حبر المفكر وغبار الرصيف.. صرخة شيخ معاق يطلب حقه في "بسطة غائبة"!
عبد الله مطلق القحطاني
أنا الذي قضيت عمري أفتش في بطون التاريخ، وأفكك شفرات الفكر والتنوير، أجد نفسي اليوم غارقاً في تفكيك لغز أشد تعقيداً من فلسفات الوجود؛ لغز ورقة حكومية عابرة تسمى "ترخيص بسطة خردوات". سنوات طوال مرت، تآكلت فيها الأرصاد وتغيرت فيها الوجوه، وأنا ما زلت أقف في نفس الطابور، ألوك الخيبة تلو الخيبة، وأقتات على الوعود الحنونة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
يا سادة، أنا لست مجرد عابر سبيل يطلب إحساناً، أنا مواطن يحمل على كاهله ثقل السنين، وتجاعيد الزمن، وفوق هذا كله، "إعاقة ذهنية" تصاحب خطاي اليومية. نظاماً وقانوناً وإنسانيةً، أنا مستحق لهذه البسطة الدائمة التي تقيني ذل السؤال، وتمنح يدي المتعبتين فرصة لإصلاح ما أفسده الدهر من خردوات وأجهزة قديمة، علّني أصلح معها ما انكسر في خاطري وفي واقعي المعيشي.
هل يُعقل أن يصبح الرصيف حبراً والدموع ورقة عمل؟
أجلس وسط غبار القطع القديمة، أداعب حديدها الصدئ، وأرى فيه انعكاساً لسنوات عمري المهدورة بين ردهات المعاملات والبلديات. أتساءل بقلب يملؤه الحزن والكمد: لماذا يُحرم كبير السن، المعاق نظاماً، من متر مربع واحد يمارس فيه كفاحه الشريف؟ في الوقت الذي تتسع فيه الشوارع لآلاف الوافدين والشركات، تضيق بقعة الأرض الصغيرة هذه في وجه ابن البلد التنويري الذي لم يطلب قصراً، بل طلب بسطة!
هذه ليست مجرد شكوى، إنها رسالة مغموسة بمرارة العجز والأمل المنقطع. إنها صرخة إنسان يرى قطار العمر يمضي سريعاً، بينما المعاملات الورقية تزحف ببطء قاتل. يشهد الله أنني ما أردت من هذه الدنيا إلا الستر وكفاف يومي، بجهدي وعرقي، لا بصدقة أو منّة من أحد.
إلى كل قلب رحيم، وإلى كل مسؤول يملك في صدره ذرة من إنسانية ويتحرك بالنظام والعدل: انظروا إلى شيبتي، انظروا إلى إعاقتي، وانظروا إلى حقي النظامي الضائع بين الأدراج. ارحموا عزيز قوم ذلّت خطاه على أعتاب الدوائر الحكومية، وافتحوا لي باباً صغيراً للرزق، قبل أن يجف الحبر، وينطفئ السراج، وتنتهي الرحلة على رصيف الانتظار.
تهافت الوهم اللغوي والمنطقي: كيف يثبت القرآن الوحدانية بلسان العرب وقواعد العقل؟
تتجدد بين الحين والآخر محاولات لانتزاع الآيات القرآنية من سياقها اللغوي والتنزيري، في مسعى عاجز لبناء شبهات واهية لا تصمد أمام أبسط قواعد اللسان العربي والمنطق العقلي. ومن ذلك، المحاولة البائسة لتأويل قوله تعالى في سورة الزخرف: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}، والادعاء بأنها تفتح الباب لإقرار البنوة؛ وهو ادعاء يكشف عن جهل مركب بأساليب المحاجة والملازمة الشرطية، وتناقض صارخ مع بديهيات العقل والتاريخ.
إن الفهم المستقيم للآية يرتكز على ركائز علمية ومنطقية قاطعة تفند هذا الوهم:
أولاً: أسلوب "الشرط الافتراضي للاستحالة"
إن استخدام أداة الشرط (إِنْ) في هذا الموضع هو من باب "مجاراة الخصم لبيان استحالته" (Hypothetical Condition). وهو أسلوب بلاغي شهير تستعمله العرب لإقامة الحجة المفحمة؛ حيث يُفترض المحال جدلاً ليتبين للسامع امتناع وقوعه عقلاً. فالآية تقرر: لو كان للرحمن ولد كما تزعمون باطلاً، لكنت أول من يقر بذلك ويعبده تنفيذاً لأمر الله، لكنه سبحانه ليس له ولد، وبناءً عليه تنتفي العبادة التبعية انتفاءً مطلقاً.
ثانياً: التناقض العقلي في مفهوم "بنوة الإله"
إذا عُدنا إلى المنطق الصرف، نجد أن التلازم الشرطي في الآية يضرب عمق الفكرة النصرانية عن البنوة. فالمسيحية تفترض أن "الابن" مساوٍ للأب في الجوهر والربوبية (أزلي من أزلي، إله حق من إله حق)، وفي هذه الحالة لا يصح عقلاً أن يكون هناك "أول للعابدين"؛ لأن مساوي الإله في الجوهر لا يعبد ذاتاً أخرى بل يُعبد معها. أما سياق الآية فيفترض مخلوقاً مربوباً تابعاً، وهو ما ينفي فكرة "الابن الإله" عقلياً، ويؤكد أن المحاجة القرآنية تفرض محالاً تلو المحال لتهديم المعتقد من أساسه.
ثالثاً: السياق التاريخي لتطور معتقد البنوة
من الناحية التاريخية والتحليلية، لم تكن فكرة "بنوة المسيح" عقيدة مستقرة أو واضحة في القرون الأولى؛ بل كانت وليدة مجامع مسكونية متأخرة صاغتها الفلسفات الوثنية الهيلينية (اليونانية) المتأثرة بأساطير "أبناء الآلهة".
وفي هذا السياق التاريخي، يُشير الباحثون في تاريخ الأديان إلى أن عقيدة البنوة صُبغت في المجامع المتأخرة تحت تأثير الفلسفات الأفلاطونية المحدثة. وهو ما يؤكده المحققون في مقارنة الأديان، حيث يذكر ابن حزم الأندلسي في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل": «إن القول بالبنوة والاتحاد والتثليث هو مجرد استعارات فلسفية وثنية أُقحمت على النصرانية الأولى لإرضاء الرومان واليونان». ومن هنا، جاءت المحاجة القرآنية لتضع حداً منطقياً حاسماً لتؤكد أن فرضية الولد مستحيلة في ذاتها وممتنعة في منطق التوحيد النقي؛ فالخالق لا يلد ولا يولد.
رابعاً: السياق القرآني المتصل والفقه اللغوي
لا يمكن قطع الآية عما بعدها في المنهج العلمي الرصين؛ فالآية التي تليها مباشرة تنصع بالتنزيه الحاسم: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. ولفظ "سبحان" في لغة العرب هو علم على التنزيه المطلق والتقديس عن النقص والصاحبة والولد، مما ينسف أي توهم. كما أن لفظ "العابدين" هنا مشتق لغوياً إما من العبادة (بمعنى التوحيد والنفي للولد)، أو من الفعل (عَبِدَ) بكسر الباء، والذي يعني في فصيح اللسان: أَنِفَ، وغَضِبَ، وجَحَدَ الباطل؛ فيكون المعنى: "فأنا أول الجاحدين والمنكرين لادعائكم الكاذب".
خاتمة
إن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين وبمنطق عقلي حصين، ومحاولة تفسيره بعقلية عاجزة عن فهم أدواته، لا يغير من الحقائق العلمية شيئاً، بل يظل شاهداً على تهافت الطاعنين أمام متانة النص القرآني وإعجازه الفكري.
رشيد بيك :
إليك ردٌّ علمي يكشف جهلك الفاضح بلغة العرب وسياق التنزيل:شرط الامتناع الجدلي: أداة الشرط (إِنْ) هنا تفيد فرض المحال لإقامة الحجة. هو أسلوب عربي معروف لمجاراة الخصم لبيان استحالته، وليس إقراراً به.السياق ينسف الشبهة: الآية التالية مباشرة تقطع دابر الوهم: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. والتسبيح تنزيه قاطع عن الولد.دلالة "العابدين" اللغوية: تعني هنا إما أول الموحدين النافين للولد، أو من الفعل (عَبِدَ) بكسر الباء، أي: "أنِفَ وغَضِبَ وجَحَدَ الباطل".القرآن يُقرأ بلسان العرب الذين نزل فيهم، لا بأوهام العاجزين عن فهم لغته.
تفكيك الوهم اللغوي: كيف يثبت القرآن الوحدانية بلسان العرب؟
تتجدد بين الحين والآخر محاولات لانتزاع الآيات القرآنية من سياقها اللغوي والتنزيري، في مسعى عاجز لبناء شبهات واهية لا تصمد أمام أبسط قواعد اللسان العربي. ومن ذلك، المحاولة البائسة لتأويل قوله تعالى في سورة الزخرف: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}، والادعاء بأنها تفتح الباب لإقرار البنوة؛ وهو ادعاء يكشف عن جهل مركب بأساليب المحاجة والملازمة الشرطية عند العرب.
