#قيل: كثرةُ العتابِ متلِفةٌ للودِّ، مؤذِنةٌ بالبُعد، وما طال العتابُ إلا أورث الجفاء.
وقال حافظ إبراهيم:
رَجَوتُكَ مَرّةً وعَتَبتُ أُخرى
فلا أجدى الرَّجاءُ ولا العِتابُ
نَبَذْتَ مَوَدَّتي فاهنَأْ ببُعدي
فآخِرُ عَهدِنا هذا الكِتابُ.
اعتقدت انها فتره ولكنها اصبحت سلسله من" خلي اليوم يفوت" "وان شالله يمر اليوم ع الخير" و"الحمد لله اليوم تم"و"كل يوم بيومه"
ايام غير متناهية هدفك فيها النجاة والمشي في النطاق لا مغزي من ان تحدف وتجيب رشاد،انت في هذه البقعه كومبارس في ايام حياتك المحسوبه عليك حياة.
في ذكرى رحيله .. أنطون تشيخوف عاشقاً
علي حسين
في 24 كانون الثاني عام 1889 تسلمت الآنسة فلورا رسالة تحتوي على خمس كلمات من شقيقتها الكبرى: "تعالي فوراً، كاتبك المفضل عندنا". كانت في العشرين من عمرها، متزوجة من شخص ظنت أنها تحبه وتغار عليه، إلا أن أملها خاب فيه بعد أن تركها وصرف اهتمامه لتجارته، وقد علمتها هذه التجربة أن لا تستسلم لكلمات الحب، وأن تتفرغ لهوايتها الكتابة، كان كل طموحها أن تصبح كاتبة معروفة، نظمت شعراً، ودونت في دفترها الصغير عدداً من القصص القصيرة، إلا أنها لم تحظ بالاهتمام، تقرأ كثيراً، ويسحرها عدد من الكتاب في مقدمتهم الطبيب أنطوان تشيخوف، كانت قصصه تثير أحاسيسها، فكم ذرفت الدموع على "أيونا" سائق العربة الذي أراد أن يشرك حصانه بأحزانه، لأن لا أحد غيره يصغي إليه، لقد مات ابنه، وكان وحيداً، مات ولم يهتم به أحد، لماذا، ينبغي أن يروي كيف مرض ابنه، وكيف تعذب، وماذا قال قبل وفاته، وكيف مات، ينبغي أن يصف جنازته وذهابه إلى المستشفى ليتسلم ثياب المرحوم، ويسأل أيونا فرسه عندما يرى عينيها البراقتين.
تصف ليديا أفيلوفا في مذكراتها التي نُشرت بعد وفاة تشيخوف اللقاء الأول بينها وبين كاتبها المفضل: "تحرك تشيخوف إلى الأمام بسرعة وبابتسامة هادئة، أخذ يدي بيده ونظر كلانا في عيني الآخر، وخُيل إليّ أنه دهش بعض الشيء، قد يكون ذلك من الاسم فلورا، لقد دعاني زوج شقيقتي هكذا بسبب تورد خدّي وغزارة شعري الذي كنت أصففه أحياناً على شكل ضفيرتين طويلتين، قال زوج شقيقتي: إنها تحفظ جميع قصصك عن ظهر قلب، ولا شك أنها كتبت إليك رسائل، إنها تلتزم الصمت، ولا تريد البوح بها". لاحظت أن عيني تشيخوف ضاقتا قليلاً من طرفيهما، وبدأت ابتسامته الساحرة تظهر من بين شفتيه.
كان تشيخوف قد قَدِم إلى بطرسبورغ لعرض مسرحيته "إيفانوف"، وقال لإيفانوفا وهو يجلس إلى جانبها على مائدة الطعام، إنه يشعر أن المسرحية ستفشل، وإنه قلق ومتضايق، وأكثر من هذا فهو لا يحب جو بطرسبورغ، إنه يرغب أن ينتهي كل شيء بأسرع وقت ويرجع إلى بيته.
لاحظت أنه يطيل النظر إلى وجهها، شعرت بالإحراج، فهمس لها وهو يشير إلى شعرها: لم أشاهد مثل هذه الضفائر من قبل، قالت له إنها تكتب قصصاً أيضاً، ولديها شيء ما، تريد البوح به، وابتسمت بخجل، تذكر ابتسامة موظفة في صحيفة "الزمان الجديد" التي ينشر فيها قصصه، كان في تلك اللحظة يفكر في رؤيتها ثانية، إنه يعترف بأن لديه ضعفاً إزاء الفتيات الجميلات، يقول لزملائه إن صديقات أخته ماري يشكلن حوله "باقة من الصبايا الجميلات" وهو يسعد برؤيتهن، والحديث معهن حتى إنه فكر بالزواج من إحداهن، فتاة من عائلة غنية اسمها دونيا إيفروس، فتنه ذكاؤها وحيويتها، وذات يوم عرض عليها الزواج، وكتب إلى شقيقه: "سأقفز من الموقد إلى النار". وبعد خمسة عشر يوماً من التفكير، أعاد السؤال أمام الفتاة التي كانت مترددة، ونراه بعد أسابيع يكتب رسالة جديدة إلى شقيقه: لقد ابتعدت عنها إنها متهورة وعنيدة، أو بالأحرى هي التي قطعت العلاقة، لن أعود إلى الحديث عنها أبداً، ربما كنت على حق عندما قلت بأنني لم أنضج بعد للزواج".
