انتقل الى رحمة الله تعالى
اخوي: مطلق محمد البغيلي
في يوم الجمعه 14 رمضان
أثر حادث سير بعد ادائه صلاة الجمعه
15/4/2022
اللهم ارحم و اغفر لقطعة قلبي أخي مطلق و انزله منزل الشهداء و الصديقين و احسن إليه يالله فإنه احسن إلي و يارب عوض شبابه بالجنه و جعل قبره روضه من رياض الجنه
رجاء… الذي علّمني أن الكبار يو��دون هكذا
كان نحيلًا، ظريفًا، عفيفًا، ومسامحًا على سجيّته.
نبيلًا بلا تكلّف، هادئ الطباع، لا يرفع صوته ولا يرفع حاجبيه، يبتسم كأن الدنيا لا تستحق الغضب.
أذكره جيدًا… بل أذكر نفسي عنده.
كنت إذا ذهبت إلى المدرسة أمرّ عليه في الديوانية المقابلة لمدرسة العضيلية، أجلس معه قبل الطابور، وأعود إليه بعد الخروج من المدرسة .
وكان فرحي لا يُوصف إن لم يكن عنده أحد؛ لأنني آخذ راحتي بالسوالف معه، فيكلّمني كأن عمري سبعون عامًا، لا كطفل في العاشرة.
قلت له مرة:
— يا عمي…
فضحك وقال:
— لا، أنا ماني عمك.
قلت: شلون؟
قال مبتسمًا:
— أنا ولد عم جدّك… وإذا كبرت تفهم.
أنا جدّكم الحين.
قلت له وأنا أضحك:
— يا جدي، أنا أحب قصايدك.
وذكرت له بيته:
ياالله دخيلك من ردات النصيبي
إذا تردّى الحظ ما ينفع الطيب
نظر إليّ طويلًا وقال:
— والله الظاهر إنك راح تصير شاعر يا ولدي.
كان إذا جلست معه يقرأ عليّ من القرآن.
سألته يومًا:
— اي سورة
قال: جزء عم.
كنت أرى من حوله من لا يقرأ ولا يعرف، ويظنون أنه لا يحفظ القرآن، لكنه كان يحفظ جزء عم كاملًا، عن ظهر قلب، بهدوء من لا يحتاج أن يثبت شيئًا.
سألته يومًا عن عينيه وقد غلب عليهما البياض، فقال ببساطة:
— أكلها ملح البحر.
كان غيصًا… بحرًا في الصيف،
وبريًّا في الشتاء مع الإبل.
يقول: بحري وبري.
يحفظ القصص، ويعرف التاريخ من الذاكرة لا من الكتب.
حدثني عن أيام الدفاع عن الكويت، وقال:
— يوم كنا على جيش…
استغربت وقلت: شلون على الجيش؟
قال:
— الجيش الإبل… فرسان وإبل، يسمونها جيش.
كان حكيمًا بالفطرة، لا يزعل، لا يخاصم، يستقبل ضيوفه بأدب، ويخاطب الناس باحترام، كأن الأخلاق عنده عادة يومية لا فضيلة مستعارة.
سمعته ذات يوم يقول في عزاء الدنيا:
«رحم يِدفع، وأرض تبلع»
عبارة بقيت معي العمر كله.
وحين كنت أرددها بين الأدباء والشعراء والفلاسفة قالوا:
— هذه ليست كلمة بدوي ولا حضري… هذه كلمة فيلسوف.
فقلت لهم:
— نعم… هذه كلمة جدّنا.
هو رجاء شباب البغيلي، رحمه الله.
كان في التسعينيات من عمره،
وكنت أنا في العاشرة أو الثانية عشرة،
رجل من رجال الكويت الذين كانوا يعملون بالغوص مع النوخذة ابن_علبان والنوخذة ابن_سليم وهو من مواليد عام 188٩
لكنه فتح لي أبواب الأسرار، وكأن الزمن بيننا لا وجود له.
كل جلسة معه كانت درسًا،
وتاريخًا،
ومرآة لكويتٍ نبيلة عاشت بين البحر والصحراء،
وتركت لنا إرثًا من الشعر، والحكمة، والهدوء الجميل.
��حم الله ابوشبيب
بعض الرجال لا يرحلون،
بل يتحولون إلى ذاكرة تمشي معنا العمر كله .