النايض يستقبل وفدا رفيعا من شركة ليبهير الألمانية
استقبل أ.د. عارف علي النايض، بصفته رئيسًا لمجلس إدارة شركة الأداء القابضة، وفدًا رفيعًا من شركة ليبهير الألمانية في اجتماع مثمر وبنّاء.
وتُعَدّ شركة ليبهير من كبريات الشركات العالمية في مجالات معدات الموانئ والرفع والمناولة، وتمتاز بحضور قوي في الأسواق الدولية، وخبرة واسعة في تطوير حلول الرافعات المتقدمة والمعدات الثقيلة وخدمات الدعم الفني للموانئ والمناطق الصناعية.
شهد اللقاء نقاشًا معمّقًا حول تجهيزات مركز طبرق للتميّز البحري (TCME)، وهو أحد المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تقودها شركة إعمار ليبيا القابضة بصفتها المطوّر الرئيسي للمنطقة الحرّة طبرق، وبالشراكة مع شركة الأداء القابضة.
وتناول الاجتماع سبل التعاون في تزويد المركز برافعتين من طراز LHM 420 وLHM 550، وهما من أحدث الرافعات متعددة الاستخدامات التي تنتجها شركة ليبهير لخدمة عمليات الحاويات والبضائع العامة والبضائع السائبة.
كما شمل الاجتماع بحث فرص الاستفادة من التقنيات الألمانية المتقدمة في تطوير منظومة العمل داخل مركز التميّز البحري، بالإضافة إلى إمكانية إنشاء شبكة دعم فني وصيانة لليبهير في ليبيا، تشمل طبرق وعدة مدن ليبية أخرى، بما يعزز جاهزية المعدات واستمرارية العمل في الموانئ الليبية.
ويمثّل هذا الاجتماع خطوة أولى نحو شراكة واعدة بين الجانبين، تُسهم في دعم مشاريع البنية التحتية البحرية واللوجستية في ليبيا، وتعزيز التعاون مع واحدة من أهم الشركات العالمية المتخصصة في معدات الموانئ.
Dr. Aref Ali Nayed, in his capacity as Chairman of Alada Company Network, received a senior delegation from Toyota Tsusho Corporation of Japan in a productive meeting.
Toyota Tsusho is one of Japan’s leading global companies operating in the fields of infrastructure, energy, water, international trade, and advanced industrial solutions, with a strong presence across several African countries.
The meeting included a constructive discussion on potential cooperation in Libya and a number of African countries, including the fields of water desalination, wastewater treatment, and renewable power generation. The discussion also touched on the Tobruk Center for Maritime Excellence (TCME), a strategic project led by Emaar Libya Holding Company, the Master Developer of the Tobruk Free Zone, in partnership with Alada Company Network, exploring how Japanese expertise and technology could support this important project.
The meeting represents a first step toward a promising partnership between the two sides.
النايض يستقبل وفدًا رفيعًا من شركة تويوتا تسوشو اليابانية
استقبل أ.د. عارف علي النايض، بصفته رئيسًا لمجلس إدارة شركة الأداء القابضة، وفدًا رفيعًا من شركة تويوتا تسوشو اليابانية في اجتماع مثمر.
وتُعدّ تويوتا تسوشو من كبريات الشركات اليابانية العاملة عالميًا في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والمياه، والتجارة الدولية، والحلول الصناعية المتقدمة، ولها حضور واسع في العديد من الدول الإفريقية.
شهد اللقاء نقاشًا حول فرص التعاون في ليبيا وعدد من الدول الإفريقية، بما في ذلك تحلية المياه، ومعالجة مياه الصرف، وتوليد الطاقة المتجددة، إضافةً إلى مركز طبرق للتميّز البحري (TCME)، وهو مشروع استراتيجي تقوده إعمار ليبيا القابضة بصفتها المطوّر الرئيسي للمنطقة الحرّة طبرق، وبالشراكة مع الأداء القابضة، مع بحث إمكانية الاستفادة من الخبرات والتقنيات اليابانية في دعم هذا المشروع.
ويمثّل الاجتماع خطوة أولى نحو شراكة واعدة بين الجانبين.
جامعة جويلف الكندية تكرِّم خريجها أ.د. عارف النايض بمحاضرة وميدالية من كلية الهندسة
دعت جامعة جويلف في ولاية أونتاريو – كندا، أ.د. عارف علي النايض لإلقاء محاضرة حول (فلسفة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته)، بحضور فريق مشترك من كلية الهندسة، وكلية الفلسفة، ومركز جويلف لتطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول والأخلاقي.
كما شملت الزيارة عقد سلسلة من الاجتماعات التنسيقية مع عمداء كليات (الفلسفة) و(العلوم الإنسانية) و(الهندسة)، وعدد من الأساتذة، إضافة إلى لقاء مع رئيس الجامعة ونائبه وفريقه.
واختُتمت الزيارة بتكريم النايض بمنحه (ميدالية هندسة جويلف للرؤية والأثر).