استدار نحو ليديا ليسألها: هل ستحضرين عرض "إيفانوف" يا آنسة فلورا؟
ضحكت وهي تقول له: أود أن أخبرك بأني لست شابة، ولا آنسة، تصور أني متزوجة ولدي طفل.
انحنى تشيخوف وحدق في عينيها وقال: عندك ابن حقاً، ما أروع هذا، ثم نهض من المائدة وهو يقول لها: سآتي إلى هنا مرة ثانية، وأتمنى أن أراك، هاتِ لي كل ما كتبتِ، سأقرأه جميعاً بكل عناية، اتفقنا.
يتذكر أنطون بافلوفيتش تشيخوف، المولود في كانون الثاني من عام 1860، أنه عاش العشرين سنة الأولى من حياته في وحدة قاسية: "لقد عوملت في غير ما شفقة وأنا طفل، حتى إنني كنت أرى الحنان شيئاً غير طبيعي، إنني أحب أن أكون محبوباً ومحباً للناس، لكنني لا أعرف كيف أفعل هذا". ولهذا ما إن بلغ الثامنة عشرة من عمره حتى راح يبحث عن صحبة الفتيات، يحاول أن ينخرط في قصة حب جدية مع إحداهن، وكانت لايكا الجميلة التي كان يمطرها بوابل من رسائل الحب الملتهبة إحداهن: "تعالي إليَّ أيتها الشقراء الجميلة، سنثرثر ونتشاجر ثم نتصالح، قومي أيتها الجميلة لايكا، وغني، إذا كنتِ عاشقةً لأحد لا تنسيني، ولا تسخري على الأقل مني". وقد أدركت لايكا أن أحاديث تشيخوف الفاتنة تخفي دائماً نية ألا يتزوج منها، وحتى تستثيره تظاهرت بأنها ارتبطت بشاب آخر، إلا أن تشيخوف لم يبدِ أية غيرة، وتكتب له ذات يوم: "ثمة إنسان وحيد في العالم يمكن أن ينقذني من هذا الوضع البائس، لكن هذا الإنسان لا يهتم بي مطلقاً". كان تشيخوف في تلك السنة قد استدار نحو امرأة أخرى صادفها في موسكو، ممثلة شابة ذات صوت ناعم، وفتنة مغرية، هي إيجليا يافوريسكا، وجدها مملوءة بالفتنة، وكان يشعر بانجذاب شديد لها، ولم تلبث علاقتهما أن أصبحت حديث الأوساط الفنية في موسكو، ووعد أن يكتب لها مسرحية خصيصاً. كانت من جانبها ترسل إليه رسائل رقيقة تنتهي بهذه الكلمات: "أقبلك وأحبك".
وأدركت لايكا أن منافستها لن تلبث أن تستحوذ على قلب تشيخوف فكتبت رسالة امرأة تشعر بالهجر: "قضت السيدة يافوريسكا السهرة معنا وقالت إن تشيخوف يريد الزواج منها بأي ثمن، وطلبت مساعدتي، ووعدت أن أبذل الممكن من أجل راحتكما المشتركة، أكتب بعض الكلمات تقول إذا ما كنت تحب يافوريسكا، اكتب إليَّ طبعاً، لا إليها. إلى اللقاء، يا جلاد روحي، أكتب إليَّ، أرجوك".
وأُعجب تشيخوف بمناورة لايكا، فكتب لها خمسة أسطر داعياً إياها بالسمراء لايكا العزيزة، دون أن يعطيها دليلاً على عواطفه نحو الممثلة.
ما كان يشغل تشيخوف هو هذا العدد الكبير من الصبايا الفاتنات، كان يقول لشقيقه إنهن يؤلّفن أسطوله، وأنه الأدميرال قائد الأسطول، ونراه يؤكد في رسائله أن الغريزة الجنسية أساس الحب، وينشر في تلك الفترة مقالاً عن الحب في مجلة "الرسول الروسي" يشرح فيه العلاقة القوية بين شوق الحب والرغبة في العلاقة مع المرأة، لكنه يرفض الفكرة القائلة بأن الحب مجرد غريزة، فالحب في رأي تشيخوف ذو طابع فريد بصورة استثنائية، إن الحب هو القوة الوحيدة القادرة على لجم الأنانية الفطرية، دون أن يحذف السمات الفردية، بل على العكس يؤكدها ويتفهمها، ولهذا فإن مغزى الحب هو تبرير وحماية النزعة الفردية، لأنه من خلال الحب، نحن نؤكد الأهمية المطلقة لفرد آخر، والحب هو إلغاء كامل للأنانية، إنه نقل اهتمامنا من الذات إلى الآخر، ومن هنا تأتي قوة الحب التي تلغي الأنانية، وتبعث الفرد وتسمو به نحو نوعية روحية جديدة، ويرى تشيخوف أن الحب الجنسي يحافظ على المساواة بين المحب والحبيب، ومع اعترافه بالحب الجنسي، فإن تشيخوف يرى أن الجنس إذا كان فقط هو هدف الحب، فإنه يقتل كل المشاعر الجميلة.
