#خواطر
أنا من عشاق الشعر، أجد فيه ملاذ الروح وضياء الفكر. وللشعر الفصيح في قلبي منزلة لا تُزاحم، فهو تاج البيان، ولسان العرب، وميراث الأوائل الذين صاغوا الحكمة والبلاغة في قوالب موزونة، ومقاطع تفيض فخامة وعمقًا. ومن ذا ينسى حكم زهير عندما يقول:
وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ
يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ
وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ
عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ
وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ
يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ
وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ
يُهَدَّم وَمَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ
وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها
وَلَو رامَ أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ
وَمَن يَعصِ أَطرافَ الزُجاجِ فَإِنَّهُ
يُطيعُ العَوالي رُكِّبَت كُلَّ لَهذَمِ
وَمَن يوفِ لا يُذمَم وَمَن يُفضِ قَلبُهُ
إِلى مُطمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمجَمِ
وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ
وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ
وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
وَمَن لا يَزَل يَستَحمِلُ الناسَ نَفسَهُ
وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ
غير أني، وإن كنت من متذوقي الفصيح، أجد في الشعر الشعبي نبض الحياة، وصوت الناس، وحكمة المجالس. هو الشعر الذي تسري ألفاظه في القلوب، ويفهمه العامي قبل الأديب، فهو أدب الخاصة والعامة معًا. وشواهده لا تُعد، ومنه قول تركي بن حميد:
يا محلا يا عبيد في وقت الأسفار
جذب الفراش وشب ضو المناره
مع دلة تقدى على صالي النار
ونجر ليا حرك تزايد عباره
في ربعة ما هيب تحجب عن الجار
لامن خطو اللاش ما شب ناره
النجر دن وجاوبه كل مرار
ما لفه الملفوف من دون جاره
واخيرا منها ركعتين بالاسحار
لا طاب نوم اللي حياته خساره
الشعر الشعبي، وإن بدا ملبسًا بثوب العامية، إلا أنه امتدادٌ للشعر الفصيح، وسليل بحوره وأوزانه، فجل قصائده لا تخرج عن دوحة الخليل بن أحمد الفراهيدي، بل تظل وفيةً لموسيقاه الخالدة.
وما زال الشعر الشعبي، بما فيه من صدق ولهجة وقرب من الناس، أكثر قبولًا وانتشارًا، لأنه يتحدث بلسانهم، وينقل أفراحهم وأتراحهم، يقول سعد بن جدلان:
ياللي تقول الشعر همزة وكسرة
يقول فكرك مقدي وأنت ما اقديت
اسرح نهارك وإن ضوى ليلك أسره
وتعود من بحر الشعر مثل ما جيت
أحلى بيوت الشعر سهله وعسره
عسره على الإبداع سهله ليا أوحيت
يضرب بها هوج الدواوين جسره
ماهوب لا جاب بيت سقط بيت
وهكذا يظل الشعر، بفصيحه وشعبيّه، مرآةً للأمة، وحافظةً لقيمها، وراويًا لقصتها عبر الزمن.
كتبه الفقير الى عفو ربه:
عبدالله بن علي آل موسى