها تقرر أن البدع مذمومة وأن الدين كامل، وهو إجماع السلف
17. أنها تقرر أن الأصل في العبادات التوقيف، وهو أصل مجمع عليه عند أهل السنة
18. أنها تقرر أن الحق يعرف بالدليل لا بالرجال، وهو معنى متفق عليه بين الأئمة
19. أنها تقرر احترام الأئمة الأربعة والاستفادة من علومهم
20. أنها تدعو إلى تجريد الاتباع للنبي ﷺ عند ظهور الدليل، وهو ما كان يدعو إليه الأئمة أنفسهم
21. أن الإمام لم يدعِ العصمة لنفسه ولا لدعوته، بل كان يكرر: إذا صح الحديث فهو مذهبي، والحق أحق أن يتبع
22. أن كتبه ليست كتب فلسفة أو كلام، بل يغلب عليها الاستدلال بالآيات والأحاديث وآثار السلف
23. أن خصومه يكثرون من الكلام عنه، بينما هو يكثر من الكلام عن الله ورسوله ﷺ
24. أنها لم تجعل النجاة في الانتساب إلى جماعة أو طريقة، بل في اتباع الوحي
25. أنها وافقت أئمة التفسير في تفسير آيات الشرك والدعاء والعبادة
26. أنها وافقت أئمة الحديث في الاحتجاج بالأحاديث الواردة في التوحيد والشفاعة والدعاء
27. أنها لم تنفرد بإنكار الاستغاثة بالأموات، بل سبقها إلى ذلك أئمة من المذاهب الأربعة
28. أنها لم تنفرد بإثبات الصفات الخبرية، بل هو مذهب السلف وأهل الحديث قبل ولادة الإمام بقرون
29. أنها لم تدعُ إلى هدم المذاهب، وإنما إلى ردّ النزاع إلى الدليل
30. أنها وافقت الأئمة الأربعة في ذم البدع والتحذير منها
31. أنها وافقت السلف في أن كل عبادة تحتاج إلى دليل من الشرع
32. أنها وافقت إجماع المسلمين على أن النبي ﷺ لا يُعبد، وإنما يُتبع ويُطاع ويحب
33. أنها فرقت بين حق الله وحق رسوله ﷺ، فلم تنقص الرسول حقه ولم ترفعه إلى منزلة الربوبية
إذا سكت أهل الحق عن بيان الحق توهّم أهل الباطل أنهم على حق .
فإن من أعظم نعم الله على عباده أن أقام في كل زمان من يبين الحق ويدعو إليه، ويكشف الباطل ويحذر منه، حتى لا تختلط السبل ولا تلتبس المعالم، قال تعالى: ﴿ لِيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةࣲ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةࣲ ﴾
ومن هنا كانت وظيفة العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله وظيفة عظيمة، إذ ليس المقصود منهم معرفة الحق فحسب، بل بيانه ونشره والذب عنه، والتحذير مما يضاده .
وقد قيل: ( إذا سكت أهل الحق عن بيان الحق توهم أهل الباطل أنهم على حق ) ، وهي كلمة جليلة تشهد لها نصوص الشرع ووقائع التاريخ، فإن الباطل لا يقوى بنفسه غالبًا، وإنما يقوى بسكوت أهل الحق عنه، فإذا غاب البيان ظن الجاهل أن السكوت إقرار، وظن المتردد أن الأمر لا بأس به، وربما توهم صاحب الباطل أنه مصيب .
ولهذا ذم الله تعالى كتمان العلم، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ﴾، لأن كتمان الحق يفتح الباب لظهور الباطل وانتشاره .
ولم يكن السلف الصالح يسكتون عن الأخطاء والبدع إذا ظهرت، بل كانوا يبينونها ويحذرون منها، رحمة بالخلق ونصحًا للأمة، لا انتصارًا لأنفسهم ولا طلبًا للعلو في الأرض .
وما انتشرت بدعة من البدع في أمة من الأمم إلا وكان من أسباب انتشارها ضعف البيان أو غياب أهله أو ترددهم في إظهار الحق، فإن النفوس مجبولة على الاقتداء، فإذا رأت الخطأ ظاهرًا بلا نكير ألفته واعتادته، ثم ينتقل من كونه خطأً مستنكرًا إلى كونه رأيًا مقبولًا، ثم إلى مذهب متبوع، وربما آل الأمر بعد أجيال إلى أن يُجعل من الدين وهو ليس منه ،
غير أن بيان الحق والتحذير من الباطل لا يعني الظلم أو الجور أو تتبع الزلات، بل الواجب أن يكون البيان قائمًا على العلم والعدل والرحمة، فيُرد الخطأ ويُحفظ للمخطئ حقه، ويُعرف قدر أهل الفضل، فلا يحملنا بغض الخطأ على ظلم صاحبه، كما لا تحملنا محبة الأشخاص على السكوت عن أخطائهم .
ومن الآفات المعاصرة أن بعض الناس جعل الدعوة إلى الرفق والستر ذريعة إلى ترك البيان والإنكار، حتى صار التحذير من الأخطاء عنده أشد من الخطأ نفسه، وهذا مسلك يفضي إلى ضياع معالم السنة وانتشار المخالفات؛ فإن الستر المشروع شيء، وكتمان الحق وترك البيان شيء آخر .
كما أن من الناس من يقابل ذلك بالغلو، فيجعل الردود غاية، ويشتغل بالأشخاص أكثر من اشتغاله بالعلم والهدى، والحق وسط بين الطرفين؛ بيان للحق، وتحذير من الباطل، وعدل مع الخلق ، وإذا كان أهل الباطل لا يملون من نشر باطلهم والدعوة إليه، فإن أهل الحق أولى بالثبات على بيان الحق والدعوة إليه، بالحكمة والبصيرة والصبر، حتى تبقى معالم الدين ظاهرة، والحجة قائمة، والسبيل واضحة
نشكر المولى عز وجل أن شرّفنا بخدمة الحرمين الشريفين، ورعاية حجاج بيته الحرام، سائلين الله أن يتقبل من الحجاج حجهم ونسكهم وطاعاتهم.
ومع حلول عيد الأضحى المبارك، نهنئ شعبنا في هذا الوطن المبارك وأمتنا الإسلامية بهذه المناسبة، وندعوه سبحانه أن يجعله عيد خير وسلام واستقرار على أمتنا والعالم أجمع.
وكل عام وأنتم بخير.