ثعالب يمنية بمكياج الحمل الوديع
في أوساط النشطاء اليمنيين في الخارج — وغالباً من الموجودين والموجودات في الولايات المتحدة — تظهر فئة ناعمة يدّعون الحياد والموضوعية، لكنهم يمارسون شكلاً من الخداع المنهجي يهدف إلى خلق مساواة زائفة بين طرفين غير متكافئين أصلاً: المليشيات الحوثية الانقلابية من جهة، والحكومة الشرعية المعترف بها دولياً من جهة أخرى.
كيف تتعرف عليهم؟
1. تجنب الوصف الدقيق للطرفين ينتقدون الحوثيين بشدة، لكنهم يرفضون تسميتهم بـ«مليشيات انقلابية إرهابية» استولت على العاصمة بالقوة عام 2014، وحلت البرلمان، وألغت الدستور، وفرضت سيطرتها على مؤسسات الدولة. في المقابل، ينتقدون الحكومة الشرعية، لكنهم يتجنبون الاعتراف بأنها السلطة الشرعية الوحيدة المعترف بها من الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومعظم دول العالم، وتمثل الاستمرارية القانونية للدولة اليمنية.
2. الغرق في التفاصيل الهامشية لتغييب الصورة الكلية بدلاً من مناقشة جوهر الصراع (انقلاب على الدولة vs. استعادة الدولة)، يركزون على قضايا فرعية وهامشية، ثم يستخدمونها للمساواة بين الطرفين. النتيجة المقصودة: «كلاهما سيء، وكلاهما مرفوض». هذه المساواة الزائفة ليست موقفاً محايداً، بل هي أداة سياسية لإضفاء شرعية غير مباشرة على المليشيات الانقلابية، وفتح أبواب العودة والتطبيع معها مستقبلاً. وهذا أخطر بكثير من وجود المليشيات نفسها على الجبهات، لأنه يعمل على تشويه الوعي العام وتآكل المبدأ القانوني الأساسي: الفرق بين الدولة والانقلاب عليها.
3. المساواة المخادعة بين التدخل الإيراني والتدخل السعودي عندما يتحدثون عن تبعية الحوثيين لإيران (وهي حقيقة موثقة بأدلة استخباراتية وميدانية وتقارير أممية)، يسارعون فوراً إلى القول: «والشرعية تابعة للسعودية». هنا ينكشف الثعلب تماماً. فهم يتجاهلون عمداً الفرق الجوهري في المشروعية:
• التدخل السعودي (والتحالف العربي) جاء بناءً على طلب رسمي من الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي عام 2015، لاستعادة مؤسسات الدولة اليمنية التي انقلب عليها الحوثيون. وهو تدخل مدعوم بقرارات وموقف دولي واسع.
• الدعم الإيراني للحوثيين هو دعم لمليشيا انقلابية خارجة على الشرعية، ويخالف قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 (2015) وغيرها من القرارات التي تدين استيلاء الحوثيين على السلطة، ويطالبهم بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها، ويفرض حظراً على تسليحهم. المساواة بين «تدخل إيراني» و«تدخل سعودي» هنا ليست تحليلاً، بل تزييف متعمد للحقائق القانونية والسياسية.
الخلاصة المنطقية
من يحافظ على «خيوط العودة» مع الطرفين في وقت واحد، ويصر على المساواة بين الدولة الشرعية والمليشيا الانقلابية، فهو ليس محايداً.
الحياد الحقيقي يقتضي الاعتراف بالفرق الجوهري بين من يمثل الدولة ومن ينقلب عليها. أما الحياد الزائف الذي يسعى إلى «التوازن» بين الشرعية والانقلاب، فهو في جوهره تواطؤ ناعم مع الانقلاب، وأكثر خطراً على مستقبل اليمن من العدو الذي يعلن عداوته بوضوح.
هؤلاء الثعالب بمكياج الحمل الوديع لا يخدمون اليمن، بل يخدمون مشروع إضعاف الدولة اليمنية وشرعنة الانقلاب عليها تحت غطاء «الموضوعية».
اذاكنت تعرف احدهم اعمل له منشن في التعليقات
ثعالب يمنية بمكياج الحمل الوديع
في أوساط النشطاء اليمنيين في الخارج — وغالباً من الموجودين والموجودات في الولايات المتحدة — تظهر فئة ناعمة يدّعون الحياد والموضوعية، لكنهم يمارسون شكلاً من الخداع المنهجي يهدف إلى خلق مساواة زائفة بين طرفين غير متكافئين أصلاً: المليشيات الحوثية الانقلابية من جهة، والحكومة الشرعية المعترف بها دولياً من جهة أخرى.
كيف تتعرف عليهم؟
1. تجنب الوصف الدقيق للطرفين ينتقدون الحوثيين بشدة، لكنهم يرفضون تسميتهم بـ«مليشيات انقلابية إرهابية» استولت على العاصمة بالقوة عام 2014، وحلت البرلمان، وألغت الدستور، وفرضت سيطرتها على مؤسسات الدولة. في المقابل، ينتقدون الحكومة الشرعية، لكنهم يتجنبون الاعتراف بأنها السلطة الشرعية الوحيدة المعترف بها من الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومعظم دول العالم، وتمثل الاستمرارية القانونية للدولة اليمنية.