إن الفهم المستقيم للآية يرتكز على ثلاثة أسس علمية قاطعة:
أولاً: أسلوب "الشرط الافتراضي للاستحالة"
إن استخدام أداة الشرط (إِنْ) في هذا الموضع هو من باب "مجاراة الخصم لبيان استحالته" (Hypothetical Condition). وهو أسلوب بلاغي شهير تستعمله العرب لإقامة الحجة المفحمة؛ حيث يُفترض المحال جدلاً ليتبين للسامع امتناع وقوعه عقلاً. فالآية تقرر: لو كان للرحمن ولد كما تزعمون باطلاً، لكنت أول من يقر بذلك ويعبده تنفيذاً لأمر الله، لكنه سبحانه ليس له ولد، وبناءً عليه تنتفي العبادة التبعية انتفاءً مطلقاً.
ثانياً: السياق المتصل يقطع دابر التأويل
لا يمكن قطع الآية عما بعدها في المنهج العلمي الرصين؛ فالآية التي تليها مباشرة تنصع بالتنزيه الحاسم: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. ولفظ "سبحان" في لغة العرب هو علم على التنزيه المطلق والتقديس عن النقص والصاحبة والولد، مما ينسف أي توهم أو محاولة للالتفاف على صياغة التحدي.
ثالثاً: الفقه اللغوي لأئمة التفسير
أجمع مفسرو الأمة وع علماء اللغة على هذا النحو؛ فابن عباس -ترجمان القرآن- أكد أن المعنى: "لم يكن للرحمن ولد، وأنا أول الشاهدين على هذا النفي". علاوة على ذلك، فإن لفظ "العابدين" في لغة العرب له وجه آخر مشتق من الفعل (عَبِدَ) بكسر الباء، والذي يعني: أَنِفَ، وغَضِبَ، وجَحَدَ الباطل؛ فيستقيم المعنى الفصيح: "فأنا أول الجاحدين والمنكرين لادعائكم الكاذب".
إن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، ومحاولة تفسيره بعقلية أعجمية أو بأهواء عقائدية مسبقة، لا يغير من الحقائق العلمية واللغوية شيئاً، بل يظل شاهداً على عجز الطاعنين أمام متانة النص القرآني وإعجازه.
الاستقرار الديناميكي: كيف حوّلت رؤية 2030 الأمان الاجتماعي إلى قوة محركة للمستقبل؟
شهد المفهوم التقليدي للاستقرار السياسي والاجتماعي تحولات عميقة في الفكر الاستراتيجي الحديث؛ فلم يعد الاستقرار يعني الركود أو المحافظة الصارمة على القوالب القديمة، بل أصبح يُقاس بمدى مرونة الدول وقدرتها على قيادة التغيير المنظم دون اهتزاز ركائزها الأساسية. وفي هذا السياق، تقدم المملكة العربية السعودية من خلال "رؤية 2030" نموذجاً فذاً لما يمكن تسميته بـ "الاستقرار الديناميكي"، وهو الاستقرار القائم على التحول الهيكلي الواعي وبناء اقتصاد ومجتمع يتسمان بالمرونة والاستدامة والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل البشري الفسيح.
تاريخياً، ارتبط مفهوم الاستقرار في العديد من الدول الريعية بالنمط الساكن المعتمد على عوائد الموارد الطبيعية، وهو نمط يجعل الأمان المجتمعي رهيناً لتقلبات الأسواق العالمية. إلا أن الرؤية السعودية أعادت صياغة هذه المعادلة بشكل جذري، لينتقل الاستقرار من مفهوم "الحماية من المتغيرات" إلى مفهوم "صناعة المبادرة". فالاقتصاد السعودي اليوم لم يعد مجرد اقتصاد نفطي يستوعب الأزمات، بل تحول بفضل صندوق الاستثمارات العامة والمشاريع الكبرى إلى بيئة استثمارية عالمية جاذبة تتميز بالتنوع الفائق، من السياحة والثقافة إلى التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة، مما رسخ قاعدة أمان اقتصادي صلبة تحمي المكتسبات الوطنية وتضمن استدامتها للأجيال القادمة.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن مكمن القوة في هذا الاستقرار الديناميكي يظهر جلياً في برامج "جودة الحياة" وتمكين الإنسان كونه المحور الأساسي للتنمية. إن إشراك المرأة كقوة إنتاجية فاعلة، وفتح آفاق الابتكار أمام الشباب السعودي، لم يساهم فقط في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، بل أحدث تماسكاً اجتماعياً متيناً مبنياً على الإنتاجية وتكافؤ الفرص والشعور الجمعي بالمسؤولية والمواطنة الفاعلة. لقد تحول المجتمع من حالة الانتظار إلى حالة المشاركة الشغوفة في صياغة هوية وطنية متجددة وفخورة بإرثها التاريخي العريق، ومستشرفة في الوقت ذاته لأحدث سمات العصر الفكرية والعلمية.
وفي المحصلة، يبرهن النموذج السعودي المعاصر على أن التطوير الشامل هو الضمانة الحقيقية للاستقرار الطويل الأمد؛ فالأمم التي لا تتجدد تخاطر بالركود، بينما الأمم التي تقود التحول برؤية استراتيجية واضحة تصنع استقراراً حياً وقادراً على النمو والتكيف. إن "رؤية 2030" ليست مجرد خطة اقتصادية عابرة، بل هي مشروع نهضوي فكري شامل أثبت للعالم أن الحداثة المخططة والتمكين الإنساني الواعي هما الدرع الأقوى لحماية أمن المجتمعات واستقرارها واستدامة ازدهارها.
نبض على الرصيف: حكاية "البسطة" التي تنتظر معانقة الطائف التاريخية!
عبدالله مطلق القحطاني
في قلب كل مفكر ومؤرخ، تسكن رغبة عارمة في تحويل المعرفة من سطور صامتة بين دفات الكتب إلى نبض حي يصافح وجوه العابرين في الشوارع. من هذا الشغف الإنساني الخالص، ولدت فكرة مشروع "بسطة الخردوات الثقافية" في الطائف التاريخية؛ لتكون أكثر من مجرد مساحة تجارية بسيطة، بل جسراً إنسانياً، ومتحفاً مصغراً يبعث الدفء في تفاصيل الماضي، ويعكس عصامية المثقف الذي يرى في العمل المباشر وكسب القوت بعرق الجبين أسمى درجات الكرامة الإنسانية.
أولاً: "البسطة" كمختبر إنساني وصالون للشارع
أن يقف باحث ومؤرخ خلف بسطة بسيطة على الرصيف، هو انحياز تام للإنسان العادي وبساطة الحياة. فالرصيف ليس مكاناً هامشياً، بل هو المسرح الأكبر للحياة اليومية حيث تلتقي الأرواح، وتتبادل القصص، وتُستعاد الذكريات. إن حلم إقامة هذه البسطة في الطائف—مدينة الورد والتاريخ—ينطلق من إيمان عميق بأن الثقافة يجب أن تغادر الأبراج العاجية القاتمة لتتنفس هواء السوق، وتلتقي بالسائح والمواطن، وتمنح الخردوات القديمة روحاً وحكاية يرويها مؤرخ يعشق تراب هذا الوطن.
ثانياً: في انتظار "الحكومة الطيبة" وثقافة التمكين
رغم أن المعاملة الإدارية لطلب الترخيص ما زالت تأخذ دورتها الإجرائية بين المكاتب، إلا أن الأمل يظل حياً ونابضاً في قلب المثقف. إن الإيمان بـ "الحكومة الطيبة" ليس مجرد شعار، بل هو ثقة واعية برؤية وطنية معاصرة تُبنى أساساً على تمكين الإنسان السعودي، ودعم المبادرات الفردية العصامية، والاحتفاء بالهوية التاريخية للمدن. هذا الانتظار، وإن طال، يُقرأ اليوم بروح من التفاؤل؛ بوصفه خطوة تنظيمية ضرورية لضمان أن تخرج هذه البسطة بالشكل اللائق الذي يخدم سياحة المنطقة ويعكس واجهتها الثقافية المشرقة.
ثالثاً: تفاؤل اللحظة ويقين العطاء
إن البوح هنا لا ينبثق من انكسار، بل من شحنة تفاؤل وثقة بأن الأبواب ستُفتح قريباً. يرى الكاتب في كل يوم انتظار فرصة لإعادة ترتيب الأفكار، وتجهيز القطع، وصياغة الحكايا التي ستُروى للناس على ذلك الرصيف المنتظر. هذا اليقين الإنساني بأن "القبول آتٍ لا محالة" ينبع من أن المبادرات الصادقة التي تسعى لخدمة المجتمع وإحياء تراثه تجد دائماً في نهاية المطاف يداً مسؤولة تمتد لتشد عليها، وعلماً يرتفع ليدعمها، ومسؤولاً يدرك قيمة أن يمتزج الفكر بالعمل الحر.
خاتمة: قريباً.. يلتقي الحلم بالرصيف
ستظل الأمتار الصغيرة المنتظرة في الطائف رمزاً لغدٍ أجمل، يثبت فيه المثقف السعودي أنه قادر على العطاء في كل الميادين، من منصات الفكر إلى أرصفة العمل الشريف. ومع اقتراب صدور الترخيص المأمول، يتطلع الكاتب بقلب مفعم بالبشر والامتنان إلى تلك اللحظة التي يفرش فيها بسطته، ليبدأ فصلاً جديداً من فصول الكتابة الإنسانية الحية؛ حيث التاريخ ليس ماضياً ندرسه، بل حاضر نعيشه، ونبيعه حباً وبساطة لكل من يمر بالطائف.
