ظاهرة «الأعمال المبالغ في تقديرها» في الثقافة المعاصرة (Overrated)
محمد العباس
تتكرر في السنوات الأخيرة أحاديث واسعة حول الأعمال الأدبية التي يصفها بعض القراء من الجيل الجديد بأنها مبالغ في تقديرها Overrated لدرجة التسخيف. وتظهر هذه الظاهرة في ثقافات متعددة حول العالم مع اختلاف درجات حضورها وطبيعة النقاشات المرتبطة بها. ففي العالم الناطق بالإنجليزية تدور مناقشات مستمرة حول عدد من الروايات التي تحتل مكانة رفيعة في تاريخ الأدب كروايات جيمس جويس، وجيروم سالينجر، وسكوت فيتزجيرالد وغيرهم. إذ يرى فريق من القراء أن تلك الأعمال حصلت على تقدير يفوق قيمتها الفعلية، في حين يتمسك فريق آخر بمكانتها بوصفها محطات مؤثرة في تطور الفن الروائي.
ويمكن العثور على جدل مشابه في فرنسا حول أعمال مارسيل بروست، وفي روسيا حول ليو تولستوي وفيودور دوستويفسكي، وفي اليابان حول ناتسومي سوسيكي. أما في العالم العربي، فتظهر نقاشات مماثلة حول أعمال نجيب محفوظ، حيث يرى بعض القراء أن مكانته الأدبية الاستثنائية دفعت إلى تقدير بعض أعماله بدرجة تفوق قيمتها الفنية، في حين يعده آخرون أحد أهم الروائيين في تاريخ الأدب العربي الحديث وصاحب تأثير عميق في تطور الرواية العربية.
وقد اكتسبت هذه النقاشات زخمًا أكبر مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات القراءة الرقمية، التي أتاحت للقراء مساحة واسعة للتعبير عن آرائهم وتبادلها مع جمهور كبير. وخلال عقود سابقة، كان تشكيل الأحكام الأدبية يجري بدرجة كبيرة داخل الجامعات والصحف الثقافية والمجلات المتخصصة. أما اليوم، فقد أصبح من السهل على أي قارئ أن ينشر رأيه في عمل كلاسيكي وأن يصل صوته إلى آلاف المتابعين خلال وقت قصير، مما أدى إلى ولادة نوع من "ديمقراطية النقد" الرقمية التي كسرت مركزية النخب الثقافية التقليدية.
ومع ذلك، فإن هذا الفضاء الرقمي ليس فضاءً محايدًا. فالأمر لا يتوقف عند حدود الرغبة البريئة في التعبير، بل يتعداه إلى سياق تكنولوجي واقتصادي معقد تحكمه خوارزميات صناعة الجدل. فالحقيقة الراهنة تشير إلى أن خوارزميات هذه المنصات تكافئ الصدمة والمخالفة لضمان أعلى نسب تفاعل. فالقول بأن رواية مثل «أولاد حارتنا» أو «الجريمة والعقاب» هي أعمال عظيمة لن يجلب أي تفاعل يذكر لأنه يقع في خانة التحصيل الحاصل. وفي المقابل، فإن كتابة منشور أو صناعة فيديو بعنوان «لماذا أرى نجيب محفوظ كاتبًا مملًا ومبالغًا في تقديره؟» كفيل بتفجير موجة من التعليقات والمشاركات الصاخبة. ومن هنا، يلاحظ أن الكثير من اتهامات الـ (Overrated) تقودها رغبة مبطنة في حصد التفاعل الرقمي الجماهيري، حيث يتحول الهدم الأدبي إلى عملة رقمية رابحة.