2. الغرق في التفاصيل الهامشية لتغييب الصورة الكلية بدلاً من مناقشة جوهر الصراع (انقلاب على الدولة vs. استعادة الدولة)، يركزون على قضايا فرعية وهامشية، ثم يستخدمونها للمساواة بين الطرفين. النتيجة المقصودة: «كلاهما سيء، وكلاهما مرفوض». هذه المساواة الزائفة ليست موقفاً محايداً، بل هي أداة سياسية لإضفاء شرعية غير مباشرة على المليشيات الانقلابية، وفتح أبواب العودة والتطبيع معها مستقبلاً. وهذا أخطر بكثير من وجود المليشيات نفسها على الجبهات، لأنه يعمل على تشويه الوعي العام وتآكل المبدأ القانوني الأساسي: الفرق بين الدولة والانقلاب عليها.
3. المساواة المخادعة بين التدخل الإيراني والتدخل السعودي عندما يتحدثون عن تبعية الحوثيين لإيران (وهي حقيقة موثقة بأدلة استخباراتية وميدانية وتقارير أممية)، يسارعون فوراً إلى القول: «والشرعية تابعة للسعودية». هنا ينكشف الثعلب تماماً. فهم يتجاهلون عمداً الفرق الجوهري في المشروعية:
• التدخل السعودي (والتحالف العربي) جاء بناءً على طلب رسمي من الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي عام 2015، لاستعادة مؤسسات الدولة اليمنية التي انقلب عليها الحوثيون. وهو تدخل مدعوم بقرارات وموقف دولي واسع.
• الدعم الإيراني للحوثيين هو دعم لمليشيا انقلابية خارجة على الشرعية، ويخالف قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 (2015) وغيرها من القرارات التي تدين استيلاء الحوثيين على السلطة، ويطالبهم بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها، ويفرض حظراً على تسليحهم. المساواة بين «تدخل إيراني» و«تدخل سعودي» هنا ليست تحليلاً، بل تزييف متعمد للحقائق القانونية والسياسية.
الخلاصة المنطقية
من يحافظ على «خيوط العودة» مع الطرفين في وقت واحد، ويصر على المساواة بين الدولة الشرعية والمليشيا الانقلابية، فهو ليس محايداً.
الحياد الحقيقي يقتضي الاعتراف بالفرق الجوهري بين من يمثل الدولة ومن ينقلب عليها. أما الحياد الزائف الذي يسعى إلى «التوازن» بين الشرعية والانقلاب، فهو في جوهره تواطؤ ناعم مع الانقلاب، وأكثر خطراً على مستقبل اليمن من العدو الذي يعلن عداوته بوضوح.
هؤلاء الثعالب بمكياج الحمل الوديع لا يخدمون اليمن، بل يخدمون مشروع إضعاف الدولة اليمنية وشرعنة الانقلاب عليها تحت غطاء «الموضوعية».
اذاكنت تعرف احدهم اعمل له منشن في التعليقات
السعودية والقيادة من المقعد الخلفي: رسم شكل المواجهة بين المشروعين العربي والإسرائيلي
مدخل: لحظة ما بعد المشروع الإيراني
مع انحسار المشروع التوسعي الإيراني وتحجيمه، لم تعد خريطة الشرق الأوسط تحتمل قراءتها بمنطق المحاور الثلاثة الذي ساد العقدين الماضيين. لقد أُفرغت الساحة من أحد أضلاعها، وبقي في الميدان مشروعان مستقبليان يتنازعان رسم شكل المنطقة: المشروع العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، والمشروع الإسرائيلي الساعي إلى إعادة تشكيل الإقليم وفق رؤيته ومصالحه.
غير أن قراءة موازين هذه المواجهة الجديدة تصطدم بمفارقة لافتة: كثير من قارئي المشهد يخلصون إلى أن السعودية طرف غير مؤثر، غائب عن ساحات الفعل، بينما الحقيقة الأقل وضوحاً — والأكثر عمقاً — هي أن الرياض كانت وما تزال الفاعل الأشد تأثيراً في هندسة التحولات الجارية. هذه المفارقة ليست صدفة، بل هي جوهر النهج السعودي ذاته: القيادة من المقعد الخلفي.
أولاً: تحجيم إيران… البصمة السعودية غير المرئية
من يتتبع مسار تحجيم الدور الإيراني التوسعي يكتشف أن العملية جرت وفق تصور سعودي معلن قبل سنوات. فقد أوضح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في تصريح شكّل حينها عقيدة استراتيجية أكثر منه موقفاً سياسياً، أن المواجهة مع المشروع الإيراني لن تُدار على الأرض العربية، بل ستُنقل إلى داخل الجغرافيا الإيرانية نفسها. وهذا بالضبط ما حدث: انتقلت المعركة من ساحات الوكالة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق إلى قلب إيران — إلى بنيتها التحتية، وبرنامجها النووي، وعمقها الأمني، واستقرارها الداخلي.
لم تُطلق السعودية رصاصة واحدة في هذه المواجهة، وهنا مكمن العبقرية الاستراتيجية. لقد لعبت المملكة دور السائق من المقعد الخلفي: لم تمسك المقود بيديها أمام الكاميرات، لكنها حددت الوجهة، ورسمت المسار، وضبطت السرعة. أما التنفيذ فتكفلت به قوى أخرى وجدت في مصالحها الخاصة دوافع كافية للاندفاع، دون أن تدرك دائماً أنها تتحرك ضمن مخطط سير رُسم في مكان آخر.
ثانياً: استراتيجية الجودو… تحويل قوة الخصم إلى مكسب
يقوم فن الجودو على مبدأ بسيط وعميق: لا تقاوم اندفاع خصمك، بل استخدم زخمه لصالحك. وهذا تحديداً ما فعلته السعودية مع القوة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية الهائلة التي انطلقت لضرب إيران.
