هَلَّ الخميس وزانت أوقات الأحباب
والقلب من عقب التعب صار مرتاح
سكّر ملفات العمل واقفل الباب
خلّ السهر للقهوة وصحبة الأرواح
بعض السعادة لَمّةٍ دون أسباب
ناسٍ نشوف وجيههم والهمّ ينزاح
أسهر أناظر نجوم الليل في عتمة سماه
وأسرح مع الذكرى وقلبي يناديك
كلّ ما مرّ طيفك قلت: يا زين لقياه
وكلّ ما غاب عن عيني تمنّيت ألاقيك
يا بعيد الدار، قلبي ما تناسى هواه
كلّ نجمة في السما تسألني: وش يبكيك؟
قلت: شوقٍ سكن قلبي وطوّل مداه
ليت دربٍ خذاك اليوم باكر يجيبيك
يا زين رذاذ المطر فوق الأغصانْ
يا زين نسمة صباحٍ بها أمانْ
والغيم لا مرّ في صمتٍ وحنانْ
يسقي زهور الفرح في كل مكانْ
والمطر لا همس للقلب الولهانْ
تنسى معه الروح همٍّ كان وأحزانْ
يا رب ديمٍ تبلّل كل بستانْ
وتزرع الفرح في قلوب الإنسانْ
يمضي الوقت وأنا في الانتظار
كأنّ عمري واقفٌ خلف السنين
أعدُّ لحظاتي ولا يأتي النهار
وأخبّئ الشوق بين الصمت والأنين
ضاع الوقت… وضاع معه الكثير
وبقي انتظارٌ لا يعرف الرحيل
كأنني أترقب شيئًا مستحيل
وأمشي إلى الأمس… بخطوةٍ من حنين.
يصمتُ الإنسانُ حينَ يعجزُ الكلامْ
وحينَ يسكنُ في ضلوعِهِ ألفُ عامْ
يُخفي الحكايا خلفَ وجهٍ هادئٍ
ويظلُّ يحملُ في فؤادِهِ ما يُضامْ
ما كلُّ صمتٍ راحةٌ وطمأنينةْ
فالصمتُ أحيانًا حُطامٌ فوقَ حطامْ
كم من عيونٍ في السكونِ تكلّمتْ
وكمِ القلوبِ بها من الوجعِ ازدحامْ
يا غيمةٍ مرّت على صدر السما
وسقت من الحلم العطش والانتظار
والليل ساكن، والنجوم من حوله
ترسم على وجه السكون ألف حوار
يا سماء الليل، يا سرّ المدى
كم خبّأتِ بين النجوم من الأسرار
فيكِ الغيوم كأنها أحلامنا
تمضي، ويبقى في الفؤاد لها آثار
يا نورَ قمرٍ في عتمةِ الليلِ بانْ
تسري على وجهِ السما مثلَ الأمانْ
تغفو النجومُ على ضيائك هادئةً
ويحلو معك السمرُ وتصفو الأحزانْ
يا قمرًا إن لاحَ طيفُهُ في الدجى
أحيا بقلبي من الأملِ ألفَ مكانْ
تبقى جميلًا ما بقى ليلٌ وسهرْ
وتبقى حكايةَ عشقٍ يرويها الزمانْ
وحدي، ولكن في ضلوعي حكاياتْ
وصمتي أبلغ من كثير العباراتْ
أمشي وحيدًا والليالي شاهدةْ
أنّي فقدتُ من الرفاقِ الأمنياتْ
أضحك مع الناسِ والوجعُ داخلي
وأعودُ آخرَ الليلِ مثقلَ بالآهاتْ
ما أقسى الوحدةَ حين يكون حولك الجميع،
ولا تجدُ بينهم قلبًا يفهمك دون كلماتْ.
أفتقدُك… لا لأنَّ الغيابَ طالَ،
بل لأنَّ حضورَك كانَ شيئًا لا يُعوَّض.
وفي غيابِك أُحادثُ الصمتَ عنكَ،
فكلُّ الطرقِ التي أعرفُها تنتهي إليكَ.
أفتقدُك بطريقةٍ لا يفهمُها أحد،
كأنّي أبحثُ عنكَ في تفاصيلِ أيّامي… ولا أجدُك.
الغيابِ لا يُقاسُ بالمسافة،
بل بما يتركُهُ في الروحِ.