في هذه المقالة نرى تأثير أفكار أفلاطون على تشيخوف الذي كان معجباً بالفيلسوف اليوناني، وكثيراً ما خاض نقاشاً عنه مع تولستوي، فالحب عند أفلاطون هو صعود وهبوط، أو حسب قوله في محاورة "الجمهورية" هو أفروديت السماوية وأفروديت الأرضية، وفي نهاية الأمر ينبعث في الحب المبدأ المثالي، المرتبط بصورة "الأنثى الخالدة"، وهذا بالذات ما يكسب الحب دفقات سعادة غير مألوفة، وهو أيضاً ما يفسر آلام الحب المرتبطة برغبة الإنسان بالتمسك بصورة الحبيب المثالي.
وقد حاول تشيخوف أن يشرح هذا المبدأ من خلال بطل مسرحيته إيفانوف، فنحن إزاء مثقف روسي شاب اختل توازنه ذات يوم، ونراه يعاني من شعور دائم بالإخفاق، ولهذا هو يرفض أن يجرب أي شيء يبعد عنه ذلك الإخفاق. إن كبرياءه وعزة نفسه هما ما يجعلانه يقبل الإخفاق ويواكبه من دون أي تطلّع حقيقي إلى أية مقاومة. فهو الذي كان أول الأمر قد بدأ حياته رجلاً ناجحاً، وتزوج امرأة حسناء اختطفها خطفاً من أهلها الذين لم يكونوا ليريدوا لابنتهم أن تتزوج من غير طبقتها الاجتماعية، وبدأ يشق طريقه. غير أنه سيحدث له ذات لحظة أن يتوقف فجأة ليمعن التفكير في ما إذا كان كل ما فعله أو يفعله الآن عبثاً في عبث. وفي الحقيقة إن هذا التساؤل الوجودي ظهر لديه متزامناً مع موت زوجته، حيث يرى إيفانوف أن كل ما حوله ليس أكثر من دمار وخراب. وهكذا، على حين غرة ومن دون سابق إنذار أيضاً، يتخذ الماضي - لا الحاضر ولا المستقبل - بالنسبة إليه سمات براقة زاهية، وأملاً لا يمكن الوصول إليه. إن الأمل - هذا الذي يمكننا في لغة اليوم أن نسميه العصر الذهبي - صار وراءه لا أمامه. وهو، إذ يبدو في لحظات تجليه وهدوئه، متحدثاً بارعاً ومثقفاً ممتازاً، يحدث أن تغرم به الحسناء ساشا... ويخيل إليه للحظة أنه يمكن أن يبادلها هذا الحب، كما يمكن الحب أن ينفخ فيه روحاً جديدة وثابتة. لكن الحب، بدلاً من أن ينمي لديه مثل هذا الشعور ويغدو بالنسبة إليه أشبه ببارقة أمل، نراه يرفض هذا كله... في لحظة يبدو الاختيار أمامه ممكناً: فموت زوجته ووصوله إلى لحظة انعطافية في حياته، وضعه أمام اختيارات ممكنة ومفتوحة، أهمها الحب الجديد والانفتاح على الحياة. لكنه يرفض هذا كله، ويختار بدلاً من ذلك أن ينهي حياته في اللحظة نفسها التي يكون فيها قادراً على عكس ذلك .
في كانون الثاني عام 1892 كان تشيخوف مدعواً إلى حفل في موسكو، بمناسبة نجاح مسرحيته "اليوبيل"، كان يشعر بالسأم من أحاديث بعض الضيوف، ولكن فجأة شاهد في المرآة وجه ليديا الفاتن، كانت ترفع يدها اليمنى وتزيح خصلة من شعرها إلى الخلف، وبينما أخذ ينظر إليها في المرآة تذكر أول لقاء بينهما وسأل نفسه: هل ستتذكرني، هل ستقوم بيننا تلك الصلة الحميمية التي قامت قبل ثلاثة أعوام؟ وفجأة وجد يده تمتد إليها سحبها بشوق وهو يقول:
ما كنت أتوقع أن أراك.
لكني توقعت أن أراك، قالت له.
علم منها أنها تزوجت وأنجبت. ما إن عاد تشيخوف إلى البيت حتى كتب لها رسالة: "أيتها الفاتنة الغاضبة، أحب كثيراً أن أراك مرة أخرى، كثيراً جداً، حتى ولو كنت غضبى عليَّ، فأنت تتمنين لي الخير، على كل حال سأكون بعد شهر في موسكو، هل بوسعك أن تكوني رحيمة ونتناول معاً عشاءً أو غداءً، سيكون ذلك جميلاً حقاً، ولن أخذلك، لن يبقيني في البيت خلال الأيام الماضية سوى المرض، أشد على يديك، وأبعث بأحر الاحترامات".
كان تشيخوف يندفع باتجاه ليديا، فلأول مرة يبدو له الأمر أنها المرأة التي يمكن أن تدفعه دفعاً إلى التمسك بالحياة، وكتب لشقيقه ميخائيل أنه يتمنى أن يجد في قلب ليديا مكاناً خالياً لرجل حزين وبائس، لكنها كانت تعلم أنها لا تستطيع أن تمنحه هذا المكان، فهي امرأة متزوجة وأم لطفل، وعرف تشيخوف أن هذا الحب يمكن أن يقتله، فقرر أن يبتعد عنه، فقام برحلة طويلة إلى جزيرة سخالين في سيبيريا، والتي كانت مكاناً لتنفيذ الأحكام على المجرمين، وكتب تشيخوف عن ظروف حياته وعن المساجين، لكن طيف ليديا لم يكن يفارقه.