كانت إسرائيل تندفع بكامل قوتها التأثيرية على القرار الأمريكي لتوجيه ضربات متتالية للمشروع الإيراني، مدفوعةً بحساباتها الأمنية الخاصة وطموحها في الهيمنة الإقليمية. ولم تحاول الرياض كبح هذا الاندفاع أو منافسته، بل استقبلته استقبال لاعب الجودو: امتصت زخمه، وأعادت توجيهه بحيث يحقق الهدف السعودي الأول — تفكيك المشروع الإيراني التوسعي — بينما تتحمل أطراف أخرى الكلفة العسكرية والسياسية والأخلاقية كاملة.
النتيجة: خرجت السعودية من أعنف موجة صراع شهدتها المنطقة منذ عقود بأقل الخسائر الممكنة، محتفظةً بعلاقاتها مع جميع الأطراف، ومعززةً موقعها كقوة الاستقرار الوحيدة التي لم تتلطخ يداها بالحرب، بينما استنزفت إسرائيل رصيدها الدولي والأخلاقي، وأنهكت إيران قدراتها ومشروعها.
ثالثاً: إيران… من خصم إلى جائزة استراتيجية
هنا تكمن النقطة الأكثر عمقاً في قراءة المرحلة المقبلة. فإيران المُحجَّمة لم تخرج من المعادلة، بل تحوّل موقعها فيها جذرياً: من مشروع ثالث منافس إلى عنصر تتنافس عليه المشاريع الباقية. فالمشروع الذي سينجح في جرّ إيران لتصبح جزءاً منه ستكون فرص نجاحه هي الأكبر، لأن إيران — رغم انكسار مشروعها — تبقى كتلة جيوسياسية وديموغرافية وطاقوية لا يمكن لأي ترتيب إقليمي مستقر أن يقوم بمعزل عنها أو ضدها.
وهنا يفترق النهجان افتراقاً جوهرياً:
النهج الإسرائيلي: الترويض بالقوة. تسعى إسرائيل إلى إخضاع إيران وإلحاقها بمشروعها عبر الإكراه، مستخدمةً قوتها التأثيرية على القرار الأمريكي لمواصلة الضغط العسكري والحصار حتى تُذعن طهران وتقبل موقعاً تابعاً في نظام إقليمي إسرائيلي المركز. إنها فلسفة الكسر: تحطيم إرادة الخصم ثم ضمّه محطماً.
النهج السعودي: الاستقطاب بالاحتواء. تدرك الرياض أن الأمم لا تُضم بالقهر ضماً دائماً، وأن إيران المهزومة عسكرياً ستبحث عن مخرج يحفظ ماء وجهها ومصالحها. والمشروع العربي هو الوحيد القادر على تقديم هذا المخرج: شراكة إقليمية تعيد لإيران موقعها الاقتصادي والتجاري دون مشروعها التوسعي، وتفتح لها أبواب الاندماج في منظومة الازدهار الخليجي بدل بقائها رهينة الحصار والعزلة.
والتاريخ يرجّح كفة الاحتواء على كفة الكسر؛ فالدولة التي تُروَّض بالقوة تتحين لحظة الانفلات، أما التي تُستقطب بالمصلحة فتصبح شريكاً في حماية الترتيب الذي انضمت إليه.
رابعاً: المؤثرات المساعدة… أذرع التحريك دون الظهور
السعودية والقيادة من المقعد الخلفي: رسم شكل المواجهة بين المشروعين العربي والإسرائيلي
مدخل: لحظة ما بعد المشروع الإيراني
مع انحسار المشروع التوسعي الإيراني وتحجيمه، لم تعد خريطة الشرق الأوسط تحتمل قراءتها بمنطق المحاور الثلاثة الذي ساد العقدين الماضيين. لقد أُفرغت الساحة من أحد أضلاعها، وبقي في الميدان مشروعان مستقبليان يتنازعان رسم شكل المنطقة: المشروع العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، والمشروع الإسرائيلي الساعي إلى إعادة تشكيل الإقليم وفق رؤيته ومصالحه.
غير أن قراءة موازين هذه المواجهة الجديدة تصطدم بمفارقة لافتة: كثير من قارئي المشهد يخلصون إلى أن السعودية طرف غير مؤثر، غائب عن ساحات الفعل، بينما الحقيقة الأقل وضوحاً — والأكثر عمقاً — هي أن الرياض كانت وما تزال الفاعل الأشد تأثيراً في هندسة التحولات الجارية. هذه المفارقة ليست صدفة، بل هي جوهر النهج السعودي ذاته: القيادة من المقعد الخلفي.
أولاً: تحجيم إيران… البصمة السعودية غير المرئية
من يتتبع مسار تحجيم الدور الإيراني التوسعي يكتشف أن العملية جرت وفق تصور سعودي معلن قبل سنوات. فقد أوضح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في تصريح شكّل حينها عقيدة استراتيجية أكثر منه موقفاً سياسياً، أن المواجهة مع المشروع الإيراني لن تُدار على الأرض العربية، بل ستُنقل إلى داخل الجغرافيا الإيرانية نفسها. وهذا بالضبط ما حدث: انتقلت المعركة من ساحات الوكالة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق إلى قلب إيران — إلى بنيتها التحتية، وبرنامجها النووي، وعمقها الأمني، واستقرارها الداخلي.