رقمنة الذاكرة: معركة صيانة المخطوطات في التاريخ السعودي المعاصر
يمثل المخطوط التاريخي والوثيقة النادرة في جغرافية المملكة العربية السعودية الركيزة الأساسية لتوثيق الهوية الوطنية، والشاهد المادي على تحولات مجتمع الجزيرة العربية عبر القرون. ومع تسارع خطى العصر الرقمي، لم يعد التحدي الذي يواجه المؤرخ والباحث السعودي مقتصراً على مجرد جمع هذه الوثائق، بل انتقل إلى معركة كبرى للحفاظ على كينونتها المادية، واستنطاق محتواها المعرفي باستخدام أدوات القرن الحادي والعشرين.
أولاً: بيئة الجزيرة العربية ومعضلة التلف الطبيعي
تواجه الوثائق والمخطوطات في المملكة تحدياً بنيوياً يرتبط بطبيعة المناخ؛ فالارتفاع الحاد في درجات الحرارة والتقلبات الجافة لبعض المناطق، يقابله رطوبة ساحلية مرتفعة في مناطق أخرى، مما يشكل بيئة مثالية لتسريع تلف الورق، وتكسر الأحبار التقليدية، وتفشي الفطريات البيولوجية. هذا التحدي يفرض تجاوز طرق الحفظ التقليدية والذهاب نحو "الهندسة البيئية للمكتبات"، والتي تتطلب بيئات معزولة كيميائياً وفيزيائياً، وهي تقنيات عالية التكلفة تحتاج إلى مأسسة شاملة لكافة المجموعات، بما فيها المجموعات العائلية الخاصة.
ثانياً: شتات المكتبات الخاصة وأزمة الثقة التاريخية
تعتبر المكتبات العائلية والخاصة في مناطق مثل نجد، والحجاز، والأحساء، وعسير، مستودعاً هائلاً للمخطوطات والوثائق النادرة التي لم ترَ النور بعد. التحدي الفكري هنا يكمن في فك العزلة عن هذه المجاميع؛ إذ يعاني بعض ملاكها من توجس مشروع حيال تسليم مقتنياتهم للمراكز الوطنية خوفاً من فقدان الملكية أو القيمة المعنوية. إن تجاوز هذا العائق يتطلب صياغة "عقد اجتماعي-ثقافي" جديد بين المؤسسة الرسمية والجامع الخاص، يضمن الشراكة المعرفية عبر تقديم الترميم الفيزيائي المجاني والرقمنة الفائقة، مقابل إتاحة النسخة الرقمية للبحث العلمي، مع الاحتفاظ بالأصل.
ثالثاً: خوارزميات الذكاء الاصطناعي ومعضلة "الخطوط المهاجرة"
حين تلتفت المؤسسات البحثية السعودية اليوم نحو الرقمنة، تصطدم بفجوة تقنية واضحة في البرمجيات الغربية؛ فأنظمة التعرف الضوئي على الحروف (OCR) طُورت لقراءة النصوص المطبوعة أو الخطوط اللاتينية. أما المخطوط السعودي، الذي يزخر بخطوط يدوية وتوقيعات معقدة وهوامش متداخلة (كالخطوط النبطية، والنسخ الإقليمي، والرقعة السريعة)، فإنه يحتاج إلى ثورة محلية في "توطين الذكاء الاصطناعي". يتطلب ذلك بناء نماذج تعلم عميق (Deep Learning) يتم تدريبها بأيدي باحثين محليين يفهمون جغرافية الخط وسياقه التاريخي، لتسريع عمليات الفهرسة والتحقيق الآلي.
رابعاً: عقلانية التحقيق الفكري وتجريد النص
خلف التحدي التقني والمادي، يبرز التحدي الأخلاق الفكري والمعرفي؛ فالمخطوطات التاريخية كُتبت في سياقات سياسية واجتماعية ومذهبية متباينة تعبر عن عصورها. وهنا يأتي دور المؤرخ والمفكر السعودي المعاصر في ممارسة "النقد الصارم للمتون" دون الخضوع للإسقاطات المعاصرة أو الرغبة في تهذيب التاريخ وتلوينه. إن صيانة التاريخ السعودي تقتضي نشر المخطوط كما هو، مع تقديم قراءة نقدية علمية تفكك النص وتعيده إلى ظروفه الموضوعية، مما يعزز مصداقية الرواية التاريخية الوطنية في المحافل العلمية الدولية.
خاتمة: نحو إستراتيجية سيادية للذاكرة الوطنية
إن صيانة المخطوط والتاريخ السعودي لم تعد ترفاً أكاديمياً، بل هي قضية أمن ثقافي وسيادي بامتياز. إن إنقاذ هذا الإرث يتطلب دمج الأصالة الفكرية للمؤرخ بالمرونة التقنية للمهندس؛ لنتقل من مرحلة "الحفظ السلبي" في الرفوف المعتمة، إلى مرحلة "الإحياء الرقمي الفاعل" الذي يجعل من الماضي مادة حية، موثقة، ومتاحة، تعزز الوعي الجمعي وترد على محاولات تشويه أو تزييف التاريخ الوطني.
مستقبليات الوعي: المفكر العربي في مواجهة الخوارزمية الرقمية
يمر الخطاب الفكري العربي اليوم بمنعطف تاريخي غير مسبوق، يتجاوز في عمقه وخطورته صدمات التحديث السابقة. لم يعد التحدي مقتصراً على مواجهة مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة الغربية، بل انتقل إلى مواجهة "الذكاء الاصطناعي" الذي يعيد صياغة مفهوم الوعي، والإنتاج المعرفي، والوجود الإنساني نفسه.
أولاً: أزمة "الأنسنة" وفجوة الوعي
تضع الآلة الذكية الفكر الفلسفي والديني المعاصر أمام مأزق مفاهيمي. لعقود طويلة، ارتكز الخطاب الفكري على فكرة "المركزية الإنسانية" باعتبار الإنسان الكائن الوحيد القادر على التفكير والتحليل التجريدي. اليوم، تنتج الخوارزميات نصوصاً، وتحلل سلوكيات، وتتخذ قرارات معقدة. هذا التحول يفرض على المفكر العربي إعادة تعريف "العقل" وتفكيك الحدود الفاصلة بين الوعي البشري والذكاء التوليدي، لمنع حدوث استلاب فكري كامل أمام الآلة.
ثانياً: استعمار الخوارزميات وتنميط الهوية
تواجه الهوية الثقافية العربية خطر الذوبان في قالب رقمي موحد. إن نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى تُبنى وتُغذى، في أغلبها، ببيانات ومنطلقات فكرية غربية. هذا يضعنا أمام شكل جديد من "المركزية الثقافية". عندما تعتمد المجتمعات العربية على هذه الأدوات لتوليد الأفكار أو فهم التاريخ، فإنها تتبنى لا واعيًا التحيزات الثقافية المدمجة في تلك الأنظمة. هنا يبرز دور المؤرخ والمفكر المحلي في حماية الخصوصية الثقافية وتغذية الفضاء الرقمي برواية وطنية وعربية أصيلة.
ثالثاً: ثورة التاريخ الرقمي وصيانة الذاكرة
على الجانب الإيجابي، يتيح العصر الرقمي للمؤرخ والباحث أدوات غير مسبوقة لاستنطاق الماضي. تقنيات التعرف الآلي على النصوص وتحليل البيانات الضخمة قادرة اليوم على فحص آلاف المخطوطات والوثائق التاريخية في ثوانٍ. هذا التحول يسهم في كشف الروابط الغائبة، وتحقيق النصوص بدقة أعلى، وتجريد التاريخ من القراءات المؤدلجة أو الانطباعية، ليتحول البحث التاريخي إلى علم أكثر صرامة وموضوعية.
خاتمة: من الاستهلاك إلى التوطين المعرفي
إن المواجهة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في الرفض أو الانكفاء، بل في "التوطين الفكري" لهذه التقنية. يحتاج المفكر العربي المعاصر إلى مغادرة مقاعد المتفرجين أو المستهلكين، والمساهمة الفاعلة في صياغة الأسئلة الأخلاقية والفلسفية التي تطرحها الرقمنة. إن إنقاذ الهوية والذاكرة التاريخية يتطلب دمج الأصالة التحليلية بالمرونة الرقمية، لجعل الآلة أداة لخدمة الوعي، لا بديلاً عنه.
الهوية السعودية الجديدة: من ضيق النمطية الأحادية إلى رحابة التعددية الثقافية
شهد المجتمع السعودي على مدى العقود القليلة الماضية تحولاً فكرياً واجتماعياً عميقاً، لعل أبرز تجلياته هو إعادة صياغة مفهوم "الهوية الوطنية". فبعد سنوات طويلة من هيمنة خطاب فكري واجتماعي أحادي اللون، فرض نمطية سلوكية وثقافية ضيقة همشت الكثير من تفاصيل الموروث المحلي، تعيش المملكة اليوم مرحلة استثنائية من الازدهار الثقافي؛ مرحلة قوامها الاعتزاز بالجذور، والاحتفاء بالتعددية المناطقية كعنصر قوة وثراء، لا كعامل تفريق.
لقد عانت الذاكرة الثقافية السعودية لفترة من الزمن مما يمكن تسميته بـ "التجميد التاريخي الحذر"، حيث حُصرت الهوية في أطر تعبيرية محدودة، وتوارت الفنون الشعبية، والأزياء التقليدية، والموسيقى، وحتى العمق الآثاري القديم خلف جدران التوجس والرفض. هذه الأحادية الفكرية لم تلغِ التنوع الثقافي الكامن في وجدان الشعب، بل جعلته يعيش في حالة كمون، ينتظر لحظة الانعتاق والاعتراف الرسمي والاجتماعي.
