"أتفهّم الشعور حين تقودك شدّةُ حرصك في تهذيب ذاتك، وصقل مبادئها وأفكارها عبر الوقت، إلى أن تصبح أكثر انتقائيةً في مَن تختار لمرافقتك؛ فتجد نفسك تميل إلى مَن يوازيك مستوىً في النضج والقيم، سواء في الجوانب العاطفية أو المهنية أو النفسية، وغيرها من أبعاد الحياة."
كُن مُطمئنّاً للشخص الذي يمتلك رقابةً ذاتيّة واستحضارًا لله في أقواله وأفعاله، فهو يحمل في داخله ميزانًا عادلاً، وبوصلةً صادقة، فالضمير الحَيّ رقيبٌ حاضر على صاحبه، يُجنّبه المَيْل، ويُبعده عن الأمور الذميمة، ويدعوه إلى الخير، والمبادئ السليمة، والأخلاق القويمة.
الطِباع الراسخة في تكوين شخصية الإنسان تظهر رغمًا عنه في أخلاقه وتعامله، بوعي أو دون وعي منه، ولا يستطيع أن يخفيها، وعن ذلك يقول الشاعر:
"وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى
أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا"
ويقول الآخر:
"متصنّع الطِيب لا يمكن يجي طيّب
يتعب من الطِيب ويعود على طبعه"
هناك أرواح كريمة، تجد سعادتها في العطاء، ومبلغ سرورها في البناء، تحب أن ترى النفوس مُطمئنّة مُستقرّة، والصروح عاليّة مُشيّدة، فتزرع البذور، وتُضِيء الدروب، وتبني النفوس، وتُخفّف الآلام، ولا تترك خلفها -أينما عبرت- إلا الأثر الطيّب، ما أجمل وجودها في هذه الحياة.
أسوأ النفوس هي التي لا تشبع، ذات الجشع، لا تعرف معنى الاكتفاء والامتلاء، ولا تدرك حقيقة الغِنَى النفسي والمعنوي، في كل أمر تطلب المزيد، وتتجاوَز حدودها في تحصيل ما تريد، مثل هذه النفوس لا تتذوّق لذّة استقرار النفس، وراحة البال، وطمأنينة الروح، وسكينة الفؤاد.
والحياة حتى تمضي بسرورٍ وهناء؛ تحتاج أن تتحَلّى فيها بالكثير من المرونة، وباليُسر والانبساط واللِين، لا أن تأخذها بالشِدّة والحِدّة، ولا أن تُعقّدها أكثر مما تحتمل، فالنفوس السَمحة الرَحبة تُحلّق في آفاقها بسعادة، وتكسب الكثير، وتصل إلى غاياتها برِضا وسلام.
يكبر في عيني الشخص حين أراه قادِرًا على تحمُّل المسؤولية بكافّة أشكالها؛ مسؤولية الفعل، والكلمة، والانضباط، والالتزام، ومسؤولية القُدرة على إدارة المواقف المختلفة في الظروف المختلفة؛ فهذه السِمَة الشخصيّة تُعَدّ مؤشّرًا على إمكانية الوثوق بالشخص والاعتماد عليه.
عواصف الحياة، وأمواجها المُتلاطمة؛ تهدأ وتستقرّ أمام النفس المطمئنة، الممتلئة بالسكينة، تتراجع بمَدّها وجَزرها حين تُلامِس ضفاف الروح الهادئة، الحليمة.
إذا سألتُم الله، فاسألوه أن يهبكم نفوسًا رصينة، تصغر أمامها العظائم، وتتعامل مع مُفردات الحياة بأناةٍ وحكمة.
كُرماء النفس يُحسنون التغافُل، أحيانًا يرون الزَلّة عيانًا لكن يتظاهرون بعدم رؤيتها حفظًا لماء وَجه صاحبها، يتجاوزون عن الصغائر رُقيّاً، ويتنازلون في المواضع التي لا ضرر فيها مرونةً، ويختارون الخسارة في المعارك التي لا انتصار فيها رِفعةً، وفي نهاية الأمر يربحون.
هذا الكون الفسيح المُحِيط بك، بكل ما فيه من آفاق ومساحات واسعة، سيغدو بحجم ثقب الإبرة في نظرك عندما يسكن الضِيق صدرك، بينما إذا امتلَكت نفسًا مُنشرحة، مُشرقة، مُقبلة على الحياة؛ ستجد أنّ أصغر التفاصيل وأبسط اللحظات تغدو محَلّاً للسرور والهناء.
كنتُ ولا زلتُ أؤمنُ أنّ سلامة الصدر وخُلوّه من الضغائن من أهم أسباب التوفيق والهناء في هذه الحياة، وأنّ النوايا الطيّبة الصادقة تقود صاحبها إلى أجمل الأقدار، وأنّ الخير قد يُسَاق إلى المرء -من حيث لا يحتسب- عندما يتمنّاه لغيره، وأنّ الإنسان النقيّ لا يخيب.
في كل قَدَر يحدث للإنسان هناك حكمة خفيّة، قد لا تُدرَك في لحظتها، وفي كل تجربة هناك خبرة تُولَد، فلا تعود الرؤية بعد ذلك كما كانت سابقًا، بل تصبح أكثر تبصُّرًا، وتعقُّلاً، ورَوِيّة، وهذه سِمَة الحياة، تأخذ ضريبتها من النفوس لتُقَدِّم أثمَن هِباتها.
المُوفّق في هذه الحياة هو مَن يعبر عبورًا كريمًا، لا يؤذي نفسًا، ولا يكسر قلبًا، ولا يُبكِي عينًا، ولا يجرح روحًا، ولا يغتل حُلمًا، ولا يُطفِئ بسمة؛ فهو يدرك أن الحياة لا تستحق، وأن الزمن سيمضي وخير ما يظفر به الإنسان في هذه الحياة: أثرًا طيّبًا وذِكرًا حَسنًا.