لم تُطلق السعودية رصاصة واحدة في هذه المواجهة، وهنا مكمن العبقرية الاستراتيجية. لقد لعبت المملكة دور السائق من المقعد الخلفي: لم تمسك المقود بيديها أمام الكاميرات، لكنها حددت الوجهة، ورسمت المسار، وضبطت السرعة. أما التنفيذ فتكفلت به قوى أخرى وجدت في مصالحها الخاصة دوافع كافية للاندفاع، دون أن تدرك دائماً أنها تتحرك ضمن مخطط سير رُسم في مكان آخر.
ثانياً: استراتيجية الجودو… تحويل قوة الخصم إلى مكسب
يقوم فن الجودو على مبدأ بسيط وعميق: لا تقاوم اندفاع خصمك، بل استخدم زخمه لصالحك. وهذا تحديداً ما فعلته السعودية مع القوة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية الهائلة التي انطلقت لضرب إيران.
كانت إسرائيل تندفع بكامل قوتها التأثيرية على القرار الأمريكي لتوجيه ضربات متتالية للمشروع الإيراني، مدفوعةً بحساباتها الأمنية الخاصة وطموحها في الهيمنة الإقليمية. ولم تحاول الرياض كبح هذا الاندفاع أو منافسته، بل استقبلته استقبال لاعب الجودو: امتصت زخمه، وأعادت توجيهه بحيث يحقق الهدف السعودي الأول — تفكيك المشروع الإيراني التوسعي — بينما تتحمل أطراف أخرى الكلفة العسكرية والسياسية والأخلاقية كاملة.
النتيجة: خرجت السعودية من أعنف موجة صراع شهدتها المنطقة منذ عقود بأقل الخسائر الممكنة، محتفظةً بعلاقاتها مع جميع الأطراف، ومعززةً موقعها كقوة الاستقرار الوحيدة التي لم تتلطخ يداها بالحرب، بينما استنزفت إسرائيل رصيدها الدولي والأخلاقي، وأنهكت إيران قدراتها ومشروعها.
ثالثاً: إيران… من خصم إلى جائزة استراتيجية
هنا تكمن النقطة الأكثر عمقاً في قراءة المرحلة المقبلة. فإيران المُحجَّمة لم تخرج من المعادلة، بل تحوّل موقعها فيها جذرياً: من مشروع ثالث منافس إلى عنصر تتنافس عليه المشاريع الباقية. فالمشروع الذي سينجح في جرّ إيران لتصبح جزءاً منه ستكون فرص نجاحه هي الأكبر، لأن إيران — رغم انكسار مشروعها — تبقى كتلة جيوسياسية وديموغرافية وطاقوية لا يمكن لأي ترتيب إقليمي مستقر أن يقوم بمعزل عنها أو ضدها.
وهنا يفترق النهجان افتراقاً جوهرياً:
النهج الإسرائيلي: الترويض بالقوة. تسعى إسرائيل إلى إخضاع إيران وإلحاقها بمشروعها عبر الإكراه، مستخدمةً قوتها التأثيرية على القرار الأمريكي لمواصلة الضغط العسكري والحصار حتى تُذعن طهران وتقبل موقعاً تابعاً في نظام إقليمي إسرائيلي المركز. إنها فلسفة الكسر: تحطيم إرادة الخصم ثم ضمّه محطماً.
النهج السعودي: الاستقطاب بالاحتواء. تدرك الرياض أن الأمم لا تُضم بالقهر ضماً دائماً، وأن إيران المهزومة عسكرياً ستبحث عن مخرج يحفظ ماء وجهها ومصالحها. والمشروع العربي هو الوحيد القادر على تقديم هذا المخرج: شراكة إقليمية تعيد لإيران موقعها الاقتصادي والتجاري دون مشروعها التوسعي، وتفتح لها أبواب الاندماج في منظومة الازدهار الخليجي بدل بقائها رهينة الحصار والعزلة.
والتاريخ يرجّح كفة الاحتواء على كفة الكسر؛ فالدولة التي تُروَّض بالقوة تتحين لحظة الانفلات، أما التي تُستقطب بالمصلحة فتصبح شريكاً في حماية الترتيب الذي انضمت إليه.
رابعاً: المؤثرات المساعدة… أذرع التحريك دون الظهور
السعودية والقيادة من المقعد الخلفي: رسم شكل المواجهة بين المشروعين العربي والإسرائيلي
مدخل: لحظة ما بعد المشروع الإيراني
مع انحسار المشروع التوسعي الإيراني وتحجيمه، لم تعد خريطة الشرق الأوسط تحتمل قراءتها بمنطق المحاور الثلاثة الذي ساد العقدين الماضيين. لقد أُفرغت الساحة من أحد أضلاعها، وبقي في الميدان مشروعان مستقبليان يتنازعان رسم شكل المنطقة: المشروع العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، والمشروع الإسرائيلي الساعي إلى إعادة تشكيل الإقليم وفق رؤيته ومصالحه.
غير أن قراءة موازين هذه المواجهة الجديدة تصطدم بمفارقة لافتة: كثير من قارئي المشهد يخلصون إلى أن السعودية طرف غير مؤثر، غائب عن ساحات الفعل، بينما الحقيقة الأقل وضوحاً — والأكثر عمقاً — هي أن الرياض كانت وما تزال الفاعل الأشد تأثيراً في هندسة التحولات الجارية. هذه المفارقة ليست صدفة، بل هي جوهر النهج السعودي ذاته: القيادة من المقعد الخلفي.