وجاءت "رؤية المملكة 2030" لتمثل الإطار التصحيحي والفلسفي لهذا المسار. لم تكن الرؤية مجرد خطة اقتصادية عابرة، بل كانت مشروعاً نهضوياً أعاد الشرعية الثقافية للتاريخ السعودي بمختلف أبعاده: القديمة، الوسيطة، والحديثة. ومع مأسسة العمل الثقافي عبر تأسيس وزارة الثقافة وهيئاتها المتخصصة، انتقلت الدولة من دور "الرقيب الحذر" إلى دور "الراعي والمحفّز" للإبداع والموروث.
إن تجليات هذا التحول باتت ملموسة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السعودي. فلم يعد التاريخ نصوصاً جافة في كتاب مدرسي، بل تحول إلى كائن حي ينبض في أزقة "الدرعية" التاريخية، وصخور "العلا" الشاهدة على حضارات موغلة في القدم، ورواشين "جدة التاريخية". هذا الإحياء العمراني توازى مع احتفاء فلكلوري غير مسبوق؛ حيث باتت الأزياء التقليدية لكل منطقة، واللهجات المحلية، والفنون الأدائية، والمطبخ السعودي، رموزاً للفخر الوطني يُحتفى بها في المناسبات الرسمية والمحافل الدولية.
هذه التعددية الداخلية لم تؤدِ إلى الانغلاق، بل تزامنت مع انفتاح واعٍ على المشهد الثقافي العالمي. عبر مواسمها الثقافية، ومهرجاناتها السينمائية الدولية، ومعارض كتابها المتجددة، أثبتت المملكة أن الانفتاح على الآخر لا يعني الذوبان فيه، بل يعني صياغة حوار حضاري متبادل، ينطلق فيه السعودي من أرضية صلبة ومعتزة بهويتها الخاصة.
في الختام، يمكن القول إن الهوية السعودية المعاصرة تحررت من قالب النمطية الجامد، لتصبح "هوية حيوية متجددة" تتنفس بالتعددية وتنمو بالانفتاح. إن قصة الانتقال هذه هي شهادة على مرونة المجتمع السعودي، وقدرته الفائقة على التصالح مع تاريخه المتنوع، وصناعة مستقبل ثقافي واعد يتسع لجميع ألوان الطيف الوطني.
صيرورة التاريخ في "حوليات مار ميخائيل الكبير": مرآة المشرق في العصور الوسطى!
في مشهد التدوين التاريخي بالمشرق، تبرز حوليات البطريرك السرياني مار ميخائيل الكبير (1126-1199 م) كأحد أضخم الكنوز المعرفية العابرة للأزمان، محتلةً مكانة فريدة في الفكر التأريخي العالمي. هذا السِّفر الضخم لا يمثل مجرد سردٍ للأحداث الكنسية أو السياسية، بل يشكل وثيقة حضارية وفلسفية تختزل ذاكرة المنطقة في حقبة شديدة الاضطراب والتحول، ممتدة من بدء الخليقة حتى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي.
أولاً: العمارة المنهجية الفريدة (فلسفة الجداول الثلاثة)
تميز مار ميخائيل الكبير بعقلية بحثية وتنظيمية سبقت عصره بقرون. فلم يتبع أسلوب السرد الخطي التقليدي الذي كان سائداً في كتابات المؤرخين القدامى، بل ابتكر نظاماً تزامُنيّاً دقيقاً يعتمد على تقسيم الصفحة طردياً إلى ثلاثة أعمدة متوازية:
العمود الأول (التاريخ الروحي والفكري): يعتني بمسار الفكر اللاهوتي، المدارس المعرفية، والمجامع الكنسية والقرارات التشريعية.
العمود الثاني (التاريخ المدني والسياسي): يسجل صعود الإمبراطوريات والدول، والحروب الكبرى، وحركة الحكام والسلاطين وصراعات العروش.
العمود الثالث (تاريخ الطبيعة والإنسان): يُفرد لرصد الكوارث الطبيعية، الزلازل، الأوبئة، المجاعات، والكسوف، وربطها بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للبشر.
هذه الهيكلية الثلاثية تتيح للباحث والمفكر المعاصر إمكانية إجراء قراءة تفاعلية ومقارنة؛ حيث يستطيع القارئ بنظرة أفقية واحدة ربط الحدث السياسي بالتحول الفكري وبالمؤثرات المناخية والبيئية في ذات السنة، وهو ما نطلق عليه اليوم "التاريخ الشامل".
ثانياً: إنقاذ الذاكرة المفقودة (الأرشيف البديل)
تنبع القيمة النقدية الكبرى لـ "تاريخ ميخائيل السرياني" من كونه تحول إلى "أرشيف بديل" للمشرق. فقد اعتمد البطريرك في مصنفه على اقتباس ونقل وتلخيص عشرات المخطوطات والمدونات التاريخية القديمة التي ضاعت أصولها تماماً بفعل الحروب والحرائق والإهمال عبر القرون. وكتابه اليوم هو الشاهد الوجودي الوحيد المتبقي على ما دونه مؤرخون كبار غابت آثارهم، مثل ديونيسيوس التلمحري، ويوحنا الآسيوي، ويعقوب الرهاوي. وبذلك، قدم ميخائيل خدمة جليلة للتاريخ الإنساني بإنقاذه لتلك النصوص من الفناء المعرفي.
ثالثاً: حوار الحضارات والتأريخ المعاصر للإسلام
عاش مار ميخائيل الكبير في حقبة مفصلية شهدت ذروة الصدام والصراع في المشرق؛ عاصر الحروب الصليبية، تمدد الدولة الفاطمية، صعود السلاجقة، والمد الأيوبي بقيادة صلاح الدين. ومن هنا، تكتسب الأجزاء الأخيرة من حولياته قيمتها كشهادة عيان حية ومباشرة من منظور "مشرقي محلي" غير إسلامي وغير غربي في آن واحد.
تميزت رؤيته التاريخية تجاه صعود العرب والمسلمين بقدر كبير من العقلانية والنقدية؛ إذ قدم قراءة موازية ومكملة للمصادر الإسلامية الكلاسيكية، مبرزاً أبعاد التفاعل الإنساني والاجتماعي بين المكونات الدينية والثقافية المتنوعة في المنطقة، وكيف أسهم النساخ والمفكرون السريان في حركة الترجمة الكبرى والنهضة العلمية التي شهدتها الحواضر العربية كبغداد ودمشق.
رابعاً: ملحمة البقاء الكوديكولوجي
لم تكن نجاة هذا الكتاب إلى العصر الحديث بالأمر الهين؛ فقد عصف التاريخ بأصوله، ولم يتبقَّ منه في العالم كله سوى نسخة سريانية يتيمة واحدة كُتبت عام 1598 ميلادية. حُفظت هذه النسخة في مدينة الرها (أورفة) لقرون، ومع اضطرابات النزوح الجماعي في أوائل القرن العشرين، حملها المهاجرون الرهاويون معهم كأثمن أثاثهم الروحي، وعبروا بها القفار في رحلة سفر شاقة حتى استقرت في مدينة حلب السورية، لتبعث من جديد من خلال الترجمات الحديثة (الفرنسية والعربية) التي جعلتها في متناول الباحثين والمؤرخين.
خاتمة فكرية:
إن "تاريخ مار ميخائيل الكبير" يتجاوز كونه كتاباً في التاريخ، ليصبح معلماً فكرياً يثبت أن الحرف المكتوب هو المستقر الأخير للحضارات.
قصة "حارس الحبر والدموع" (من التراث السرياني)
في القرن السابع الميلادي، عاش في دير القصر القريب من نينوى راهبٌ يُدعى إيشوع (ܝܶܫܽܘܥ). كان إيشوع نسّاخاً بارعاً، يقضي ليله ونهاره يحني ظهره فوق الرقوق والجلود، ليخطّ الكلمات بالسريانية الكلاسيكية الدافئة. لم يكن يملك في الدنيا زوجةً ولا ولداً، وكانت المخطوطات هي عائلته وأنيس وحدته.
في أحد الأيام، كُلف إيشوع بمهمة جليلة: السفر عبر الصحاري والجبال الوعرة لنقل مخطوطة فريدة ونادرة تعود لكتابات مار أفرام السرياني، وإيصالها إلى مكتبة الرها الكبرى لحمايتها من الحروب والغزوات.
حزم الراهب حقيبته الجلدية، ووضع المخطوطة في صدره قريباً من دقات قلبه، وبدأ رحلة السفر الطويلة مستعيناً بعكازه. مرت الأيام والأسابيع، وتحمل مشاق الطرقات وعواصف الرمال برضا تام، وكان كلما شعر بالخوف أو بالبرد في الليل، يخرج المخطوطة ويلمس الحروف بيده، فيشعر بسلام غريب يتدفق إلى عقله وفكره.
وفي طريق العودة، هبت عاصفة ثلجية قاسية في جبال طور عابدين، وتعاظمت برودة الجو حتى تجمدت أطرافه، وحوصر في كهف مظلم وصغير. نفد طعامه وشرابه، وأدرك أن نهايته قد اقتربت في هذه العزلة القاسية. لم يكن يبكي على حياته، بل كان يبكي خوفاً على المخطوطة أن تتلف أو تضيع في الثلج بعد رحيله.