يُذكر أن النايض من خريجي جامعة جويلف الكندية، وقد تحصل منها على ثلاث درجات أكاديمية:
بكالوريوس في الهندسة (الهندسة البيولوجية) – 1985
ماجستير في فلسفة العلوم الطبيعية – 1986
دكتوراه في الفلسفة (الهرمنيوطيقا: فلسفة التأويل) – 1994
وبالله التوفيق.
د. عارف النايض عضو المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية يؤكد أن دولة الإمارات لم تكتف بالدفاع عن حرمة التسامح، بل تجاوزت ذلك إلى بناء إيجابي فعال لهذا المفهوم، وذلك خلال مشاركته في ندوة "دولة الإمارات موطن التسامح والسلام"
للاستماع إلى الكلمة كاملة:
https://t.co/ppd1E3qHew
تدعوكم جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية لحضور ندوة بعنوان «دولة الإمارات موطن التسامح والسلام» والتي تستضيف نخبة من المفكرين والباحثين لطرح رؤى معمّقة حول فلسفة التسامح والتعايش في الدولة، وتسليط الضوء على التجربة الإماراتية الرائدة في تعزيز الحوار الحضاري ودعم مبادرات السلام في العالم.
الأربعاء 12 نوفمبر 2025
10:00 صباحاً
قاعة زايد | في مقر الجامعة في أبوظبي
شراكة استراتيجية بين جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، ومؤسسة كلام للبحوث والإعلام لتعزيز شراكتهما في المجال العلمي والبحثي والإعلامي وتبادل الخبرات والتجارب المؤسسية
المجلس العلمي الأعلى للجامعة برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه يطلع على أبرز المبادرات الأكاديمية، ويبحث تعزيز مسيرة الجامعة المستقبلية وبرامجها في الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية والاجتماعية.
للمزيد (وام):
https://t.co/c6mpFxg8zH
ومضات (108)
سنة (التفاؤل) : هندسة النور في الفكر
روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الطب، باب الطِّيَرَة وإبطالها):
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى، ولا طِيَرَة، ويُعجِبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيّبة».
— رواه مسلم (2224).
في كلمةٍ واحدة، رسم النبي ﷺ هندسة التفكير الإيجابيّ:
«الفأل» هو الكلمة الطيّبة، وهو أولُ خيطٍ من نورٍ في شبكةٍ من الظلمات.
ليس التفاؤل عند النبي ﷺ غفلةً عن الشرّ، بل طريقةُ إدراكٍ موجّهة، ترى الخير الممكن داخل الضرورة، كما يرى الرياضيّ الحلّ الممكن داخل القيد.
الطِّيَرَة كانت نظامًا خرافيًا لتفسير الواقع عبر التشاؤم، فجاء ﷺ ليبدّله بنظامٍ لغويٍّ جديد:
الكون لا يُقرأ بعلامات التشاؤم، بل بكلمةٍ طيّبةٍ تفتح الإمكان.
فالمعنى يُبنى لا يُفرض، والتأويل يصنع الأفق.
إنّه تحويل من تفسيرٍ سلبيٍّ للعالم إلى تصنيع إيجابيٍّ للمعنى — وهذا هو جوهر التفكير المنشئ لما هو جديد.
في علم النفس المعرفيّ اليوم، يُسمّى هذا “Cognitive Framing”:
الطريقة التي نؤطّر بها الحدث تحدّد تجربتنا له.
النبي ﷺ سبقهم حين جعل الفأل إطارًا لإدراك الخير قبل وقوعه، لا مجرّد ردّ فعلٍ بعده.
إنه تقدّم بالنور على الواقع، لا تأخّرٌ عنه.
وقال ﷺ في حديثٍ آخر:
«إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها» — رواه أحمد (12902).
إنّه منطقٌ لا يُبطل الخطر، لكنه يُبقي العمل ممكنًا، حتّى على حافة الفناء.
فالرجاء هنا خوارزمية استمرارية، تمنع النظام الإنسانيّ من الانهيار.
الفكر الإيجابيّ في السنّة ليس شعارًا نفسيًا، بل منهج وجوديّ:
أن تتكلّم بخير، فتُغيّر الإدراك،
وأن تغرس فسيلة النخل، ولو قامت الساعة.
التفاؤل ليس تجاهل العتمة،
بل تصميم نافذةٍ للنور فيها.
الصلاة والسلام على رسولنا المتفائل وعلى آله وصحبه.
ومضات (107)
سنة (لرسم التوضيحي) : هندسة العمر والأمل
روى الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب في الأمل وطول الأمل):
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
خطَّ النبي ﷺ خطًّا مربعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطَّ خطوطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال ﷺ: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به — أو قد أحاط به هذا الخطّ المربّع — وهذا الذي هو خارجٌ أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا».
— رواه البخاري (6417).