أولاً: تحجيم إيران… البصمة السعودية غير المرئية
من يتتبع مسار تحجيم الدور الإيراني التوسعي يكتشف أن العملية جرت وفق تصور سعودي معلن قبل سنوات. فقد أوضح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في تصريح شكّل حينها عقيدة استراتيجية أكثر منه موقفاً سياسياً، أن المواجهة مع المشروع الإيراني لن تُدار على الأرض العربية، بل ستُنقل إلى داخل الجغرافيا الإيرانية نفسها. وهذا بالضبط ما حدث: انتقلت المعركة من ساحات الوكالة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق إلى قلب إيران — إلى بنيتها التحتية، وبرنامجها النووي، وعمقها الأمني، واستقرارها الداخلي.
لم تُطلق السعودية رصاصة واحدة في هذه المواجهة، وهنا مكمن العبقرية الاستراتيجية. لقد لعبت المملكة دور السائق من المقعد الخلفي: لم تمسك المقود بيديها أمام الكاميرات، لكنها حددت الوجهة، ورسمت المسار، وضبطت السرعة. أما التنفيذ فتكفلت به قوى أخرى وجدت في مصالحها الخاصة دوافع كافية للاندفاع، دون أن تدرك دائماً أنها تتحرك ضمن مخطط سير رُسم في مكان آخر.
ثانياً: استراتيجية الجودو… تحويل قوة الخصم إلى مكسب
يقوم فن الجودو على مبدأ بسيط وعميق: لا تقاوم اندفاع خصمك، بل استخدم زخمه لصالحك. وهذا تحديداً ما فعلته السعودية مع القوة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية الهائلة التي انطلقت لضرب إيران.
كانت إسرائيل تندفع بكامل قوتها التأثيرية على القرار الأمريكي لتوجيه ضربات متتالية للمشروع الإيراني، مدفوعةً بحساباتها الأمنية الخاصة وطموحها في الهيمنة الإقليمية. ولم تحاول الرياض كبح هذا الاندفاع أو منافسته، بل استقبلته استقبال لاعب الجودو: امتصت زخمه، وأعادت توجيهه بحيث يحقق الهدف السعودي الأول — تفكيك المشروع الإيراني التوسعي — بينما تتحمل أطراف أخرى الكلفة العسكرية والسياسية والأخلاقية كاملة.
النتيجة: خرجت السعودية من أعنف موجة صراع شهدتها المنطقة منذ عقود بأقل الخسائر الممكنة، محتفظةً بعلاقاتها مع جميع الأطراف، ومعززةً موقعها كقوة الاستقرار الوحيدة التي لم تتلطخ يداها بالحرب، بينما استنزفت إسرائيل رصيدها الدولي والأخلاقي، وأنهكت إيران قدراتها ومشروعها.
ثالثاً: إيران… من خصم إلى جائزة استراتيجية
هنا تكمن النقطة الأكثر عمقاً في قراءة المرحلة المقبلة. فإيران المُحجَّمة لم تخرج من المعادلة، بل تحوّل موقعها فيها جذرياً: من مشروع ثالث منافس إلى عنصر تتنافس عليه المشاريع الباقية. فالمشروع الذي سينجح في جرّ إيران لتصبح جزءاً منه ستكون فرص نجاحه هي الأكبر، لأن إيران — رغم انكسار مشروعها — تبقى كتلة جيوسياسية وديموغرافية وطاقوية لا يمكن لأي ترتيب إقليمي مستقر أن يقوم بمعزل عنها أو ضدها.
وهنا يفترق النهجان افتراقاً جوهرياً:
النهج الإسرائيلي: الترويض بالقوة. تسعى إسرائيل إلى إخضاع إيران وإلحاقها بمشروعها عبر الإكراه، مستخدمةً قوتها التأثيرية على القرار الأمريكي لمواصلة الضغط العسكري والحصار حتى تُذعن طهران وتقبل موقعاً تابعاً في نظام إقليمي إسرائيلي المركز. إنها فلسفة الكسر: تحطيم إرادة الخصم ثم ضمّه محطماً.
النهج السعودي: الاستقطاب بالاحتواء. تدرك الرياض أن الأمم لا تُضم بالقهر ضماً دائماً، وأن إيران المهزومة عسكرياً ستبحث عن مخرج يحفظ ماء وجهها ومصالحها. والمشروع العربي هو الوحيد القادر على تقديم هذا المخرج: شراكة إقليمية تعيد لإيران موقعها الاقتصادي والتجاري دون مشروعها التوسعي، وتفتح لها أبواب الاندماج في منظومة الازدهار الخليجي بدل بقائها رهينة الحصار والعزلة.
والتاريخ يرجّح كفة الاحتواء على كفة الكسر؛ فالدولة التي تُروَّض بالقوة تتحين لحظة الانفلات، أما التي تُستقطب بالمصلحة فتصبح شريكاً في حماية الترتيب الذي انضمت إليه.
رابعاً: المؤثرات المساعدة… أذرع التحريك دون الظهور
لا تدير السعودية هذه المرحلة بأدواتها المباشرة، بل عبر شبكة من المؤثرات المساعدة تحركها من خلف الستار، في تطبيق متقن لمنهج القيادة من المقعد الخلفي:
باكستان: القوة النووية الإسلامية الوحيدة، المرتبطة بالرياض بعلاقات أمنية عضوية، توفر للمشروع العربي عمقاً ردعياً استراتيجياً يوازن التفوق النووي الإسرائيلي دون أن تضطر السعودية لخوض سباق تسلح معلن.
تركيا: القوة الإقليمية ذات النفوذ الممتد في سوريا والعراق وآسيا الوسطى، تتقاطع مصالحها مع الرؤية السعودية في منع الهيمنة الإسرائيلية على الإقليم، وتوفر ثقلاً عسكرياً وسياسياً في الساحات التي لا تريد الرياض الانخراط المباشر فيها.