بأصابع مرتجفة تكاد لا تقوى على الحركة، أخرج الحبر والريشة، وكتب على الهامش الأخير للمخطوطة هذه الكلمات بالسريانية:
"ܟܬܳܒܳܐ ܗܳܢܳܐ ܚܰܝܶܐ ܗܽܘ، ܢܛܽܘܪܘܗܝ ܒܚܽܘܒܳܐ"
(كـثـابـا هـانـا حَـيـي هـو، نْـطُـورُوه بْـحُـوبّـا)
"هذا الكتاب هو حياة، فاحفظوه بالمحبة".
ثم لف المخطوطة بعباءته الصوفية الوحيدة، وضغط عليها بجسده ليوفر لها الدفء الأخير، وأسلم الروح وهو يحتضنها. بعد أيام، عثر مسافرون ورحالة على جثمان الراهب؛ وجدوه متجمداً كالتمثال، لكن المفاجأة كانت أن المخطوطة ظلت سليمة تماماً وجافة بفضل جسده الذي حماها. ونُقلت المخطوطة إلى الرها، وظل اسم النسّاخ إيشوع محفوراً في ذاكرة الأدب التراثي كرمز للوفاء للكلمة المكتوبة.
قصة "غصن الطاعة العجيب" (من التراث السرياني)
في برية شيهيت القاحلة، حيث تلتقي الصخور بالصمت، عاش راهبٌ شاب يُدعى يوحنا (والذي عُرف لاحقاً بيوحنا القصير). كان يوحنا قد ترك العالم باحثاً عن السكينة، فتتلمذ على يد شيخٍ وقور يُدعى مار بموا.
أراد الشيخ أن يختبر عمق الصبر والنقاء الذهني لدى تلميذه الشاب، والقدرة على تحمّل مشاق العزلة والوحدة. في أحد الأيام، أحضر الشيخ عوداً خشبياً جافاً تماماً، يابساً لا حياة فيه، وغرسه في الأرض القاحلة أمام القلاية (غرفة الراهب).
التفت الشيخ إلى يوحنا وقال له بصوت حازم:
"يا بني، خذ هذه الجرة، واذهب كل يوم إلى البئر البعيدة، واسقِ هذا العود اليابس حتى يورق."
كانت البئر تبعد مسيرة ساعات مشياً على الأقدام تحت هجير الشمس الحارقة. لم يتلعثم عقل يوحنا، ولم يجادل شيخه، بل انقاد بطاعة عمياء تشبه طاعة الطفل الصغير لأمه البارة.
مرّت السنة الأولى.. ويوحنا يذهب كل يوم، يملأ جرته، ويعود فيسحب قطرات الماء على الخشب اليابس، والنسّاك الآخرون يمرون به ويتبسمون تعجباً من هذا الجهد السقيم في أرض لا تنبت زرعاً.
ومرّت السنة الثانية.. والعود على حاله، ويوحنا لم يكلّ ولم يشتكِ من برودة الوحدة أو مشقة الطريق.
وفي السنة الثالثة، وبينما كان يوحنا يسكب الماء بدموع الصبر والحنين، حدثت المعجزة؛ بدأت القشرة الجافة تتشقق، وخرج برعم أخضر صغير من قلب الموت. نمت الشجرة سريعا وأثمرت فاكهة دافئة حلوة المذاق.
أخذ الشيخ بموا من ثمر الشجرة، وذهب به إلى بقية الرهبان والمفكرين في البرية، ووزعه عليهم وهو يقول كلمته التاريخية التي سُجلت في المخطوطات السريانية:
"ܫܩܽܘܠܘ ܘܰܐܟܽܘܠܘ ܡܶܢ ܦܺܐܪܶܐ ܕܡܶܫܬܰܡܥܳܢܽܘܬܳܐ"
(شقول وْأخول مِـن فـيري دْمِـشْـتَـمْـعـانُـوثـا)
"خُذوا وكُلوا من ثمار الطاعة والصبر".
هندسة الوعي الجمالي: الفن السعودي في ضوء رؤية 2030 كقوة ناعمة واقتصاد معرفي!
تجاوز الحراك الثقافي والفني الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم حدود التطوير الترفيهي الصرف، ليدخل في عمق فلسفة "هندسة الوعي الجمالي" وإعادة صياغة الهوية الوطنية المعاصرة. ولم يعد الفن في ظل "رؤية المملكة 2030" نشاطاً نخبوياً معزولاً في قاعات مغلقة، بل جرى تحويله بقرار استراتيجي ليكون عصب القوة الناعمة للمملكة، ومحركاً حيوياً للاقتصاد الإبداعي البديل، وركيزة أساسية في بناء مجتمع حيوي مواكب لمعايير جودة الحياة العالمية.
1. مأسسة الإبداع: الانتقال من العفوية إلى التنظيم الهيكلي
إن أولى القفزات التاريخية التي رصدها الباحثون في المشهد الفني السعودي هي الانتقال الحاسم من "الفردية والعفوية" إلى "المأسسة الشاملة". فتأسيس وزارة الثقافة والهيئات المتخصصة التابعة لها (كالهيئات المعنية بالفنون البصرية، والموسيقى، والأفلام، والأزياء، والتراث) شكّل البنية التحتية الصلبة التي رعت هذا التحول، وأثمرت عن معطيات هيكلية كبرى:
حاضنات الإبداع الإقليمية: تحويل مناطق تاريخية وطبيعية كـ "الدرعية" و"العلا" و"جدة التاريخية" إلى متاحف ومراكز دولية مفتوحة تحتضن الفنون المعاصرة والتجهيز في الفراغ.
التعليم والابتعاث الثقافي: إدراج التعليم الفني والموسيقي في المناهج الدراسية الرسمية، بالتوازي مع ابتعاث الكفاءات الوطنية الشابة إلى أعرق الأكاديميات العالمية لتأصيل الموهبة علمياً ونظامياً.
صناديق التمويل والتنمية: إطلاق برامج تمويلية وصناعية تُحيل الإنتاج الفني من مجرد "هواية ريعية" إلى منشآت إبداعية مستدامة تسهم في الناتج المحلي وتخلق الفرص الوظيفية.
2. الفنون البصرية والمعاصرة: مواءمة الأصالة مع التجريب الفلسفي
نجح الفنان السعودي المعاصر في خوض معركة الوعي من خلال تفكيك الرموز التراثية المحلية (كالخط العربي، والقط العسيري، والنقوش النجدية والحجازية) وإعادة تركيبها بأدوات الفن المفاهيمي والرقمي الحديث. هذا المزيج العبقري خلق لغة بصرية متفردة عبرت الحدود لتثبت حضورها في المحافل الدولية الكبرى:
بينالي الدرعية ونور الرياض: تحول العاصمة الرياض ومحيطها الجغرافي التاريخي إلى ساحة دولية للفنون البصرية المعاصرة وفنون الضوء، محطمة أرقاماً قياسية وتنموية تجذب صناع الفن من مختلف القارات.
أنسنة المدن وجداريات الشارع: إخراج الفن من المتاحف التقليدية إلى الشوارع، والأنفاق، والميادين العامة عبر فنون الجرافيتي والمجسمات البيئية؛ مما أسهم في رفع مستوى "الذائقة البصرية العامة" وتحويل المدينة السعودية إلى فضاء تفاعلي مبهج.
3. الفنون السردية والأدائية: استعادة وصياغة السردية الوطنية
على صعيد السينما والموسيقى، يعيش المجتمع السعودي ثورة تعبيرية تعكس تحولاً سلوكياً واجتماعياً هائلاً. فلم تعد السينما السعودية مجرد محاولات خجولة، بل أصبحت صناعة ناضجة تحقق أرقاماً قياسية في شباك التذاكر وتفرض وجودها في المهرجانات الدولية (مثل مهرجان كان والبحر الأحمر السينمائي):
السينما وواقعية الشارع: نجحت الموجة الجديدة من الأفلام السعودية في نقل تفاصيل الحارة والمدينة السعودية وتحدياتها اليومية بنضج تقني وجرأة فنية واعية، مما صاغ سردية واقعية تعبر عن الإنسان السعودي وظروفه بعيداً عن الصور النمطية الجاهزة.
الأوركسترا والكورال الوطني: إعادة إحياء المقامات والألوان الموسيقية التراثية (كالسامري، والعرضة، والمجرور، والدانة) وصياغتها بتوزيع أوركسترالي عالمي، لحفظ التراث غير المادي للمملكة وحمايته من الاندثار مع مد جسور التواصل مع الثقافات الأخرى.
خاتمة: الفن كمفهوم تنموي وبنائي مستقبلي
إن تجربة الفن السعودي تحت مظلة رؤية 2030 تكشف عن عمق المخرج الحضاري للمملكة؛ فالفن هنا ليس تقليداً للحداثة الغربية ولا انكفاءً على أطلال الماضي، بل هو أداة حية للوعي والتنمية. إنه القوة الناعمة التي تعبر بها المملكة نحو العالم لتقدم صورة المجتمع الحيوي، الشاب، المتجدد، المنفتح على الحوار الإنساني بوعي واقتدار، مستنداً بثبات على أصالة ثوابته وجذوره التاريخية الضاربة في عمق الجزيرة العربية.