ومن زاوية ثقافية وسيكولوجية أوسع، يمكن فهم هذه الظاهرة في إطار نزعة عامة تدفع المجتمعات الحديثة إلى مراجعة الأفكار الموروثة وإعادة النظر في الأحكام الراسخة. فالأجيال الجديدة تميل بطبيعتها إلى طرح الأسئلة حول المسلمات السائدة وتفحصها من جديد، وينسحب هذا الاتجاه على الأدب أيضًا. غير أن هذه المراجعة تتداخل أحيانًا مع سيكولوجية "شهوة الهدم" بوصفها رواجاً (Trend) ثقافياً. إذ تميل الأجيال الشابة أحيانًا إلى هدم ما تصفه بالأصنام الثقافية كنوع من إثبات الذات وتحقيق الاستقلالية الفكرية عن جيل الآباء. وبناءً على ذلك، يصبح وصف عمل ما بأنه "مبالغ في تقديره" وسيلة تمنح القارئ شعورًا بالتميز والنخبوية الفوقية، موحيًا لنفسه وللآخرين بأنه يملك من عمق الرؤية ما يجعله يرى عيوباً خفيت عن الملايين قبله.
هذه النزعة الجيلية تقع غالباً في إشكالية "المقايسة الزمنية الخاطئة، حيث ينبع جزء كبير من اتهام الكلاسيكيات بالمبالغة من محاكمة أعمال القرن التاسع عشر أو العشرين بأدوات ومعايير القرن الحادي والعشرين الثقافية والفنية. فالقارئ المعاصر، الذي نشأ واعتاد على الإيقاع السينمائي السريع والقصص المكثفة الخاطفة، قد يرى إسهاب مارسيل بروست النفسي أو وصف ليو تولستوي التفصيلي الطويل أمرًا مملًا ومبالغًا في قيمته، متناسيًا أن هذا البطء وهذا الاسترسال كانا هما التكنيك الروائي المعياري السائد في عصرهما، وأن قيمة العمل الحقيقية لا تُقاس بمدى تلبيتها لشروط العصر الرقمي الحالي، بل في ريادتها وتأسيسها التاريخي لما جاء بعدها من فنون ومذاهب أدبية.
ومع ذلك، فإن إعادة تقييم الكلاسيكيات تمتد جذورها إلى فترات سابقة، فكل جيل تقريبًا أعاد قراءة التراث الأدبي وفق رؤيته الخاصة وسعى إلى تحديد ما يستحق البقاء في دائرة الاهتمام. غير أن الفارق الجوهري في عصر الإنترنت يتمثل في سرعة انتشار الآراء واتساع نطاق تداولها، فالنقاش الذي كان يجري بين عدد محدود من النقاد والباحثين في صالونات مغلقة أو دوريات متخصصة، أصبح اليوم جزءًا من الحوار الثقافي اليومي المشاع بين جمهور واسع من القراء.
من يتصفح عددًا كبيرًا من القراءات/ الدراسات النقدية الأدبية يجدها بعيدة عن النص الأدبي الذي تشتغل به..
تبدو للراصد أحيانًا محاولة إثبات للمعرفة بالمنهج أو النظرية أكثر منها محاولة لكشف أو استكشاف النص!
هذه الملحوظة لا تقلل من قيمة المناهج والنظريات، بقدر ما تنبه على أهمية أن تكون القراءة قائمة على حوار حي مع النص، فالنص هو المحور، وما المنهج إلا أداة، ويجب أن يظل كذلك !
في إحدى غرف المستشفى الرئيس بمدينة الملك فهد الطبية دخلت الممرضة، وبعد أن ألقت التحية سألت: "هل تشعر بألم؟"
أجاب المريض بالنفي، وحين خرجت سألتُهُ عن سرّ النفي وأنا أشهدُ معه التألُّمَ نَفَسًا نَفَسًا، فأجاب: "الألم نعمة .. فرصة" !
لاعلم لهذا المريض المُسِنّ بمحاولات الربط بين الألم والمعرفة، تلك التي طرحتها فلسفات قديمة وحديثة، وشاعت في مقولات مستهلكة، ومع ذلك اكتشف هذا الارتباط، وأظنُّ أنه صاغ هذا الاكتشاف في صياغة أدلّ وأقوى!
هذا المشهد يقنعنا بأهمية التجربة، وبأنّ خلاصاتها تظهر جلية لكل من طرقها حتى لو كان أمّيًا، وإن تفاوت المجرّبون بعد ذلك في التفكير فيها، والتعبير عنها، والإقناع بها..