من هناك يكتب لها رسالة: "هل تتذكرين لقاءاتنا الأولى؟ هل تعلمين أنني كنت ولا زلت مولعاً بك، وأن الأمر جدي؟ أنا أحبك، ويُخيَّل إليَّ أنه ليس في وسعي أن أحب امرأة في الدنيا بهذا الشكل. أنتِ جميلة ومثيرة، وفيكِ طراوة وفتنة تُدير الرأس، إلا أنني أعرف أنكِ ستهجرينني في يوم من الأيام. إن الحب الذي أحبك إياه يجب أن يكون نقياً ومقدساً، وأن يدوم طيلة الحياة. كنت أخشى أن ألمسك، كنت أخاف أن أجرحك."
هذه رواية مظلومة، بدءاً من عنوانها - الذي لا يوحي بكونها رواية - مروراً بدار النشر غير المعروفة - وكان الأفضل أن تُنشر في دار محلية -، وليس انتهاءً بغياب الحديث عنها من المهتمين والنقاد.
من خبوب بريدة في الأربعينيات، حيث الفقر وبيوت الطين ومطاردة الرزق، إلى الرياض، المدينة التي بدأت بالاتساع، ثم الظهران مع بدايات تدفق النفط ونضالات حقوق العمال ضد الأجنبي ومواجهة التهميش والاستغلال.. مروراً ببيروت ودمشق وبغداد حيث الكثير الذي يستحق أن يُروى عن المجتمع والسياسة والأحزاب في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وليس آخراً، ووسط مظاهر الحداثة في مدن الصحراء والتحولات الاجتماعية والثقافية، قرار العودة إلى ذاكرة النخل والطين.. تحية للكاتب المبدع.
هل قرأت رباعية كارلوس زافون ؟
علي حسين
استقرّ في لوس أنجلوس حتى رحيله في التاسع عشر من حزيران عام 2020 ، لكنه بقي كاتباً أسبانياً خالصاً . ينتقد ماجرى في بلاده اثناء فترة حكم الجنرال فرانكو ، لكنه يعشق العيش في اميركا حيث الشغف بافلام ارسون ويلز ومتعة الاستماع الى موسيقى الجاز .كارلوس زافون المولود في برشلونة عام 1964 كان ينتابه احساس غريب وهو يعيش بعيدا عن مسقط راسه :" في لوس أنجلوس ، تشعر في بعض الأحيان أن هناك دورية غامضة في الليل مهمتها محو الماضي ، انها مثل قصة راي برادبري اشبه بـ "محايات الذاكرة" .وهو يعرف جيدا ان مسقط راسه مختلف بعض الشيء عن العالم الذي عاش فيه، فالتاريخ المؤلم والمثير هناك يكمن في ذاكرة اهالي برشلونة :" أرى المدن ككائنات حية ، كمخلوقات حية. بالنسبة لي مدريد رجل و برشلونة امرأة ، لكنها امرأة عبثية للغاية " . تمنى وهو في السادسة من عمرة ان يصبح كاتبا ، ورغم ان عائلته غير معنية بالادب ، إلا ان الكتب كانت تاخذ حيزا مهما في منزلهم .
يعترف بانه واجه صعوبه في نشر كتبه الاولى التي كانت ترفض من قبل دور النشر :" صحيح أن أعمالي قد رُفضت كثيرًا، وكل الكتاب يتلقون ذلك.. لكني كنت مؤمنا بان العالم سيعثر عليّ ذات يوم " ، عمل في مجال الاعلانات وكتب السيناريو لبعض الافلام الشبابية ، اصدر في عددا من الروايات الخاصة بالفتيان ، في عام 1999 ينشر روايته "مارينا" لأول مرة في إسبانيا . عام 2001 تتحقق نبوءته حيث يعثر عليه العالم بعد ان ينشر روايته "ظل الريح"التي باعت ملايين النسخ وترجمت الى اكثر من خمسة واربعين لغة ، ليلحقها برواية لعبة الملاك عام 2008 والتي اعتبرت الجزء الثاني من رباعية " مقبرة الكتب المنسية " ، ثم عام 2011 اصدر سجين السماء واختتم الرباعية برواية "متاهة الارواح " التي صدرت عام 2016 ، يقول زافون: "ما أريده هو أن يتم ترتيب هذه القصص كمتاهة لها نقاط دخول مختلفة". الروايات الاربعة التي اطلق عليها بعض النقاد تسمية "الصندوق الصيني للخيالات" ، تمتلك كل واحدة منها نغمة مختلفة ، ونسيج مختلف ، لكنها جميعها تروي لنا حكاية فيرمين مع الكتب :" "لقد كان دائما المركز الأخلاقي في الروايات الاربعة . إنه الرجل الذي يحمل الحقيقة بين يديه. فيرمين هو أيضا في كثير من الاحيان اشبه بتحية تحية لتقاليد الأدب الإسباني العظيم . لقد كان يحمل سرًا يمكن أن يأخذنا إلى القلب من هذه المتاهة ".