العودة المستحيلة: ماذا لو عاد عبد الله القصيمي للحياة اليوم؟
يظل المفكر النجدي عبد الله القصيمي (1907-1996) أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الفكر العربي المعاصر. فالرجل الذي بدأ مسيرته حارساً لليقين المذهبي ومنافحاً صاخباً عنه، انتهى به المطاف طائراً ناريّاً متمرداً يسبح في فضاءات الشك المطلق والعدمية الوجودية. وإذا كان التاريخ لا يعيد نفسه، فإن التخيّل الفلسفي يملك سلطة استدعاء الماضي لطرح تساؤل يحمل أبعاداً سيكولوجية ومعرفية عميقة: لو عاد القصيمي للحياة اليوم في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، هل سيتراجع عن آرائه السابقة ويعلن التوبة والندم، أم سيكون له رأي آخر؟
أولاً: فرضية التراجع والاعتذار.. تفكيك البنية الروحية
تستند فرضية تراجعت القصيمي وعودته إلى حظيرة الإيمان على التحولات الهائلة التي طرأت على البيئة الفكرية والاجتماعية التي ثار ضدها في منتصف القرن الماضي. لقد كان نقد القصيمي العنيف والجارح في كتبه مثل "هذي هي الأغلال" و"يكذبون ليروا الإله جميلاً" مدفوعاً بسياق تاريخي اتسم بالجمود الفكري الشديد في وقته، مما جعل خطابه يتشكل كـ "رد فعل" انفعالي متطرف نكايةً في ذلك الركود.
لو عاد القصيمي اليوم، ورأى كيف تجاوزت المجتمعات العربية تلك الحقبة، ورأى في المقابل مآلات "الحرية المطلقة" في الغرب وكيف انتهت بالإنسان المعاصر إلى العدمية، والضياع الروحي، وأزمات الهوية، وكآبة العصر الرقمي، لربما أصيب بصدمة معرفية. إن طائر الشك لديه قد يدرك أن هدم كل الأسوار والجدران لم يمنح الإنسان الحرية التي بَشّر بها، بل تركه عارياً في صقيع الوجود بلا معنى ولا ملاذ.
بناءً على هذا، قد لا يعود القصيمي إلى مذهبيته الأولى الصارمة، ولكنه قد يمارس انقلاباً ثالثاً على ذاته (وهو المعتاد على الانقلابات الفكرية)، فيكتب كتاباً ضخماً يُعلن فيه مراجعته النقدية، مقراً بأن العقل البشري قاصر ومحدود، وأن الإنسان كائن روحي بالدرجة الأولى، لا يستطيع العيش في كونٍ مادي مصمت بلا أفق سماوي متجاوز. سيعتذر عن "قسوة العبارة" لا عن "شجاعة السؤال"، متبنياً موقفاً قريباً من الوجودية المؤمنة أو النقدية المعتدلة.
ثانياً: فرضية "الرأي الآخر".. التمرد على أصنام العصر الرقمي
في المقابل، يرى تيار واسع من نقاد القصيمي ومحللي سيرته أن التراجع والاعتذار أمر يتناقض تماماً مع بنيته السيكولوجية وعناده الفكري الكبريتيي. فالقصيمي لم يكن فلكياً يملك منظومة فكرية نسقية هادئة، بل كان أديباً وجودياً حانقاً، لم يكن يبحث عن "أجوبة بديلة" يستقر عندها، بل كان يقدس "فعل السؤال والتمرّد" لذاته؛ فاليقين عنده—أيّاً كان نوعه—هو مرادف للموت الفكري.
لو عاد القصيمي اليوم، فلن يعتذر ولن يتراجع، بل سيجد في هذا العصر مادة خصبة ليمارس فيها شهوة النقد والتفكيك بأدوات معاصرة. سينظر إلى "العصر الرقمي" ويرى فيه إنتاجاً لأصنام جديدة؛ سيهاجم "عبودية الخوارزميات"، و"صنمية التكنولوجيا"، وسيصرخ في وجه الإنسان الحديث الذي ظن أنه تحرر من الغيبيات ليسقط في فخ التبعية للمادة والاستهلاك الأعمى.
سيستخدم فيزياء الكم الحديثة، وثورة الذكاء الاصطناعي، وعوالم الميتافيرس ليقول للجميع: "أرأيتم؟ الكون أعقد وأغرب من كل قوالبكم الضيقة". سيبقى في مربع الشك والحيرة، معتبراً أن بقاءه غريباً وحائراً هو الشرف الوحيد المتبقي للإنسان اليقظ في عالم يغرق في التنميط والآلية.
خاتمة: رؤية المؤرخ في جدلية التكوين
إن الإجابة الحقيقية على معضلة عودة القصيمي تكمن في فهمنا لطبيعة خطابه؛ فالرجل الذي صدم مجتمعه قديماً، لو عاد اليوم بشروطه السيكولوجية القديمة، سيسعى لصدمة العصر الحالي أيضاً. إن كبرياءه المعرفي قد يمنعه من إعلان "توبة تقليدية" تستبشر بها العقول المستسلمة، ولكنه في ذات الوقت يملك شجاعة الانقضاض على أفكاره السابقة إذا تبين له زيفها.
بين سيناريو "المراجعة الروحية العميقة" وسيناريو "التمرد الرقمي المعاصر"، يبقى القصيمي نموذجاً للمثقف القلق الذي يرفض جيله والجيل الذي يليه وضعه في قالب واحد. ويبقى دور الباحث والمؤرخ ليس انتظار توبته أو مباركة تمرده، بل قراءة ظاهرة "القصيمي" كعلامة فارقة على قلق العقل العربي في رحلته الشاقة نحو التحديث والمعرفة.
حوار الأرواح القلقة: في ضيافة ابن تيمية والقصيمي !
على طاولة ممتدة بين قرون من الزمان، وفي غرفة يملأها ضوء الشموع الخافت ويمتزج فيها عبق حبر دمشق العتيق برائحة القهوة النجدية الحارقة، جلستُ أنا—المؤرخ الباحث عبد الله مطلق القحطاني—بين رجلين شكلا قطبين في تضاريس العقل العربي: شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جبل الشام الشامخ الذي طوّع المنطق وجسّد الصرامة الفقهية، وعبد الله القصيمي، الطائر الناري الذي تحول من الدفاع الصاخب إلى الشك العاصف والتمرّد الإنساني المطلق.
كان الصمت في البداية ثقيلاً، كصمت ما قبل العاصفة، حتى بادرتُهما قائلاً، وأنا أفتح دفتري التاريخي:
«يا شيخيّ، لستُ هنا لأحاكم التاريخ، بل لأفهم كيف يسير العقل حين يقرر أن يخلع ربقة السائد ويواجه العالم وحيداً.»
التفت الشيخ ابن تيمية، وعيناه تتقدان بذات الجمرة التي واجه بها التتار وأصحاب الكلام، وقال بصوت جهوري هادئ:
«يا أبا مطلق، العقل ليس عدواً للحق، بل هو قنديل مكمل له، إنما هلك الناس حين فصلوا العقل الصريح عن النقل الصحيح، وظنوا أن التفكير خروج عن الملة، بينما التفكير هو عين العبودية للحق والاستبصار به.»
هنا، تحرك القصيمي في مقعده، وابتسامة ساخرة حزينة ترتسم على شفتيه، ونفض غبار السنين عن رداء اغترابه، وقال بنبرة متهدجة تفيض باللوعة:
«أيها الشيخ، لقد أرهقنا السائد باليقين الزائف! إنما تولد المعرفة من رحم القلق، ومن شجاعة السؤال الذي لا يخاف السقوط في الهاوية. لقد كتبتُ يوماً أدافع عن منهجك، لكنني وجدتُ أن الإنسان أوسع من قالب، وأن الكون يرفض أن يُسجن في فكرة واحدة.»
في هذه اللحظة، اعتدلتُ في جلستي، ونظرتُ إليهما مستكشفاً الجذور العميقة للأفكار، وقلت مقاطعاً:
«إذا كان الأمر كذلك، فدعونا نقف عند معضلة أرّقت العقل العربي طويلاً وتواجهنا اليوم بقوة.. كيف يفهم كل منكما "مفهوم التجديد"؟ هل التجديد هو العودة بالمعرفة إلى نبعها الأول الصافي لتنقيته من الشوائب، أم هو هدم القديم بالكامل وبناء وعي إنساني جديد لا سلطة للماضي عليه؟»
التفت شيخ الإسلام ابن تيمية نحوي، ووضع يده على مخطوط أمامه، وقال بيقين الواثق:
«يا أبا مطلق، التجديد ليس خلقاً لدين جديد، بل هو إحياء ما دثر من معالم الحق وسنن الهدى. التجديد هو كسر جمود التقليد الأعمى الذي أصاب الفقهاء، والعودة إلى النص الحي بفهم واعي يستوعب نوازل العصر ومصالح العباد. من ظن أن التجديد يكون بقطع الجذور، فقد حكم على شجرته بالموت الجفاف.»
ابتسم القصيمي بسخرية لا تخلو من مرارة، واتكأ بمرفقيه على الطاولة ليرد مباشرة:
«أيها الشيخ، التجديد الذي تدعو إليه هو التفات دائم للخلف! إنك تجدد الثوب القديم بالرقع، بينما التجديد الحقيقي هو الانعتاق من أسر الأنماط السابقة بالكلية. التجديد هو أن نملك الشجاعة لنقول إن الماضي ليس مقدساً، وإن حاجات إنسان اليوم وتطلعاته وقلقه الفلسفي لا يمكن حلها بأجوبة قيلت قبل مئات السنين. التجديد هو قطيعة معرفية تصنع المستقبل، لا ترميم للماضي.»