قطر: الوسيط المعتمد دولياً وصاحبة القنوات المفتوحة مع الجميع — من واشنطن إلى طهران — تؤدي دور الذراع الدبلوماسية التي تنقل الرسائل وتدير التفاهمات التي لا تستطيع الرياض إدارتها علناً.
هذا التوزيع الوظيفي للأدوار يمنح المشروع العربي مرونة نادرة: حضور فاعل في كل الساحات، دون بصمة سعودية مباشرة في أي منها، ودون أن تتحول الرياض إلى هدف للاستنزاف أو الاستهداف.
خامساً: العمق الدولي… الصين وروسيا في ميزان المشروعين
يمتلك المشروع العربي ورقة لا يملكها المشروع الإسرائيلي: القدرة على استقطاب القوى الدولية الصاعدة. فالمشروع الإسرائيلي أسير رهانه الأحادي على القوة الأمريكية، يصعد بصعودها ويرتبك بارتباكها، بينما بنت السعودية خلال العقد الأخير شبكة شراكات استراتيجية مع الصين وروسيا تجعل مشروعها متعدد الأعمدة.
فالصين — الشريك التجاري الأول للمملكة ولإيران معاً — لها مصلحة بنيوية في نجاح المشروع العربي القائم على الاستقرار والممرات التجارية والتكامل الاقتصادي، ولا مصلحة لها إطلاقاً في نظام إقليمي إسرائيلي المركز يخضع بالكامل للمظلة الأمريكية. وروسيا، الباحثة عن موطئ نفوذ بعد انحسار حضورها في سوريا، تجد في الشراكة مع الرياض — عبر أوبك+ وملفات الطاقة والتسليح — بوابتها الواقعية الوحيدة إلى المنطقة.
وهكذا فإن جرّ إيران إلى المشروع العربي لن يعني ضم طهران وحدها، بل سيستتبع تلقائياً تعزيز المشروع بثقل الصين وروسيا، اللتين ستجدان في نظام إقليمي عربي المركز، متصالح مع إيران ومنفتح على الشرق، الصيغة المثلى لمصالحهما. وبذلك يتحول المشروع العربي من مشروع إقليمي إلى عقدة ارتكاز في النظام الدولي متعدد الأقطاب الآخذ في التشكل.
سادساً: لماذا تميل الكفة للمشروع العربي؟
عند وزن المشروعين بميزان الحصافة الاستراتيجية، تتضح أفضلية المشروع العربي من زوايا متعددة:
1.شرعية الجغرافيا والديموغرافيا: المشروع العربي مشروع أهل المنطقة وأغلبيتها السكانية والحضارية، بينما يقوم المشروع الإسرائيلي على فرض إرادة أقلية ديموغرافية بالقوة، وهو وضع لا تثبت له معادلات التاريخ الطويلة.
2.اقتصاد الجذب مقابل اقتصاد الإكراه: تملك السعودية ودول الخليج فوائض مالية ورؤية تنموية (رؤية 2030 وامتداداتها الإقليمية) تجعل الانضمام إلى مشروعها مغرياً طوعاً، بينما لا يقدم المشروع الإسرائيلي لجيرانه سوى معادلة الإذعان الأمني.
3.كلفة السمعة: خرجت إسرائيل من حروب السنوات الأخيرة بعزلة أخلاقية دولية غير مسبوقة، بينما عززت السعودية صورتها كقوة تهدئة ووساطة، وهو رأسمال ناعم يترجم نفوذاً صلباً في لحظات التسوية.
4.المرونة البنيوية: مشروع يُدار من المقعد الخلفي عبر شبكة مؤثرات موزعة أقدر على امتصاص الصدمات من مشروع يقوده طرف واحد مكشوف يتحمل وحده كلفة كل مواجهة.
خاتمة: الفوضى المُدارة وهندسة اللحظة التأسيسية
إن ما يبدو للمراقب العابر فوضى إقليمية عارمة هو في حقيقته مسار مُدار بعناية؛ فالسعودية لا تكتفي بالنجاة من العاصفة، بل تقود تحريك مسارها من مقعدها الخلفي، تاركةً الواجهة لمن يستهلك نفسه فيها. وحين تنقشع غبار هذه المرحلة، ستجد المنطقة نفسها أمام لحظة تأسيسية شبيهة بلحظات ما بعد الحروب الكبرى، لحظة تُكتب فيها قواعد النظام الإقليمي لعقود قادمة.
وفي تلك اللحظة، سيتضح أن الطرف الأوفر حظاً ليس من حشد أكبر قوة نارية، بل من بنى أوسع شبكة مصالح، وأبقى لنفسه القدرة على مصافحة الجميع. والمشروع العربي بقيادة السعودية — بجاذبيته الاقتصادية، وأذرعه الإقليمية، وعمقه الدولي الصيني-الروسي، وقدرته على تقديم مخرج مشرّف لإيران — يقف اليوم في الموقع الأفضل لكسب إيران إلى صفه، ومعها كسب معركة رسم شكل الشرق الأوسط الجديد.
فالقيادة من المقعد الخلفي ليست غياباً عن القيادة، بل أعلى مراتبها: أن تصل بالمركبة إلى وجهتك، بينما يتجادل الجالسون في المقاعد الأمامية حول من كان يقود.
