في رمضان لا يتغيّر الوقت فحسب، بل يتغيّر وعينا به. كأن الأيام تمشي على أطرافها، وكأن الروح تتخفّف من ضجيجها الداخلي لتصغي إلى همسٍ أقدم من اللغة. هناك، في ذلك الصفاء العابر، نلامس معنى السكينة لا بوصفها غيابًا للصوت، بل حضورًا عميقًا للمعنى.
كلما تنفّس القلب سكون هذا الشهر، انفتح سؤال الجنة لا كصورةٍ حسّية فحسب، بل كفكرةٍ عن الاكتمال. ما الجنة؟ أهي مكانٌ تُفتح أبوابه، أم حالةٌ تُفتح فيها بصائرنا؟ حين يُقال لنا: فُتحت لكم أبوابها، هل يكون الفتح في الخارج أم فينا؟ لعلّ الخطوة الأولى على عتبتها ليست انتقال قدمٍ، بل تحوّل كيان؛ أن نخلع خوفنا الأخير كما نخلع نعلاً أرهقته الطرقات.
كيف يكون الشعور حين يتلاشى القلق لا لأننا نسيناه، بل لأن سببه انعدم؟ حين يسقط الموت من معادلة الوجود، ويغدو الفراق ذكرى من عالمٍ كان، لا من عالمٍ يكون؟ هناك، لا يعود اللقاء تعويضًا عن غياب، بل استعادةً لأصلٍ لم ينقطع. نرى أحبتنا لا كعابرين في زمنٍ محدود، بل كأنوارٍ استقرّت في أبدٍ لا يشيخ. تمتلئ أعيننا بهم لا خوفًا من فقد، بل يقينًا بألا فقد بعد اليوم.
الجنة، إذًا، ليست وفرة نعيمٍ فحسب، بل وفرة طمأنينة؛ ليست فقط نفيًا للمرض والهمّ، بل إثباتًا لمعنى السلام الكامل. هي اللحظة التي ينتهي فيها السؤال القلق: ماذا بعد؟ لأن “البعد” نفسه قد انحلّ في خلودٍ لا يتشظّى.
ثم تأتي الذروة التي يعجز عنها الخيال: أن يُؤذن لنا بالنظر إلى وجه ربّ العزّة والجلال. نحن الذين عبدناه إيمانًا بالغيب، وسرنا إليه بقلوبٍ تتلمّس أثره في كل شيء، نُدعى أخيرًا إلى حضرته. هناك تبلغ الرحمة مداها؛ لا لأننا أحسنّا العبادة، بل لأنه سبحانه وسِعت رحمته كل شيء. ندرك أن الطريق لم يكن بكمال أعمالنا، بل بفيض عفوه وكرمه.
جنةٌ عرضها السماوات والأرض ليست اتساع مكان، بل اتساع قرب. أن نكون في جوار من خلقنا، وقد أزاح عنا ثقل الاختبار، وألبسنا خفّة الرضا. هناك فقط نفهم أن السكينة التي تلمع في رمضان لم تكن إلا ظلًّا بعيدًا لتلك الحقيقة الكبرى؛ ومضةً صغيرة من نور الخلود.
يا رب، ما عبدناك حق عبادتك، لكنك ربٌّ سبقت رحمته غضبه، وسبق حلمه تقصيرنا. نسألك مرافقة نبيّك في جنتك، وأن تجمعنا بأحبابنا والمسلمين أجمعين، في مقامٍ لا خوف فيه ولا حزن… مقامٍ تكون فيه الرحمة هي الحقيقة الوحيدة الباقية.