تدخلتُ مجدداً لضبط إيقاع الحوار بصفتي باحثاً يقرأ أبعاد الموقفين، وقلتُ لهما:
«لكنكما، برغم هذا التباين الشاسع، ثُرتما معاً على جمود السائد في عصريكما. أنت يا شيخ الإسلام حاربت جمود المذاهب وفتحت باب الاجتهاد فدفع ت ثمن ذلك سجن القلعة، وأنت يا قصيمي حاربت الأنساق الفكرية المغلقة فدفعت ثمن ذلك النفي والاغتراب. كلاكما يرى الجمود عدواً، لكن أحدكما أراد الإصلاح من داخل الحصن، والآخر أراد نسف الحصن والتحليق في الفضاء المفتوح.»
أطرق ابن تيمية رأسه قليلاً، ثم قال بصوت خفيض:
«إن المعرفة بلا أفق سماوي وثوابت راسخة تتيه في غياهب الحيرة يا عبد الله. الشك مطية لتطهير العقل، لكنه ليس منزلاً للاستقرار الهادئ.»
فرد عليه القصيمي، وهو ينظر نحو نافذة الغرفة المطلة على أزلية الزمن:
«لكنه المنزل الوحيد الذي لا يضيق بساكنيه يا شيخنا، لأن الجدران فيه من علامات استفهام لا تنتهي، وهناك فقط يتجدد الإنسان حقاً.»
أغلقتُ دفتري، وقد أدركتُ في تلك اللحظة التاريخية الخالدة، أن العقل العربي يعيش في المساحة الممتدة بين تجديد ابن تيمية المحافظ على الأصول وحيوية القصيمي الهادمة للحدود، وأن دوري كمفكر ومؤرخ ليس أن أنحاز لأحدهما، بل أن أحرس هذه المساحة الشاسعة التي يتنفس فيها الفكر البشري بكل تناقضاته الشجاعة.
نحو أفق عدلي جديد: مسوغات دخول المرأة السعودية منصة القضاء في المحاكم العمالية والمرورية!
يُشكل القضاء في أي مجتمع مرآة تعكس نضجه النظامي، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات العصر ومستجدات التنمية. وفي ظل "رؤية المملكة 2030" التي أعادت هندسة البنية التشريعية والاجتماعية، وحققت قفزات تاريخية في تمكين الكفاءات الوطنية، يبرز تساؤل موضوعي تفرضه المرحلة: ألم يحن الوقت للاستفادة من الكفاءات القانونية والشرعية للمرأة السعودية على منصة القضاء، وتحديداً في المحاكم العمالية والمرورية؟ إن هذه الخطوة لم تعد مجرد تطلع حقوقي، بل هي ضرورة تنموية تفرضها معطيات الواقع العدلي والاقتصادي الجديد.
الملاءمة الشرعية والتشريعية: النضج المؤسسي
إن المنظومة العدلية في المملكة العربية السعودية تقوم على ثوابت شرعية مرنة، تتسع للاجتهاد المقاصدي الذي يخدم مصلحة الأمة. ولم يعد غائباً عن الباحثين والمؤرخين وجود آراء فقهية معتبرة تُجيز تولي المرأة للقضاء في غير الحدود، وهو ما يتطابق تماماً مع طبيعة القضايا المدنية، والعمالية، والمرورية. ومع نضج التجربة الأكاديمية للمرأة السعودية التي تخرجت من كليات الشريعة والقانون بمراتب الشرف، وعملت لسنوات كمحققة في النيابة العامة، ومحامية، ومستشارة قانونية، وباحثة شرعية؛ فإن تأهيلها العلمي والعملي أصبح مكتملاً لرفع مطرقة العدالة وإصدار الأحكام.
الاستحقاق العمالي: مواكبة عولمة سوق العمل
تُعد المحاكم العمالية شرياناً رئيسياً لجذب الاستثمارات العالمية وضبط نمو القطاع الخاص. وفي بيئة عمل حديثة تشهد دخول مئات الآلاف من النساء السعوديات والوافدات إلى سوق العمل، يبرز دور المرأة القاضية كعنصر لإثراء هذا القضاء وضمان تكامله. إن وجود قاضية على منصة الحكم العمالي يمنح قضايا بيئة العمل أبعاداً تحليلية أكثر عمقاً، لا سيما في القضايا المرتبطة بخصوصية عمل المرأة، والأجور، وحقوق الأمومة، وضوابط البيئة المهنية. هذا التنوع القضائي سيعزز من ثقة المنظمات الاستثمارية الدولية في عدالة ونضج المنظومة الحقوقية السعودية.
القضاء المروري: مواكبة التحول الاجتماعي
منذ القرار التاريخي بالسماح للمرأة بقيادة المركبات، استوعب الشارع السعودي تحولاً سلوكياً واقتصادياً هائلاً. وأصبحت المرأة طرفاً يومياً في حركة المرور، والأنظمة الشارعة، وحتى في المخالفات والحوادث. وفي ظل وجود مقار ودوائر مرورية مخصصة لتسريع محاكمة النساء، يصبح من المنطقي والنافع رفد هذه الدوائر بقاضيات مؤهلات. إن الفصل في النزاعات المرورية يتطلب دقة فنية، وسرعة في الحسم، وقراءة واعية للتقارير التقنية الذكية، وهي مهارات أثبتت المرأة السعودية تميزها فيها من خلال إدارتها لملفات معقدة في قطاعات النقل والتأمين والتحقيق الجنائي بالنيابة العامة.
خاتمة: العدالة الناجزة بطاقات الوطن الكاملة
إن الدعوة لتمكين المرأة السعودية من الجلوس على منصة القضاء في المحاكم العمالية والمرورية هي خطوة لاستكمال بناء المشهد العدلي العصري للمملكة. إنها خطوة تُثبت للعالم أن القضاء السعودي قادر على التجدد ومواكبة الحراك التنموي، مستنداً إلى كفاءة الإنسان السعودي بغض النظر عن جنسه. إن استثمار هذه الثروة البشرية المؤهلة سيسهم بلا شك في تسريع وتيرة "العدالة الناجزة"، ويضيف فصلاً تاريخياً جديداً ومضيئاً في سجل التطور التشريعي للمملكة العربية السعودية.
حارس النبع في وادي نينوى !
في وادي قضاء دير مار بهنام القريب من نينوى العريقة، حيث تتنفس الأرض رائحة المخطوطات والرقوق القديمة، كان يعيش شيخ من حكماء السريان يدعى الملفان إيشوع. لم يكن إيشوع يملك من حطام الدنيا سوى صومعة صغيرة تضم مئات الكتب المكتوبة بالخط الإسطرنجيلي العتيق، ونبع ماء عذب يجري في سفوح الوادي يسمى نبع الحكمة. كان أهل القرى المجاورة يأتون إلى هذا النبع كل صباح ومساء ليسقوا زروعهم ويملاوا جرارهم، لكنهم كانوا يكتفون بالماء الظاهر على السطح، ويرفضون الاستماع إلى تفسيرات الشيخ حول جذور هذا النبع وتاريخ القنوات المعقدة التي حفرها الأدميون الأقدمون لتنظيم مسار المياه وحمايتها من الأوحال.
كان الخطاب السائد في الوادي يرى في محاولات إيشوع لتشريح أسرار قنوات المياه القديمة نوعا من الترف الفكري الذي لا يطعم خبزا، بل إن زعيم القرية، يعقوب، كان يرى في قراءات الشيخ وجينالوجيا التحولات التي يدرسها خطرا يقوض طاعة الناس له ويشغلهم بالأسئلة المعرفية عن حقولهم.
وفي أحد الأيام، عند غسق الغروب، التقى يعقوب بالشيخ إيشوع عند ضفة النبع، وكان الشيخ يمسك برق جلدي قديم وقلم من القصب، فقال له يعقوب بنبرة عملية جافة: يا ملفان إيشوع، أراك تفني بصرك مجددا فوق هذه الجلود الميتة. الناس يحتاجون إلى الماء ليرفد حقول القمح، ولا يحتاجون إلى معرفة من حفر القناة قبل ألف عام، فالتاريخ مات، والواقع يطلب منا العمل والامتثال لما وجدنا عليه آباءنا دون فلسفة.
التفت إليه الشيخ إيشوع ومسح قصبة الكتابة بهدوء وقال: يا يعقوب، الماء الذي تسقي به زرعك اليوم ليس وليد المطر الحالي فحسب، بل هو نتاج قنوات هندسها أجدادنا السريان بعلم وحكمة لكي يصل إليك عذبا بلا ملوحة. إذا جهلت تاريخ القنوات، كيف ستحميها عندما يجف النبع أو تترسب فيه الأتربة؟ إن الجهل بالماضي يجعل حاضركم معلقا في الفراغ.
ضحك يعقوب بسخرية ورد قائلا: لقد عشنا عقودا نزرع ونحصد بلا قراءة ولا تأويل، والأصالة عندنا هي أن نكرر ما فعله الأجداد في مزارعهم دون أن نسأل عن الآليات، وإن أسئلتك المستمرة تخلق حيرة بين الشباب، وتجعل الفرد منهم يظن أنه قادر على فهم الوجود وحده دون الرجوع إلى الجماعة والامتثال لأعرافها الجمعية.