ثمة الكثير من تشارلز ديكنز في روايات كارلوس زافون التي يحاول ابطالها إعادة بناء مدينتهم برشلونة وذكرياتها اثناء الحرب الاهلية . وهو يطرح السؤال الهم : هل يجد الانسان العزاء في الكتب والحب والصداقة والمغامرات ؟ وبرغم العيش بعيدا عن اسبانيا إلا انه مثل ديكنز لديه مدينة يكتب عنها ، برشلونة التي وفرت له شوارعها وحدائقها ومقابرها ومكتباتها وبناياتها الغربية الاطوار ارضا خصبة للخيال ، ومكانا متميزا للاعمال الروائية المزروعة بالغموض والتوتر :" برشلونة هي شخصية في حد ذاتها" هكذا يعترف زافون " ، ولهذا نجده في رواياته يدعونا باستمرار لرؤية "مدينة الملعونين" هذه كما يسميها .
ظل يحلم مثل ابطال رواياته بان يجد اسمه مطبوعا على غلاف ورقي يُعمر في الحياة اكثر من صاحبه ، يتذكر ان والده كان يشتري له قصص ديكنز ومختصرات ملونة من رواية سيرفانتيس " دون كيشوت " ، يصر انه لايكتب روايات عن الكتب وانما عن الناس الذين يدورون في فلك الادب ، تمتليء رواياته بشخصيات مرتبطة بعالم القراء والمطابع : اصحاب مكتبات كتب ، مطابع ، ومؤلفنين :" لا أظن جازمًا أنني أكتب عن الكتب، بل عن الناس والقصص واللغة والأفكار "، يعترف انه يكتب من اجل القراء ، وليس من اجل الادب ، ويؤمن مثل امبرتو إيكو الذي سحره بروايته اسم الوردة انه لايكتب لنفسه :" ولكن لأشخاص آخرين. اشخاص حقيقيون وأعتقد أن إيكو كان على حق عندما قال أن الكتاب الذين يقولون أنهم يكتبون لأنفسهم ولا يهتمون بامتلاك جمهور كبير، واهمون ، لأن الشيء الوحيد الذي تكتبه لنفسك هو قائمة تسوق من البقالة " ، يصارح محرر جريدة الغارديان ، انه يتخذ من الكتابة مهنة ليعيش منها :" لقد كنت أقوم بالكتابة وأقوم بتصنيع أشياء لتغطية نفقاتي . إنها طريقتي للبقاء على قيد الحياة ، والإبحار في هذا العالم " .
اربعة كتب في خمسة عشر عاما ، وثروة تفوق ما حصل عليه كبار الكتاب ، لايبدو الاختصار ممكنا لرباعية " مقبرة الكتب المنسية" والتي ترجمها منها الى العربية المترجم امعاوية عبد المجيد ، ووفق الغارديان البريطانية ، فان النجاح الذي حصده كارلوس زافون أمر مدهش لا يحدث سوى مرة واحدة كل نصف قرن لان : " كتابة رواية ممتعة وكثيفة وغنية بالافكار وجماهيرية في نفس الوقت ، امر اصبح نادر الحدوث ، منذ ان اصدر ماركيز رائعته مئة عام من العزلة " .
وغاص في سوداوية ظلماء مُرة .
وحيداً !
ها هو عاد وحيداً!
سقط مجددا في الصمت، وصار يواجه العدم !
وحيداً ، ليس له حتى نظرةٌ ، ولا صوت .
ذهب الإنسان الوحيد الذي كان لا يزال يربطه بالدنيا !
#كونت_مونت_كريستو
هذه المرّة رأى القنيطرة مختلفة.
رآها عصفوراً كسير الجناح تماماً كما كانت تبدو زوجته،
وهي تسعى للحاق به في شوارعها،
كانت القنيطرة صامتة على الرغم من جلبة الجنود.
إنّ للسكّان الأصليّين ضجّة ذات طعمِ خاص،
هذه اللّحظة فقط، عرف كم كان يحبّه.
#الأبتر#ممدوح_عدوان
#مقالات#خبر_الرياض
طمأنينة القلب بين القلق والتسليم… لكل مكروبٍ وحزين
عبدالعزيز بن سليمان الحسين
@AbuMuhamd2030
عليك أن تعي أن القلق، مهما طال أو اشتد، لا يغيّر من مجرى الأقدار شيئًا، بل يرهق النفس ويُثقل القلب دون طائل. فالإنسان، مهما بلغ من حرصٍ وتدبير، يظل عبدًا محدود الحيلة أمام تدبيرٍ إلهيٍّ محكم، لا يعتريه خلل ولا نقص. إن إدراكك أنك لست مالك أمرك بالكامل، بل أن أمرك مُدبَّر من عند الله، هو أول طريق الطمأنينة.
ولا شك أن التسليم ليس ضعفًا، بل هو قمة القوة؛ لأنك تُفوّض أمرك لمن بيده ملكوت كل شيء. والرضا ليس استسلامًا للعجز، بل هو سكينة العارف بأن ما عند الله خير وأبقى. حينها فقط، تخفّ وطأة القلق، ويهدأ صخب النفس، ويستقر القلب في يقينٍ راسخ بأن الله رؤوف بعباده، لا يمنع إلا لحكمة، ولا يعطي إلا لرحمة.
