من أعجب المفارقات أنَّ الذي يركض خلف الدنيا لاهثاً، تفرُّ منه وهي تأبى؛ والذي يُقبل على الله بقلبه، تأتيه الدنيا وهي راغمة.
الطمأنينة ليست في امتلاك الأشياء، بل في التحرر من استعبادها؛ فبقدر خروج "الخلق" من قلبك، يحلُّ "الخالق" فيه بالسكينة والمدد.
لماذا لا نختار دائمًا ما نعرف أنه صحيح؟
كنت أظن، مثل كثيرين، أن قراراتي تصدر من عقلي.
أنني أفكّر… ثم أقرّر.
لكن مع الوقت بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا:
أعرف الصواب، وأفعل غيره.
أفهم العواقب، ثم أندم بعد فوات الأوان.
فإن لم يكن العقل هو من يقرر… فمن؟
هي لا تلوم الغضب،
ولا تلوم الرغبة،
ولا تلوم الشعور.
تلوم الاختيار.
وحين تغيب، يصبح الخطأ عادة،
وحين تحضر، يصبح الخطأ درسًا.
مع الوقت، أدركت حقيقة بسيطة غيّرت كل شيء:
أنا لست مسؤولًا عمّا أشعر به، لكنني مسؤول عمّا أفعله بعده
ولهذا، نحن لا نُحاسَب على ما نشعر به،
ولا على الفكرة التي خطرت،
بل على ما اخترناه بعد أن خطرت.
أحيانًا، بعد أن ينتهي كل شيء، يعود صوت آخر.
هادئ لكنه ثقيل.
يسألك: لماذا فعلت؟
كان بإمكانك أن تختار أفضل.
هذا ليس ضعفًا،
ولا كرهًا للذات.
هذه النفس اللوّامة،
التي لا تهاجمك، بل توقظك
ويبقى القلب في المنتصف.
هل يخضع لما هو حق؟
أم يتكبر ويفضّل ما يريحه الآن؟
ثم تأتي اللحظة التي لا يمكن الهروب منها.
لحظة القرار.
وهنا، بكل بساطة، لا يعود أحد يقودك سوى نفسك.
هنا يبدأ العقل بالتحرك.
لا ليأمر، بل ليشرح.
يستعرض الاحتمالات، يحسب النتائج، يذكّرك بما سيحدث إن اندفعت.
وفي الخلفية، صوت آخر لا يصرخ، لكنه حاضر:
هذا صحيح… هذا خطأ.
ذلك هو الضمير، لا يقاتل، ولا يجبر، فقط يحكم.
بعدها بلحظة قصيرة جدًا، يحدث شيء حاسم.
أنت تنتبه.
تقول في داخلك: أنا غاضب… أنا متوتر… أنا أرغب.
هذه ليست فكرة عميقة، لكنها لحظة فارقة.
لأنك في هذه اللحظة لم تعد الشعور،
بل أصبحت من يراه
في لحظة ما، شعور يظهر فجأة.
غضب، خوف، رغبة، ضيق.
لم أطلبه، ولم أُحضّره، فقط كان هناك.
وهنا فهمت أول درس:
المشاعر لا تستأذن، والرغبات لا تنتظر.
هذه اللحظة ليست خطأ، ولا ذنبًا.
هي فقط بداية القصة