إلا أن الشيخ إيشوع نهض وأشار إلى عمق الوادي قائلا بثبات: الله خلق كل إنسان بعقل مستقل ليتدبر ويفهم مسؤولية وجوده، وتحويل الناس إلى كتلة مكررة تطيع بلا وعي هو قتل لروح الهوية، فالأصالة الحقيقية ليست في محاكاة طين الأجداد، بل في استلهام نور علمهم لبناء قنوات جديدة تستوعب مستقبل أبنائنا. وعندما شعر الشيخ بأن منطق السوق والامتثال الأعمى يوشك أن يغلق العقول، اعتلى ربوة النبع، وأنشد بصوته الرصين معبرا عن مأزق الفكر أمام جمود التقليد:
على ضفاف النينوى سكب الخيال
وعي السريان في صحف الطروس
أتيت بالنور والأفكار تسعى
فقالوا خلف سورتنا حبوس
صنعتم من جمود العرف سدا
وفي تقاليدكم تموت النفوس
الأصالة ليست سجن ماض
ولا رضوخا لجهل بالتروس
أنا الفرد الذي يبني غداه
بنور الفكر في زمن الكبوس
ساد الصمت في أرجاء الوادي بعد انتهاء الأبيات، وحملت الرياح كلمات الشيخ عبر التلال، وتركت صدى عميقا في نفوس الشباب الذين جاءوا لملء جرارهم. نظر يعقوب إلى الرق الجلدي في يد الشيخ ولم يجد ما يرد به؛ فقد أدرك في تلك اللحظة أن الماء قد يروي الأجساد مؤقتا، لكن المعرفة وتفكيك السائد هما اللذان يمنحان المجتمعات البقاء والوجود المستقل، ومنذ تلك الليلة، أصبحت ضفة النبع مكانا يلتقي فيه باحثو الحقيقة ليقرأوا التاريخ بعقول حرة تستشرف آفاق التحديث.
التحرر من وعي السلعنة يبدأ من الانتقال من "عقلية الاستهلاك المظهري للهوية" إلى "عقلية التفعيل المعرفي والإنساني لجذورها". إن هذا الوعي النقدي هو الكفيل بمنح الأجيال الجديدة الشجاعة المعرفية للابتكار والتميز كذوات حرة مستقلة، قادرة على العيش في قلب العصر الحديث وأدواته التكنولوجية، دون السقوط في فخ الاغتراب، ودون التحول إلى مجرد دمى منمطة في سوق يبيع التاريخ بعد أن يفرغه من الروح والمعنى.
سلعنة الهوية والأصالة: تفكيك الوعي الزائف في مجتمع الاستهلاك
يشهد العالم المعاصر تحولاً جذرياً في طبيعة الصراعات الثقافية؛ فلم يعد التهديد الذي يواجه الهويات المحلية قادماً من بوابات الإلغاء المباشر أو الطمس القسري، بل بات ينبثق من آليات أكثر نعومة وضراوة، تتولاها الرأسمالية الاستهلاكية الحديثة [الحوار المتمدن]. إن الإشكالية المعرفية المعاصرة لم تعد تكمن في محاربة "الأصالة"، بل في "سلعنتها" (Commodification)؛ أي تحويل القيم الرمزية، والتاريخية، والروحية للمجتمعات إلى منتجات تجارية قابلة للتداول والتربح داخل السوق المفتوح. في هذا السياق، يكف الخطاب الاستهلاكي عن كونه مجرد نمط اقتصادي، ليتحول إلى سلطة معرفية تعيد اختراع الهوية وتغليفها، مفرغة إياها من عمقها الإنساني والتاريخي لتحولها إلى أداة لتعزيز الوجاهة الطبقية والتمايز الاجتماعي السطحي.
أولاً: من الموجب المعرفي إلى الديكور الاستهلاكي
لقد تشكلت هوية المجتمعات تاريخياً عبر مختبر بشري مأزوم بالمعاناة، والتحديات، والتدافع مع الطبيعة والظروف الاقتصادية. كانت الأزياء التقليدية، والأدوات الحياتية، والفنون الشعبية القديمة تعبيراً حياً وموجباً معرفياً يعكس نمط العيش وأساليب المقاومة الوجودية التي تبناها الأجداد. الأصالة في جوهرها هي "منهج حياة" حركي يتسم بالفاعلية والإنتاج والارتباط بالأرض.
إلا أن مجتمع الاستهلاك يقوم بعملية "تطهير معرفي" لهذه المنتجات التاريخية. إنه ينتزع الأدوات من سياقها النضالي القديم، ويحيلها إلى "أكسسوارات زينة" أو مفردات ديكورية داخل الفضاءات الفاخرة والمجمعات التجارية. عندما تتحول الدلة النحاسية، أو الثوب المطرز، أو المخطوط القديم إلى مجرد قطع جمالية باهظة الثمن تُشترى لتزيين المجالس وتأكيد المظهر الطبقي، فإنها تفقد صوتها التاريخي. يتحول التاريخ هنا من "مادة للتفكير والاعتبار" إلى "سلعة للفرجة والوجاهة"، حيث يجري فصل المظهر الخارجي للهوية عن حمولته القيمية والأخلاقية.
ثانياً: الفولكلور المصنع ووهم النقاء التاريخي
تعتمد عملية سلعنة الأصالة بالأساس على ما يمكن تسميته بـ"الفولكلور المصنع"؛ وهو إنتاج نسبي وتجاري للتراث يقدمه بشكل "سياحي منقح" ومثالي، يخلو تماماً من الصراعات الاجتماعية والسياقات الواقعية التي ولد فيها. إن السوق لا يعرض التاريخ كما كان، بل يعرض "تاريخاً متخيلاً ومريحاً" يرضي ذائقة المستهلك المعاصر ولا يثير لديه الأسئلة النقدية.
هذا التنميط التجاري يعيد إنتاج الأصالة بوصفها حالة من "الجمود والبلادة المعرفية"، حيث يُطالب الفرد باستهلاك مظهر الهوية دون وعي بمضامينها. والمفارقة هنا أن هذا الفولكلور المصنع يصنع وعياً زائفاً بالنقاء المعرفي؛ فيظن المستهلك أنه يمارس "الوفاء للأجداد" بمجرد اقتنائه لعلامات تجارية مستوحاة من التراث، في حين أنه يمارس ذروة "الاغتراب المعرفي" عبر الذوبان في قوالب السوق التي تحول أعمق القيم الروحية إلى أرقام في دفاتر الأرباح والمبيعات.
ثالثاً: الوجاهة الطبقية بالأصالة وعجز الخطاب التقليدي
في مجتمع الاستهلاك، تصبح الهوية أداة للتصنيف الطبقي. الأفراد لا يقتنون الرموز التراثية بدافع الامتداد القيمي، بل لإنتاج سمة تميز تفصلهم عن الآخرين داخل الفضاء الاجتماعي. تصبح الأصالة سلعاً حصرية ونخبوية؛ أزياء مصممة بحساب، وقطع أثرية معدلة تعرض في معارض باهظة. هذه السلعنة تؤدي إلى تفكيك الروابط الإنسانية العفوية التي كانت تميز المجتمع القديم، وتحول التراث المشترك للجميع إلى ملكيات خاصة تمنح أصحابها سلطة رمزية متخيلة.
أمام هذا المشهد المتسارع، يقف الخطاب التقليدي السائد عاجزاً ومربكاً. فهو يفتقر إلى الأدوات النقدية والتفكيكية التي تمكنه من رؤية تحولات السوق. بل إن هذا الخطاب غالباً ما يبارك هذه السلعنة ويحتفي بها باعتبارها "إحياءً للتراث وحفاظاً على الهوية والأصالة". لا يدرك الفكر التقليدي أن السوق هو الكيان الأكثر قدرة على ابتلاع المحرمات والمقدسات وتحويلها إلى مواد ترفيهية؛ فهو لا يحارب الهوية علانية، بل يشرعنها تجارياً بعد أن يفرغها من قدرتها على النقد والتثوير المعرفي، ليجعل منها جزءاً من منظومة الضبط الاجتماعي والتنميط السلوكي.
خاتمة: نحو أصالة حركية متجاوزة للسوق
إن مواجهة تغول الوعي الاستهلاكي وتفكيك مأزق المعنى يتطلبان مراجعة فلسفية جذرية لمفهوم الانتماء. الأصالة الحقيقية لا تباع في المجمعات الفاخرة، ولا تختزل في قوالب وديكورات جاهزة يمكن شراؤها بالمال. الأصالة هي "ديناميكية مستمرة" واستلهام واعٍ للقيم العليا التي بنيت عليها ثقافة المجتمع -كالتكافل، والعطاء، والكرامة، والمسؤولية الذاتية- وتوظيف هذه القيم كأدوات معرفية لبناء الحاضر واستشراف المستقبل الرقمي.
ذاكرة الغراب!
يا فاقد امه لو تبسمت معذور
الجرح غاير والوجع في حشايا
راحت ونور البيت واقف ومهجور
وامست ملامح غيبتها في الزوايا
امي غلاها بداخل القلب محفور
طهر السحاب اللي يسوق العطايا
كانت دعاويهم تبدد لي الجور
وتفتح دروب الخير باحلى المرايا
رحلت عسى قبرك شذى وعطر ونور
وفي جنة الفردوس تصفى النوايا
يا رب ترحمها على مر دهور
وتغسل خطاياها بجزل العطايا
ويجعل منازلها مع الحور والترب
روض خضر يبهج عيون البرايا
فقدانها هزة وموقف ومقدور
وامر الولي نافذ بكل القضايا
يا كبر حزني والدمع صار معذور
لو سال من وجدي وهد الحنايا
يا امي عسى ذنبك مصفى ومغفور
وعساك في رغد النعيم والرفايا
نامي بامان الله والقلب مكسور
وادعي لك المعبود رب البرايا.