كم من إنسانٍ يتألّم ومكروب، وكم من شخصٍ أتعبته الحياة وأثقلت كاهله الهموم. قد لا يشعر به القريب، ولا يدرك ما في صدره من ضيق، لكن الله قريب، يسمع أنين قلبه قبل أن ينطق لسانه، ويعلم خفاياه قبل أن يُبديها. وما أصدق تلك اللحظات حين تضع جبهتك على الأرض، ساجدًا، مسلّمًا، موقنًا بأن الله يسمعك ويستجيب لك، وأنه سبحانه أرحم بقلبك من أمك وأبيك.
وقد جاء في الحديث الشريف الذي يرويه عبدالله بن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
“احفظِ اللهَ يحفظْك، احفظِ اللهَ تجده تجاهك، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله، واعلم أن الأمةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفّت الصحف.”
– رواه الترمذي.
وقد عبّر الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عن هذا المعنى بقوله:
دعِ الأيّامَ تفعلُ ما تشاءُ
وطِبْ نفسًا إذا حكمَ القضاءُ
ما أجمل أن لا تيأس… فكل ليلٍ يعقبه صبحٌ تُنيره الشمس، وكل نفقٍ له نهاية، مهما طال. وما بين ظلمةٍ ونور، يكتب الله لك الفرج في الوقت الذي يراه مناسبًا، لا كما تريده أنت، بل كما هو خيرٌ لك.
لكل حزين: كن مطمئنًا، وثق بالله، وامضِ في حياتك بقلبٍ معلّقٍ بالسماء، عاملًا بالأسباب، راضيًا بالنتائج. فبين الأخذ بالأسباب والتسليم للقدر، يولد السلام الحقيقي، وتزهر في النفس معاني الرضا واليقين.
اللهم يا واسع الرحمة، يا شافي يا كافي، اشفِ كل مريض يتألم، وخفف عن كل جسدٍ أنهكه الوجع، واربط على قلوبٍ أرهقها القلق والانتظار، اللهم إن كان في الأرض طفلٌ يتألم، فاجعل ألمَه بردًا وسلامًا، وامنحه عافيةً تُنسيه ما مرّ به، وألبس قلب والديه الصبر والطمأنينة، وارزقهم فرحًا قريبًا يملأ أرواحهم، اللهم اشفِ كل كبيرٍ أنهكه المرض، وكل من يئنّ بصمت، وكل من ضاقت به الحيلة، وارزقهم قوةً من عندك، وراحةً تغمر أجسادهم وقلوبهم،
اللهم لكل من له قريب أو حبيب يعاني، اجعل له من لطفك نصيبًا، ومن دعائه إجابة، ومن صبره فرجًا، وبدّل خوفه سكينة، وحزنه فرحًا.
اللهم لا تدع مريضًا إلا شفيته، ولا مهمومًا إلا فرّجت عنه، ولا دمعةً إلا مسحتها برحمتك، إنك على كل شيء قدير 💔
" والآن ، وداعاً أيتها الطيبة، وأيتها
الإنسانية، وأيّها العرفان.
وداعًا يا كل المشاعر التي يزهر بها القلب!
لقد تركت للقدر أن يجازي الاخيار !
#كونت_مونت_كريستو
في ذكرى رحيله
غوته .. لقد عشت طيلة حياتي مع نفسي
علي حسين
كان يجلس على كرسيه ، يضع على ركبتيه غطاء السرير ، لقد عانى في الليل من الألام ، وكان متيقنا أن الصباح لن يشرق عليه ثانية ، فهو منذ اسابيع طريح الفراش ، كانت الأمة الالمانية تتابع بقلق صحة شاعرها الخالد ،باحة البيت الكبير تمتلء بالناس الذين يريدون ان يطمئنوا على صحة كاتبهم المحبوب .
نظر حوله سأل عن تاريخ اليوم ، قيل له انه الثاني والعشرين من آذار ، قال بصوت خفيض : لقد بدأ الربيع . لم يعد يشعر بالألم . رفع يده وأخذ يحركها في الهواء كأنه يكتب شيئا ما ، لكن سرعان ما سقطت يده بسبب الضعف ، أخذ يحرك اصابعه كأنه يتابع الكتابة . بعدها اصبحت الاصابع تتحرك بصعوبة ، تغير لونها ، أصبح يميل للزرقة ، ثم توقفت عن الحركة ، فيما عيناه أخذتا بالإنطفاء . بعد دقائق أعلن طبيبه الخاص " كارل فوغر " ، موت اديب المانيا الكبير " يوهان فون غوته " في الساعة الخامسة من عصر يوم 22 آذار عام 1832
كان غوته قد كتب قبل رحيله بأشهر :" أن يعيش المرء طويلاً معناه أن يبلغ من العمر عتياً وأن يبقى على قيد الحياة بينما تزول اشياء كثيرة : من الناس الذين احبهم وكرههم ولم يكترث لهم ، الى الممالك والعواصم ، لا بل إلى الغابات والاشجار التي بذرناها وغرسناها في الصبا . نحن نعمر أكثر من انفسنا ، لقد عشت طيلة حياتي مع نفسي ، واشتركت فيها مع الآخرين ، فتطلعت دوما صوب الأسمى في كل سعي دنيوي وعمل أرضي قمت به " – غوته من حياتي ترجمة محمد جديد –
ظل غوته طوال حياته يحارب الشهرة التي كان يقول عنها " جارحة للشعور بقدر ما هو سوء السمعة " . يردد على مسامع زواره :" ان معنى كتاباتي وحياتي ومغزاهما هو انتصار العنصر الانساني " ثم يضيف :" سوف يكون من شأن الاديب بوصفة إنساناً ومواطناً أن يحب وطنه الأم ، ولكن وطن طاقته الشعرية وتأثيره الشعري هو قيم الخير والنبل والجمال ، وهذه لا ترتبط باقليم معين ولا ببلاد معينة ، بل هي قيم يعمد إلى اعتناقها والتمسك بها وتشكيلها حيثما يجدها " – غوته أفكار وتأملات ترجمة هاني صالح –
كتب غوته عام 1820 وهو في عقده السابع :" إن الكتابة مرض مستعص ، ومن الخير أن نستسلم له . ونراه يعلن ان كتابا ما إنما يؤثر في القارئ ثم يصبح جزءا من الثقافة المحيطة بواسطة شخصيية المؤلف وجدها :" يجب ان تكون انسانا ذا شخصية لكي تخلق عملا ذا قيمة " .
