التواضع في النقاش لا يعني ضعف الحجة، بل قوة العقل. الفكرة تُوزن بدليلها لا بصاحبها، ومن ظن أنه يملك الحقيقة كاملة أغلق على نفسه باب الفهم .. قليل من التواضع يفتح مساحات أوسع للحوار والمعرفة .. صياغة الذكاء الإصطناعي ..
بسم الله الرحمن الرحيم
فُجعنا برحيل الأخ الحبيب الأستاذ الدكتور/ عادل بن إبراهيم العفالق رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته. وكم سابقت دموعي مداد قلمي، فقد كان كما قيل:
«رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمك».
قبل نحو خمسين سنة، أتى شابٌّ بابتسامته، فجلس أمامي في مكتبة جامعة الملك فيصل بالأحساء، فسررت به وصحبته على مدى هذه السنوات، ثم رحل أخيرًا، مودّعًا بآخر لقاء جمعنا بابتسامته المعهودة: «نشوفك يا بو محمد»… وما كنت أحسب أنه الوداع الأخير.
حباه الله صفاتٍ ما إن اجتمعت بشخصٍ حتى أحبّه من عرفه: كريمًا، صدوقًا، ودودًا، وفيًّا، أمينًا، عفيفًا. لا يذكر أحدًا اختلف معه بسوء، وكان بسيطًا متواضعًا مع من عرف ومن لم يعرف. وكم كنت أُسرّ حين أجده يمازح العاملين البسطاء وكأنه أحد أصحابهم، وكان يشكر ويثني على ما يُقدَّم له من عمل مهما بدا بسيطًا.
ومنذ أن بدأ يتقلّد مهامه الوظيفية في جامعة الملك فيصل، حتى تقاعده من جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، وهو يولي عمله جلّ وقته، بجهدٍ وإخلاصٍ وتجرد. وكان له من اسمه نصيب؛ إذ كان يتحاشى الواسطات على اختلافها، وعلّل ذلك مرة بقوله: «أخشى أن يُحرم أحدٌ حقه بسببي».
ولما ترقّى وظيفيًا وتعاظمت مسؤولياته، أصبح مشغولًا بما يُعهد إليه. وكم كان يأتي بملفات كثيرة إلى بيته ليسهر على إنجازها، يباشرها بهمةٍ ويتابعها بحرص. وكنت ألمس سروره الكبير مع كل إنجاز يستشعر أنه تحقق، خدمةً للجامعة والعملية التعليمية. فحاز ثقة من عملوا معه لصدقه وإخلاصه وتجرده.
أما نحن فقد افتقدناه كثيرًا، وعذرناه. وكم وددت أن يُخلَّد ذكره وذكر أمثاله ممن تركوا بصماتهم في أعمالهم، فهم كثر، ليكونوا أنموذجًا لمن ترك أثرًا صالحًا. وما أنجزوه في خدمة بلدهم على مدى أعمارهم ما أحسبه إلا عملًا صالحًا، تثقل به موازينهم يوم يلقون ربهم.
أما وقد رحل، فلا نملك إلا أن نقول:
إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب.
وإنا على فراقك يا أبا إبراهيم لمحزونون.
خالص العزاء والمواساة لأسرته الكريمة.
ملخص ما سبق عن خطوط السلالة E-M96 التي لها وجود في الجزيرة العربية والخليج العربي، خاصة الأحساء:
نكتفي بالخطوط التي تطرقنا إليها، ولا زالت هناك خطوط أخرى ممثلة بأعداد قليلة، وخطوط أخرى ذات انتشار أوسع خارج الجزيرة العربية تجنبنا الحديث عنها طلبًا للإختصار.
نشأت السلالة E-M96 في أفريقيا لزمن يتجاوز 50,000 سنة، في بيئة السافانا الممتدة بين شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.
تفرعاته الكبرى:
الخط E2 (E-M75): نشأ في غرب أفريقيا لزمن تجاوز 37000 سنة، وانتشر في مناطق السافانا والغابات المطيرة، لم يهاجر بشكل واسع خارج أفريقيا، لذا لم نشهد له تواجدًا في الجزيرة العربية والخليج العربي.
الخط E1b1b (E-M215): نشأ في شمال شرق أفريقيا، قرب وادي النيل، لزمن تجاوز 34000 سنة، منه تفرع M35 الذي لعب دورًا رئيسيًا في الهجرات نحو آسيا، متأثرًا بالجفاف الشديد الذي ضرب الصحراء الكبرى (قبل 15,000 سنة) حيث دفع جماعات إلى التحرك شمالًا نحو سيناء وبلاد الشام.