وربما تفسر لنا هذه الالتقاطة عجز كثير من الروائيين في تمثيل الألم كمحفز أو منتج لمعرفةٍ ما، وعجز كثير من الشعراء كذلك، وعجز كثير من الأعمال الفنية أيضًا، فتجربة الألم (أي ألم / مادي أو معنوي) هي التي تمنح الكاتب والفنان الفرادة في تصوير/ تمثيل هذا الارتباط، وبغياب هذه التجربة نجد أنفسنا أمام أعمال استعراضية، متشبعة بالخلاصة الفلسفية، لكنها عاجزة عن منحنا فرصة مشاهدتها في تجربة حية.
في ذاكرة كل واحد منكم بالتأكيد مشاهد استعراضية..
هامش:
التجربة كلُّ شيء !
في إحدى غرف المستشفى الرئيس بمدينة الملك فهد الطبية دخلت الممرضة، وبعد أن ألقت التحية سألت: "هل تشعر بألم؟"
أجاب المريض بالنفي، وحين خرجت سألتُهُ عن سرّ النفي وأنا أشهدُ معه التألُّمَ نَفَسًا نَفَسًا، فأجاب: "الألم نعمة .. فرصة" !
لاعلم لهذا المريض المُسِنّ بمحاولات الربط بين الألم والمعرفة، تلك التي طرحتها فلسفات قديمة وحديثة، وشاعت في مقولات مستهلكة، ومع ذلك اكتشف هذا الارتباط، وأظنُّ أنه صاغ هذا الاكتشاف في صياغة أدلّ وأقوى!
هذا المشهد يقنعنا بأهمية التجربة، وبأنّ خلاصاتها تظهر جلية لكل من طرقها حتى لو كان أمّيًا، وإن تفاوت المجرّبون بعد ذلك في التفكير فيها، والتعبير عنها، والإقناع بها..
وربما تفسر لنا هذه الالتقاطة عجز كثير من الروائيين في تمثيل الألم كمحفز أو منتج لمعرفةٍ ما، وعجز كثير من الشعراء كذلك، وعجز كثير من الأعمال الفنية أيضًا، فتجربة الألم (أي ألم / مادي أو معنوي) هي التي تمنح الكاتب والفنان الفرادة في تصوير/ تمثيل هذا الارتباط، وبغياب هذه التجربة نجد أنفسنا أمام أعمال استعراضية، متشبعة بالخلاصة الفلسفية، لكنها عاجزة عن منحنا فرصة مشاهدتها في تجربة حية.
في ذاكرة كل واحد منكم بالتأكيد مشاهد استعراضية..
هامش:
التجربة كلُّ شيء !
@alrafai تتعطل معنى الحياة حين تستقيل أو تُقَال اللغة!
أرى أنه حين يتوقف الإنسان عن الإنصات، تموت الكلمات وإن بقيت تُقال، وحين يبقى اكتشاف الطرف الآخر حيًا، تتجدد اللغة مهما تكررت الألفاظ. اللغة لا تشيخ، هي تولد من جديد مع كل حوار…
يعوّل كلّ طرف في بداية العلاقات الثنائية على اللغة وإمكاناتها في اكتشاف الطرف الآخر، ويشعر الطرفان بحرارة اللغة وقيمتها وقدرتها ولذتها وهي تمارس هذا الدور الخلاق بينهما، بل ربما وجدا فيها فرصة لاكتشاف الذات عبر الحكي المنمّق عنها..
يستمر الوضع كذلك حتى يقتنع كلّ طرف بأنه اكتشف من الآخر ما يريد اكتشافه، أو اكتشف ما يمكن أن يُكتشف منه، وقتها سنشهد تحولاً في صورة اللغة وفي مستوى الشعور بها؛ إذ تبدو لنا هشّة بعد متانة، باردة بعد حرارة، عامة بعد تشبُّعٍ بالخاص، وتبدو لنا معالمها عاجزة عن الإدهاش، خالية من الإنسانية، بعيدة كل البعد عنّا..
