غالبًا ما تصلني رسائل خاصة تستفسر عن الكتب التي أحبها أو تطلب مني توصيات لقراءات بعينها وكأنني أحتفظ في مكتبتي بقائمة جاهزة من العناوين التي أؤمن بوجوب أن يقرأها الجميع. لكن الحقيقة أنني لا أملك هذا النوع من الحبّ للكتب ولا أعتقد أن تجربتي مع القراءة تصلح لأن تُنقل كنصيحة أو تُتداول كترشيح.
يضع الشاعر حياته في الكلمات ثم تفلت القصيدة من يده ويقرأها الناس من داخل جراحهم الخاصة فتتعدد وجوهها ويصير النص أوسع من صاحبه لأنه دخل ذاكرات لم يعرفها…
حين يقول الإنسان كلمة "حب" يظن أنه سمّى شعوره مع أن الكلمة تحمل تاريخًا أوسع منه وقد تدخل تجربته في معنى سبقها وتعيد تشكيلها وفق صورة لم يخترها بالكامل..
@1Pll_l اقترح تاريخ الجسد..
كع العلم في كل قراءة مفاهيم مجهولة حبّذا يقرأ التاريخ "للإشكال" ثم المداخل ثم المبادئ مع التمسك بالمعجم لكي يفهم القارئ استعمال المصطلح داخل النص وحركة سرديته لفهم المصطلح.. ثم يتوسع في التخصص إذا أراد.. والتوسع يكون في استخلاص الاسئلة الجوهرية في الاشكال…
في اعتقادي أن هذه الكتب ساهمت في انفتاح الكلام عن الجسد وبالأخص كتاب لايكوف وجونسون وكتاب ديفيد لو برتون، إذ أعادت الجسد من هامش الفكر إلى مركز التجربة وصار المجال الذي تتكوّن فيه اللغة والذاكرة والهوية، فمن حركاته وحواسه وآلامه وحدوده يفهم الإنسان العالم ويمنحه معنى يخصه قبل أن يصوغه في الأفكار.
فتح نيتشه الطريق حين أعاد الفكر إلى قوى الجسد وغرائزه، ثم جاء موريس ميرلو-بونتي فجعل الجسد طريقتنا في إدراك العالم والسكن فيه، ومن هذا الأفق قرأ فوكو الجسد داخل شبكات السلطة والانضباط، ورآه دولوز مجالًا للقدرة والتأثر، بينما كشفت بتلر كيف تنقش الخطابات هويته وحدوده.
يكشف الليل مقدار ما أخذته المدينة من السماء لأن النجوم تتراجع خلف الضوء المتراكم ويكبر الإنسان في فضاء لا يرى فوقه إلا وهجًا صناعيًا يعيد إليه صور الأرض ويحجب عنه اتساع الكون…
الحب يكشف الإنسان لأنه يفتح له باب الخروج من انغلاقه ثم يضعه أمام حرية الآخر التي لا يمكن امتلاكها فيتعلم أن القرب الحقيقي يحتاج قبول المسافة التي لا يلغيها العناق…
يرد الشعر الكلمات إلى دهشتها الأولى بعدما أرهقها الاستعمال اليومي فتصبح الشجرة التي مررنا بها ألف مرة كائنًا يفتح ظله لأول مرة ويصير العالم مألوفًا من الخارج وغريبًا في جوهره…
يمتلئ يوم الإنسان بالأصوات لأن السكون يفتح بابًا يخشاه في داخله. وحين يهدأ كل شيء يصعد السؤال القديم من قاعه طالبًا جوابًا عن معنى الطريق الذي قطعه دون أن يعرف لماذا بدأه، فيعود إلى الضجيج كمن يعود إلى غرفة مألوفة تحميه من مواجهة وجهه…
بعض الذكريات لا تستقر في الحكاية لأنها تمس موضعًا أعمق من اللغة فتظل داخل الإنسان كحد فاصل بين ما كانه وما صار إليه ويشعر كلما اقترب منها أن حياته انقسمت هناك دون أن يسمع صوت الانقسام..
كلما اتسعت وسائل التواصل ضاق معنى القرب؛فالرسالة تصل في لحظة..! غير أن الذات قد تبقى بعيدة كبيت مقفل ومن هنا صار الإنسان الحديث قادرًا على الحضور المستمر وعاجزًا عن اللقاء الحقيقي…
يتسيد خطاب "التخلي" كعزاء يداري هشاشة الإنسان أمام قلق الزوال. رغم أن "التمسك" شجاعة وجودية خالصة وعناق عميق يمنح الأشياء ثقلها الحقيقي. في القبضة المرتجفة على ما نألف، تتخلق كينونتنا وتتجذر ذواتنا في قلب العاصفة لتزهر الحكاية وسط فوضى العدم محتضنةً دفء كل ما يستحق عناء البقاء…
تأبى الطفولة مغادرة ذواتنا دفعة واحدة لتمكث متوارية في هلعنا العميق من الفقد متلهفة لنيل الرضا محتدة عند استعصاء الفهم كأنما يختبئ ذلك الطفل العتيق خلف حصون لغة البلوغ المعقدة يرقب العالم بصمت منتظرا استرداد تعويض وجودي مفقود يعجز تماما عن صياغة المطالبة به لتظل هشاشته تحكمنا.