السعودية والقيادة من المقعد الخلفي: رسم شكل المواجهة بين المشروعين العربي والإسرائيلي
مدخل: لحظة ما بعد المشروع الإيراني
مع انحسار المشروع التوسعي الإيراني وتحجيمه، لم تعد خريطة الشرق الأوسط تحتمل قراءتها بمنطق المحاور الثلاثة الذي ساد العقدين الماضيين. لقد أُفرغت الساحة من أحد أضلاعها، وبقي في الميدان مشروعان مستقبليان يتنازعان رسم شكل المنطقة: المشروع العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، والمشروع الإسرائيلي الساعي إلى إعادة تشكيل الإقليم وفق رؤيته ومصالحه.
غير أن قراءة موازين هذه المواجهة الجديدة تصطدم بمفارقة لافتة: كثير من قارئي المشهد يخلصون إلى أن السعودية طرف غير مؤثر، غائب عن ساحات الفعل، بينما الحقيقة الأقل وضوحاً — والأكثر عمقاً — هي أن الرياض كانت وما تزال الفاعل الأشد تأثيراً في هندسة التحولات الجارية. هذه المفارقة ليست صدفة، بل هي جوهر النهج السعودي ذاته: القيادة من المقعد الخلفي.
أولاً: تحجيم إيران… البصمة السعودية غير المرئية
من يتتبع مسار تحجيم الدور الإيراني التوسعي يكتشف أن العملية جرت وفق تصور سعودي معلن قبل سنوات. فقد أوضح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في تصريح شكّل حينها عقيدة استراتيجية أكثر منه موقفاً سياسياً، أن المواجهة مع المشروع الإيراني لن تُدار على الأرض العربية، بل ستُنقل إلى داخل الجغرافيا الإيرانية نفسها. وهذا بالضبط ما حدث: انتقلت المعركة من ساحات الوكالة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق إلى قلب إيران — إلى بنيتها التحتية، وبرنامجها النووي، وعمقها الأمني، واستقرارها الداخلي.
لم تُطلق السعودية رصاصة واحدة في هذه المواجهة، وهنا مكمن العبقرية الاستراتيجية. لقد لعبت المملكة دور السائق من المقعد الخلفي: لم تمسك المقود بيديها أمام الكاميرات، لكنها حددت الوجهة، ورسمت المسار، وضبطت السرعة. أما التنفيذ فتكفلت به قوى أخرى وجدت في مصالحها الخاصة دوافع كافية للاندفاع، دون أن تدرك دائماً أنها تتحرك ضمن مخطط سير رُسم في مكان آخر.
ثانياً: استراتيجية الجودو… تحويل قوة الخصم إلى مكسب
يقوم فن الجودو على مبدأ بسيط وعميق: لا تقاوم اندفاع خصمك، بل استخدم زخمه لصالحك. وهذا تحديداً ما فعلته السعودية مع القوة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية الهائلة التي انطلقت لضرب إيران.
كانت إسرائيل تندفع بكامل قوتها التأثيرية على القرار الأمريكي لتوجيه ضربات متتالية للمشروع الإيراني، مدفوعةً بحساباتها الأمنية الخاصة وطموحها في الهيمنة الإقليمية. ولم تحاول الرياض كبح هذا الاندفاع أو منافسته، بل استقبلته استقبال لاعب الجودو: امتصت زخمه، وأعادت توجيهه بحيث يحقق الهدف السعودي الأول — تفكيك المشروع الإيراني التوسعي — بينما تتحمل أطراف أخرى الكلفة العسكرية والسياسية والأخلاقية كاملة.
النتيجة: خرجت السعودية من أعنف موجة صراع شهدتها المنطقة منذ عقود بأقل الخسائر الممكنة، محتفظةً بعلاقاتها مع جميع الأطراف، ومعززةً موقعها كقوة الاستقرار الوحيدة التي لم تتلطخ يداها بالحرب، بينما استنزفت إسرائيل رصيدها الدولي والأخلاقي، وأنهكت إيران قدراتها ومشروعها.
ثالثاً: إيران… من خصم إلى جائزة استراتيجية
هنا تكمن النقطة الأكثر عمقاً في قراءة المرحلة المقبلة. فإيران المُحجَّمة لم تخرج من المعادلة، بل تحوّل موقعها فيها جذرياً: من مشروع ثالث منافس إلى عنصر تتنافس عليه المشاريع الباقية. فالمشروع الذي سينجح في جرّ إيران لتصبح جزءاً منه ستكون فرص نجاحه هي الأكبر، لأن إيران — رغم انكسار مشروعها — تبقى كتلة جيوسياسية وديموغرافية وطاقوية لا يمكن لأي ترتيب إقليمي مستقر أن يقوم بمعزل عنها أو ضدها.
وهنا يفترق النهجان افتراقاً جوهرياً:
النهج الإسرائيلي: الترويض بالقوة. تسعى إسرائيل إلى إخضاع إيران وإلحاقها بمشروعها عبر الإكراه، مستخدمةً قوتها التأثيرية على القرار الأمريكي لمواصلة الضغط العسكري والحصار حتى تُذعن طهران وتقبل موقعاً تابعاً في نظام إقليمي إسرائيلي المركز. إنها فلسفة الكسر: تحطيم إرادة الخصم ثم ضمّه محطماً.
النهج السعودي: الاستقطاب بالاحتواء. تدرك الرياض أن الأمم لا تُضم بالقهر ضماً دائماً، وأن إيران المهزومة عسكرياً ستبحث عن مخرج يحفظ ماء وجهها ومصالحها. والمشروع العربي هو الوحيد القادر على تقديم هذا المخرج: شراكة إقليمية تعيد لإيران موقعها الاقتصادي والتجاري دون مشروعها التوسعي، وتفتح لها أبواب الاندماج في منظومة الازدهار الخليجي بدل بقائها رهينة الحصار والعزلة.