بدأ اهتمامه بالقراءة والكتب مبكراً بتعرفه لأول مرة في مكتبة والده على كتاب الجمهورية لافلاطون الذي قال عنه إنه اول كتاب يفتح عيني على العالم .
يتذكر يوهان فولفانغ غوته كيف أن مجموعة من الكتب قد اجتذبته أكثر من سواها وسيكتب في سيرة حياته التي أسماها " الشعر والحقيقة " متذكراً المكتبة الكبيرة التي كانت تأخذ حيزاً كبيراً في ذلك المنزل الذي يتألف من مبنيين متجاورين :" هناك عندما كبرت ، لم تكن إقامتي في جو يخيم عليه الحزن ، بل سادها التوق وخالجها الشوق الى المعرفة ".
في عام 1769 كان غوته في العشرين من عمره حين وقع في يده كتاب " مقال في إصلاح العقل " لسبينوزا وجد في هذا الكتاب ، أجوبة على أسئلة كانت تدور في ذهنه عن علاقة الدين بالتفكير العقلي والعلمي، وسيصبح إبداع غوته الشعري فيما بعد تفسيراً لفلسفة سبينوزا ، فقد وجد غوته في كتاب سبينوزا مفاهيم جديدة عن الحرية وموضوعة الذاتية الفردية ، كتب رساله الى شوبرت يخبره فيها إن الفلسفة وحدها ستبلغه سر الوجود.
بدا غوته بكتابة فاوست عام 1771، قبل أن ينشر آلام فرتر حين كان في الثانية والعشرين من عمره، لكنه لم يكملها واستمر في كتابتها بشكل متقطع حتى انجزها عام 1831، قبل عام من وفاته، لم تظهربشكل كامل إلا بعد موته بست سنوات. ولهذا اعتبر العمل اشبه بوصية فلسفية وفكرية عكس فيها غوته التحولات الجذرية التي غيّرت المجتمع الألماني والعالم بأسره، ومثلما يكتب لوكاش لم تكن فاوست مجرد تشخيص لمصير غوته الشخصي وإنما كانت :"تطويراً مستقلاً متميزاً للوعي الذاتي القومي، بل للوعي الذاتي للبشرية".
لقد نجحت مسرحية فاوست التي أطلق عليها اسم إلياذة العصور الحديثة أن تلخص لنا من خلال مسيرة فاوست من السقوط والبؤس الى الارتفاع والخلاص، مسيرة البشرية ذاتها وهذا ما جعل النقاد يعتبرون عمل غوته هذا عملاً أدبياً وفنياً لايقاس به أي عمل آخر تناول شخصية فاوست، وهو الأمر الذي جعل جورج لوكاش يعقد مقارنة بين فاوست غوته وظاهريات الروح لهيغل .
كان الفيلسوف الامريكي إمرسون قد اطلق على شكسبير لقب " اعظم الشعراء " ، فيما اعطى غوته لقب " اعظم الكُتاب "
ظل غوته يكتب حتى الايام الاخيرة من حياته ، وقد كان يحس بالسعادة وهو يعلن ارتباطه بالكتب
إنها مهنة غريبة وشاقة .. من ينكر ذلك ؟
إنها قضاء يمكن أن يبدو في حينه كاللعنة الحقيقية ، وكالمرض لمن يحترفها
في ذكرى ميلاد شاعر ألمانيا التعيس هولدرلين
علي حسين
قبل ان يبلغ الثلاثين من عمره، قرأ مارتن هايدغر الجزء الاول من كتاب " شبلنجر "، تدهور الحضارة الغربية " ، وقد أثر الكتاب عليه فيما بعد واصبحت نظرة هايدغر للغرب تنبىء عن كوارث قادمة . كان يشرح لطلبته، انما هو نتيجة " لإرادة الإرادة " لدى الغرب. سعى للقاء شبلنجر الذي كان يحضر للجزء الثاني من الكتاب، وجد شبلنجر شديد التشاؤم مما يجري، يوجه سهام نقده للأفكار الليبرالية باعتبارها افكاراً تحتضر وبأن الديمقراطية مجرد لعبة تجارية، بعد المقابلة يصل هايدغر الى استنتاج ان: " التفسخ الروحي لاوروبا قد وصل مرحلة متقدمة، لدرجة ان: "الامم اصبحت تواجه خطر فقدان آخر جزء من الطاقة الروحية، ذلك الجزء الذي يمكنها من ادراك هذا الاضمحلال وتقدير حجمه "، في تلك السنوات كان هايدغر مستغرقاً في قراءة اشعار فردريش هولدرلين، والقى على طلبته محاضرة بعنوان " هولدرلين وجوهر الشعر "،- ترجمها عثمان امين ضمن كتاب ( الفلسفة والشعر ) وترجمها بسام حجار ضمن كتاب بعنوان ( انشاد المنادي ) وترجمت ايضا ضمن كتاب نصوص فلسفية بعنوان هلدرلين وماهية الشعر -وفيها يطرح هايدغر رؤيته عن جوهر الشعر، وتساءل في المحاضرة : ما الحاجة الى الشعراء في هذا العصر البائس ، وما الذي يميز هلدرلين عن كل شعراء الارض ويجعل منه التجسيد الاعلى لجوهر الشعر؟ فيجيب هايدغر انه الصدق المطلق مع الذات، فهو الصدق الذي وصل به الى حافة الجنون.:" لم يشأ هلدرلين ان يتورط مع الواقع او ان يساوم على حقيقته الداخلية. وفضل ان يفشل في الحياة على ان ينجح بشكل رخيص. بل ان جنون هلدرلين خلع على شعره هالة من السحر والجاذبية، فلأنه اصبح مجنونا، لأنه عاش على حافة الجنون حتى قبل ان يجن فعلا، فإنه استطاع ان يرى ما لا يرى بالعين المجردة، استطاع ان يلمح من ثقب الباب ذلك العالم الآخر الذي يستعصي علينا ونحن في حالة العقل والمنطق". – هلدرلين وماهية الشعر ترجمة فؤاد كامل-
لم يعش يوهان فردريش هولدرلين المولود في العشرين من آذار عام 1770 ، وهو العام الذي ولد فيه هيغل وقد ارتبط الاثنان بصداقة حميمة ، كما عاش يوهان غوته مرفها تحيط به نخبة من صفوة القوم ،
عاش هواراينفقيرا ومريضا يؤمن ان مهمته في الحياة ان يظل يحمل لقب شاعر فقط ، كل ما نعرفه عن طفولة هلدرلين هو أنه ولد في مدينة صغيرة اسمها " لاوفن " تابعة لِمحافظة باڤارِيا في عائلة متوسطة ، الاب يعمل معلما في مدرسة الدير ، ويدير في الوقت نفسه الاملاك التابعة للكنيسة ، اما الام فكانت لا تفارق الصلاة وتتمنى ان يصبح ابنا قسا مثل والدها ، لذا قررت ان يدخل ابنها مدرسة الدير ، لكن الطفل سيصاب بعدة فواجع اولها وفاة ابيه بعد عامين من ولادته ، وزواج امه من رجل آخر سيتوفى بعد خمس سنوات ، هذه الطفولة التي يصفها ستيفان تسفايج بانها كانت موطنه الاول برغم ما تخللها من مآسي ، ويقتبس تسفايج احدى رسائل هولدرلين التي يقول فيها :" للأسف الشديد ! لقد أخاف العالم ذهني، منذ نعومة أظفاري، الشيء الذي جعلني أنطوي على نفسي" – بناة العالم ترجمة محمد جديد - . ويرى تسفايج ان ازمة هوادرلين تكمن في الصراع الذي عاشه بين طفولة هادئة ، وواقع حياتي، قاسي ولهذا ، وان اشعار هلدرلين تعبير دقيق عن مأساته الشخصية. في المعهد اللاهوتي الذي دخل اليه عندما كان في الثامنة عشر من عمرة سيتعرف الى الفيلسوفين هيغل وشلينغ ، بعد خمسة اعوام يترك المعهد رافضا الانضمام الى سلك اللاهوت ، يدخل جامعة ينا هناك يتعرف على استاذه الفيلسوف الالماني يوهان فيشته حيث يواظب على حضور دروسه الفلسفية ، مستمعاً إلى محاضراته التي كان يصفها بانها أشبه بالخطابات العاطفية، وتحت تاثير افكار فيشته يكتب هلدرلين قصيدته " الى الالمان "والتي يتساءل فيها : هل نحيا من رقادنا عن قريب ؟ كان شاغل هلدرين هو معرفة وظيفته كشاعر ، ولعل موقفه من الثورة الفرنسية واعجابه الشديد بكتابات جان جاك روسو جعلته يشعر بخيبة امل من ان هذه الثورة ليس لها صدى في بلاده المانيا . بدأ المرض يحاصره في فترة مبكرة من حياته ، إلا ان المأساة الحقيقية في حياته كانت موت محبوبته " زوزيت غونتارد " التي تعرف عليها عندما كان يعمل مدرسا وقد اصيب على اثر سماعه خبر وفاتها بانهيار عصبي ، وشخص الاطباء حالته بانها اضطرابات عقلية ، عاش الستة والثلاثين عاما الاخيرة من حياته في حجرة صغيرة سميت " صومعة هولدرلين " في بيت احد النجارين ، بعد ان فرضت عليه الوصابة ، لم تعرف اهمية هولدرلين إلا بعد ان اشار اليها نيتشه ، بعدها حظيت باهتمام فلاسفة القرن العشرين الذين وجدوا في كتاباته تفكيراً فلسفياً يسلط الضوء على لغز الوجود وسر الكون، كان هولدرلين يؤمن بأن الشعر فعل تاريي مؤثر في العالم والإنسان .