ماذا لو كان الاكتشاف لدى هذين الطرفين أبعد وأعمق؟ وماذا لو دخل الاكتشاف علاقة تبادلية بينهما على مستوى الذوات، والمعاني، والأشياء؟ وماذا لو كان الطرفان أديبين، قادرين على منح اللغة الصوت والضوء والحركة، وعلى النفاذ من فجواتها بهدوء إلى سؤال شائك أو جواب صادم؟
حتمًا ستبقى اللغة، وستتمدد، وستتحول علاقتنا بها من علاقة ترف، إلى حاجة، ومنها إلى ضرورة، حتى تكون شرط حياة!
هامش:
يتعطل معنى الحياة ..
حين تستقيل أو تُقَال اللغة!
@alrafai صحيح أن اللغة هي روح العلاقات الإنسانية، لكنها ليست وحدها الضامن لاستمرارها. هناك علاقات تتجاوز الكلمات إلى الأفعال والمواقف. أحيانًا تعجز اللغة عن حمل ما نشعر به، بينما تنجح نظرة صادقة أو موقف نبيل في قول ما لا تستطيع آلاف الكلمات قوله.
كل مقال من هذه المقالات أحدث تغييراً عميقاً في نفسي، في طريقتي في التصرف مع الذات ومع الآخرين. صحيح أن نصوصنا خطابات ننسجها لكي نؤثر في الآخرين ولكنها، في الواقع تؤثر أولاً، في أعماق وجداننا. أسمى ما في فعل الكتابة، أن نكتب لكي ننتقل إلى منزلة أعلى في التفكير، ولكي نطور أنفسنا إنسانياً، ونقترح على الآخرين مشاطرتنا ذلك.
…..
قلق القول - في أخلاقيات الخطاب والمثاقفة
عبدالله الخطيب
أتفق معك عزيزي طامي؛ لذلك ختمتُها بضرورة التفريق بين (الاتزان) و(التوازن)، فالأول سلوك فردي، والثاني (وهو ماتركز عليه الدراسات) سلوك جماعي/ مجتمعي، ينتج عن توزيع سليم للعناصر الفاعلة في حياتنا، وهذا التوزيع فوق قدرة الفرد غالبا، وفوق إمكاناته.
إن توجيه الخطاب إلى الفرد بضرورة التوازن لامعنى له، ويؤكد ماتفضلتَ به (أضحت مفردة استشفائية - مفردة حالمة)، بل حتى الاتزان (وهو سلوك فردي كما أسلفتُ) ليس سهلاً، وعملية اكتسابه -مهما سطّحتها الدورات التدريبية التجارية- ليست سهلة، بل تحتاج إلى:
- تجربة متراكمة
- وأيضا (وهو الأهم) شبكة دعم، تشعرك بإمكانية الاتزان، وتحمل معك بعض تبعاته التي أشرتَ إليك في ردك (كل شيء يحرضه على أن يذهب إلى الأقصى)..
تتعدد الظواهر وتتنوع، وتُصنّف على أكثر من أساس، وأكثرها جذبًا للباحثين والقراء، الظواهر النفسية والاجتماعية..
ومن يقرأ بعض الأبحاث في هذين المجالين يجدها تنتهي -في الغالب- إلى تأكيد أهمية التوازن (هكذا)؛ للخروج من سلبيات هذه الظاهرة أو تلك، فمثلا عند معالجة ظاهرة الاختلاط الدائم بالآخرين وآثارها السلبية، يستحضر الباحث الآثار السلبية المترتبة على الظواهر المقابلة، كالعزلة أو الانقطاع التام، أو الانسحاب المتدرج من الحياة في الخارج (خارج الحيّز الخاص)، فيُضطر الباحث هنا للتنبيه إلى أهمية التوازن، ويعد هذه الإشارة بمثابة الخلاص المتاح من تبعات الظاهرة محل الدراسة، والظواهر الأخرى التي تقع في الشارع المقابل..