والتاريخ يرجّح كفة الاحتواء على كفة الكسر؛ فالدولة التي تُروَّض بالقوة تتحين لحظة الانفلات، أما التي تُستقطب بالمصلحة فتصبح شريكاً في حماية الترتيب الذي انضمت إليه.
رابعاً: المؤثرات المساعدة… أذرع التحريك دون الظهور
تم إطلاق طائرات مسيرة على ناقلتين سعوديتين وواحدة قطرية كانت ترافقها البحرية الأمريكية في الممر العماني الجنوبي، رغم تحذير إيران بأن الفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم تمنحها صلاحية ترتيب المرور الآمن مجاناً من الخليج إلى بحر عمان والعكس .
إيران لم تتبنَّ المسؤولية عن الهجوم.
السؤال الآن:
من قصف السفن السعودية والقطرية؟
أقرب الخيارات:
• إسرائيل
• أو احدى دول الخليج نفسها
• أو أن إيران لم تتبنَّ الهجوم رغم قيامها به لأن الفقرة الخامسة من الاتفاقية لا تعطيها الحق في ذلك. ولهذا كان الرد الأمريكي سريع. ما جرى ويجري الان تحصيل حاصل مادام هناك من يريد لهذه الحرب ان تستمر
الفقرة الخامسة من اتفاقية ال ٦٠ يوم
عند التوقيع، ستقوم إيران بـ’ترتيبات باستخدام أفضل جهودها’ للسماح بالمرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز ‘بدون مقابل’، بدءاً ‘فوراً’ بعد إزالة العقبات الفنية والعسكرية وإجراء إزالة الألغام؛ وعلى المدى الطويل، ستعمل إيران مع عمان ودول خليجية أخرى على اتفاق إدارة ‘أوسع’.”
يها القادة في مجلس القيادة الرئاسي،
اللحظة لا تحتمل التردد. اليمن يواجه مرحلة مصيرية ولاتحتمل شرخاً داخلياً يضعف الموقف.
نحتاج الآن كاريزما قيادية حقيقية: صوت واحد حازم، رؤية واضحة، وتواصل يوحّد الشعب ويردع الخصوم.
الكاريزما اليوم = استعادة الثقة الشعبية + موقف سيادي قوي + وحدة داخلية قبل فوات الأوان.”. الحراك المجتمعي القائم فرصة قد لا تتكرر. ليس المطلوب منكم الدعم بل المطلوب ان تكونوا في الصفوف الأمامية. ان استعادة الدولة مسؤوليتكم لا تخجلوا او تخافوا من شعبكم فأنتم منهم وهم منكم وعدم ادراك ذلك والتحرك في سياقه امر محبط
اجلدوا ذاتكم كما تشاؤن أيها المنهزمون من الداخل
قبل سنوات قال ولي العهد: “لن نسمح لإيران بتنفيذ أجندتها التخريبية، ولن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لتكون عندهم في إيران”.
اليوم، بعد سنوات من التوازن الدبلوماسي والتركيز على التنمية الداخلية، أصبحت إيران تواجه ضربات عسكرية أضعفت قدراتها واصبحت الحرب على أراضيها ، وأُجبرت على اتفاق يحد من برنامجها النووي ، بينما بقيت دول المنطقة بمنأى عن الخسائر المباشرة.
هذا ليس صدفة، بل نتيجة سياسة واقعية تفضل الصبر والاستثمار في القوة الذاتية على التصعيد العاطفي أو التورط المباشر.
للمنهزمين من الداخل: المشروع المستقبلي الأقرب للنجاح هو المشروع العربي فقليل من الثقة في قياداتكم ذات الواقعية السياسية كما ان التركيز على بناء الدولة من الداخل أثبتت أنها أنجع طريقة لمواجهة التهديدات، بدل الاكتفاء بالشعارات أو اليأس. أما اولائك الذين يرون ان ايران ستهيمن على الدول العربية فلعنة الله على الجهل
ارتزاق المليشيات وإشعال المعارك في اليمن بعد الاتفاق الأمريكي-الإيراني
مع توقيع الاتفاق الإطاري الأمريكي-الإيراني وبدء مفاوضات الـ60 يوماً، توجد إمكانية واقعية لاستئناف أو تصعيد العمليات العسكرية الحوثية في اليمن، مدفوعة بدافعين رئيسيين:
السبب الأول: توجيهات إيرانية لمنحها ورقة ضغط إضافية أثناء المفاوضات.
سيسعى أ لحوثيين إلى تصعيد المواجهات لرفع التكلفة على واشنطن والرياض، وتحسين موقف طهران التفاوضي بشأن العقوبات والملف النووي.
السبب الثاني: التنسيق مع دولة خليجية أخرى لإضعاف السعودية.
التوترات الأخيرة مع الانفصاليين المدعومين من تلك الدولة أضعفت الجبهة المعادية للحوثيين، مما يفتح المجال لتصعيد حوثي ضد المصالح السعودية. هذا التصعيد يخدم أهداف الدولة الخليجية في خلق مشاكل إضافية للرياض، رغم التناقضات مع الانفصاليين أنفسهم إلا ان التقارب بينهم اصبح واضح.
هذان العاملان يجعلان اشتعال المعارك في اليمن احتمالاً قائماً مباشرة بعد التوقيع. فهل الشرعية مستعدة لذلك