الخط E1b1a (E-V38): نشأ في أفريقيا جنوب الصحراء، قبل نحو 39,000 سنة، منه تفرع E-M2 الذي انتشر أولا في غرب أفريقيا، إبان توسع الغابات المطيرة هناك، لاحقًا، متأثرًا بالجفاف، تحركت فروع منه، شمالًا وشرقًا، وصولًا إلى باب المندب، ومنه إلى الجزيرة العربية.
سلكت تلك الخطوط مسارات نحو الجزيرة العربية والخليج، أهمها:
عبر وادي النيل إلى سيناء، فبلاد الشام، ثم إلى الجزيرة العربية والخليج العربي.
عبر باب المندب: إلى اليمن ثم سائر الجزيرة العربية والخليج العربي.
لعل مما نتبينه من حركة هذه التحورات أن الأحساء لم تكن يومًا مجتمعًا مغلقًا، بل نقطة التقاء بين وافدين من الشام والعراق واليمن، فكانت مرفأ للمهاجر والتاجر والجندي والفلاح، اختلطت فيها الخطوط التي تناولناها على السلالة E مع خطوط أخرى لسلالات أخرى J1 وJ2 وT وغيرها، منها ما سبقتها، أو عاصرتها أو لحقتها،حيث اندمج الجميع فكان أهل الأحساء.
هذا التنوع لا يصنع تفاضلًا، إنما يذكّر بأن تاريخ الأحساء ـ كما سائر مناطق وطننا، هي قصة تلاقٍ بشري مستمر، تعاقبت فيه أقوام مختلفة، وانصهرت في نسيج واحد جمعته الأرض، والعقيدة، والعيش المشترك، ويبقى الحمض النووي أداة لفهم هذا الماضي الكبير، لا للحكم على الناس ولا لتصنيفهم.
موعدنا لاحقًا مع سلالة أخرى، نتناول خطوطها السلالية ورحلتها إلى الأحساء .. انتهى
التحور العاشر: BY5784 بعمر نحو 1500 – 2400 سنة
ينتمي هذا التحور أيضًا إلى السلالة M35، عبر التحور E-M78، الأب المباشر للتحور الخامس Z1902، وأحد الآباء في سلسلة التحور الأول L1250، سبق الحديث عنهما.
خطه الجيني: M35 ⟶ V68 ⟶ M78 ⟶ PF2179 ⟶ Z1919 ⟶ BY5784.
مساره التاريخي: يمثل تفرّعًا حدث في نطاق وادي الرافدين وبلاد الشام وصولاً إلى الجزيرة العربية والخليج العربي، انحدر عن التحور Y16729 بعمر نحو 4100 – 4300 سنة الذي بدوره انحدر عن التحور BY3880 بعمر نحو 4300 – 4400 سنة، والتحور BY3880 له إنتشار واسع في حوض البحر الأبيض المتوسط، ظهرت عليه عينات قديمة في أوروبا، لكن يجمعهما سلف أقدم كان واسع الانتشار في الشرق الأدنى.
تتواجد عينات التحور BY5784 المعاصرة في الخليج العربي لفترة تمتد إلى 1500صعودًا إلى 2400 سنة، وهو زمن ازدهرت فيه طرق التجارة بين الخليج، وبلاد الشام والعراق، مما عزز الإنتقال والإستقرار والإاندماج السكاني حول موانئ الخليج.
تفرع عنه خطان:
الأول – BY40482 بعمر نحو 1500 سنة، تركز في قطر، مع وجود في الإمارات، والسعودية.
الثاني – F176351 بعمر نحو 900 - 1500 سنة، في الكويت والسعودية.
اندمج أبناء هذه التحور أيضًا في النسيج العربي، فمن يحمل موروثًا قبليًا، يكون ذلك نتيجة تحالفات، أو اندماج قديم في القبيلة.
يتبع .. 18
ودعت الأحساء أحد رجالاتها ..
المهندس والباحث في تاريخ الأحساء صالح بن عبدالوهاب الموسى، أسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان ..
كان رحمه ودودا متواضعا هاشا باشا مرحبا تعلو وجهه ابتسامة تشعرك أنك تعرفه من زمن بعيد ..
كان محبا للتاريخ، ولتاريخ الأحساء خاصة وببلدته المبرز بصورة أخص ..
مشجعا بحرص على البحث والقراءة، ويحتفي بمن يستشعر لديه هذا الإهتمام ..
تميزت كتبه بالأصالة فهو باحثا ومؤلفا أكثر منه ناقلا، يجد القارئ في كتبه ما قد لا يجده لدى سواه ..
هكذا رحل تاركا ذكرى عطرة لدى أبناء الأحساء ولدى كل من حظي بالالتقاء به في حياته ..
نعزي برحيله أسرة الموسى الكريمة وابنه الخلوق "عادل" وأشقائه .. فأحسن الله عزاءكم ..