وبعيدا عن الجانب المنهجي في هذه الالتقاطة، فإن التوازن (بوصفه علاجًا أو وقاية) لم ينل حظًا كافيًا من الدراسة، ولم يُقدّم للقارئ في آلية سهلة وعملية، ولم يُمنح ما يستحقه في التداول العام (التعليم، الإعلام، الفن…)، وكأن التوازن مبدأ واضح ومتفق عليه وعلى صورته، وكأنه سهل وفي متناول الجميع، ويمكن تحصيله في أي وقت.
هامش:
التوازن غير الاتزان !
الشغف بالقراءة سلاح ذو حدين ..
نعم، لقد فتحت القراءة شهية الكثيرين لأخذ المعرفة، وهيّأتهم لالتقاط خلاصات التجارب أينما وجدوها.. لكنها في المقابل فرضت على آخرين طوقًا عازلاً، ضاعفت به عزلتهم، وأوهمتهم بالاكتفاء الذاتي الأبدي إلا من الكتب، وفي حدود ما يرونه مهماً من مجالات وموضوعات وقضايا..
الكتاب وسيلةٌ ، وسيظل كذلك، والصيد الوفير منه ليس في المعلومات التي يقدمها، بل في فتح أبوابك ونوافذك؛ لتكون مستعدا للاستفادة من جميع القنوات والوسائل (المجالس، كبار السن، الأطفال، الأميون، مَن تتوهّم أنك تعلّمهم، حركة الناس من حولك، الحوارات العابرة.. إلخ).
هامش:
الأصل في القراءة إزالة الحواجز..
فلا تخدعك فتنة القشور!
نكرّر دائماً (البحث عن الهدوء) ..
ونقرأ كثيرًا عن آليات هذا البحث ..
ننطلق من قناعةٍ (لا أعرف كيف تشكلت) بأن الهدوء يقع في مكانٍ ما خارجنا، ولابد من العثور عليه، ومع الأيام نزداد شعورًا بالحاجة إليه، وإحساسًا بالبعد عنه!
الهدوء ليس ضد الضوضاء
ليس نقيضًا للفوضى
ليس العزلة التي تفصل بين الإنسان ومحيطه
الهدوء يمكن أن يتجلى في صورة وعي مرتّب/ مدرّب/ يمنحنا الاستحضار، والتماسك، والاستقرار، حتى في أسوأ اللحظات..
هامش:
الهدوء قرار داخلي!
رحم الله الشيخ حسَّان بن يوسف ياسين، المستشار والذاكرة الإدارية المتقدّة.
التقيتُه في منزله، رمضان الماضي، بمعية سمو الأمير بدر الفرحان، وزير الثقافة، ومعالي الأستاذ حامد فايز، فكانت جلسة ثرية تدفَّقت فيها ذاكرة الشيخ حسَّان بالعديد من المواقف التي كان شاهدًا عليها. وكان الأمير بدر حريصًا على توثيق سيرته في العمل الدبلوماسي والإداري والاجتماعي. وكلما استطرد الشيخ حسَّان في موضوعٍ ما، أعاده الأمير بدر والأستاذ حامد إلى موضوع توثيق سيرته، وهو يهزُّ رأسه ما بين قبول وإيجاب، ثم التفت عليَّ وقال: من أين أبدأ، وكيف انتهي؟!
قلتُ: نبدأ في التسجيل من عام 1924، العام الذي حلَّ به والدكم في هذه البلاد، وعاش في كنف ورعاية المليك المؤسس، سكرتيرًا ومستشارًا ومبعوثًا سياسيًا، وننتهي في هذا العام، فنكون قد وثَّقنا قرنًا سعوديًا كاملًا، كنتم ووالدكم المستشار السياسي الرفيع يوسف ياسين شهودًا عليه.
اتفقنا على البدء في العمل بعد العيد. وحينما تواصلتُ معه بعد العيد ولم أجد تجاوبًا، أخبرتُ الأستاذ حامد فايز، الذي وعدني أن يلتقيه هذا الأسبوع لبحث الموضوع معه، لكن كان الموت إليه أسبق. رحمه الله وغفر له، والعزاء لذويه ومحبيه، وهم كثر.
الصورة للشيخ حسَّان في مكتب والده في قصر المربَّع.