في هذا الحديث يرسم النبي ﷺ خريطة الوجود الإنسانيّ بخطوطٍ قليلةٍ على الرمل، فيحوّل الزمن والمصير إلى شكلٍ هندسيٍّ محسوس، ويجعل من الرسم الهندسي التوضيحي سنة نبوية شريفة.
المربّع هو حدود العمر، والخطّ المستقيم هو مسار الإنسان، والخطوط الصغيرة هي الأعراض والابتلاءات التي تتناوبه، أمّا الخطّ الخارج من المربّع فهو الأمل المتجاوز للأجل.
هكذا يجسّد النبي ﷺ أعظم دروس الفهم البصري (visual insight): كيف تُرسم الحقيقة في هيئةٍ تُرى، فيتحوّل المعنى إلى صورةٍ تستقرّ في القلب كما في العقل.
في هذا الرسم البسيط تتجسّد نظريات اليوم في النظم المعقّدة والتحليل الاحتماليّ:
خطٌّ يسير نحو هدفٍ ضمن إطارٍ محدود، تُهاجمه اضطراباتٌ جانبيّة، بينما يُمدّه الوهم بخطٍّ خارج الحدود.
إنّها معادلة الحياة:
الخطّ المستقيم: السعي.
المربّع: الأجل.
الخطوط الصغار: الأعراض.
الخطّ الخارج: الأمل المتجاوز.
وهكذا يُعلّمنا ﷺ أن الحياة مسارٌ داخل مربّعٍ من قَدَر، وأنّ الحكمة ليست في إلغاء الأمل، بل في تقييده بالوعي بالحدّ.
كلّما تجاوز الأملُ المربّع، صار وَهْمًا،
وكلّما استقام الخطّ في الداخل، صار سعيًا.
الرسم الهندسي التوضيحي هو درسٌ في كيفيّة رؤية الفكر، وكيف يكون الإدراك هندسةً للمعنى.
اللهم صل وسلم وبارك على من استخدم كافة الوسائل لتعليمنا، وعلى آله وصحبه.
ومضات (106)
سنة (التسديد والتقريب) : منهجية التقريب النبوية
قال ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ. واعلموا أن أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ»
— رواه البخاري ومسلم.
في هذه الكلمات القليلة يضع النبي ﷺ أعمق خوارزميةٍ للحياة: خوارزميةُ القصد والتقريب.
«سدّدوا» أي صوبوا نحو الحقّ، فالسداد هو توجيه النية وضبط المسار.
و«قاربوا» أي اقتربوا ما استطعتم، فالكمال ليس بشريًّا، إنما هو أفقٌ نُحاذيه ولا نبلغه.
هكذا تعمل العقول في العلم، وهكذا تتقدّم الرياضيات بخطواتٍ من التقريب:
نبدأ بتخمينٍ أول، ثم نعدّل، فنقترب، فنكرّر، حتى نبلغ حدّ التقارب.
وما بين كل محاولةٍ وأخرى مسافةُ خطأٍ تُعلّم، ولا تُحبط.
فالسداد هو تحديد الهدف، والمقاربة هي التحسين التكراري.
ومثلما تحتاج كلّ خوارزميةٍ إلى شرط توقّف خارجي، يحتاج الساعي إلى رحمةٍ تُنهي حساب المسافة بين الممكن والمطلوب.
ثم يختم ﷺ بقانون الاستقرار: «وأحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ».
فالديمومة هي سرّ التقارب، كما في كلّ متتاليةٍ تميل إلى الثبات.
الحديث الشريف، إذًا، ليس مجرّد توجيهٍ أخلاقي، بل صيغةٌ معرفيّة ومنهجٌ للوجود:
أن تسعى وتُصيب،
فإن لم تُصب فاقترب،
فإن عجزت فاثبت،
واعلم أنّ الرحمة هي الثابت الذي يتوج كلّ اقتراب.
اللهم صل وسلم وبارك على الرحمة المهداة وعلى آله وصحبه.
ومضات 105
الواقعية الأكسفورديّة: امتدادٌ لأصولٍ أشعرية
يُظنّ عادةً أنّ ما عُرف في الفلسفة الحديثة باسم "الواقعية الأكسفورديّة" هو مذهبٌ بريطانيٌّ خالصٌ نشأ ردًّا على المثاليّة في القرن التاسع عشر. غير أنّ التتبّعَ التاريخيَّ يكشف عن نسبٍ أعمقَ وأقدمَ لها، إذ تمتدُّ جذورُها إلى علم الكلام الأشعريّ في القرنَين الرابع والخامس للهجرة.
فمفهومُ "العلم" عند الأشاعرة، بوصفه حالًا حقيقيّةً مخلوقةً لله تعالى تُطابق المعلومَ الخارجيّ، هو الأصلُ الذي نبعت منه البنيةُ المعرفيّةُ التي ستتجلّى لاحقًا في أكسفورد. وقد أخرج ابنُ الهيثم هذا الأصلَ إلى حيّز العمل في كتابه العظيم المناظر، حيثُ جعل الإدراكَ فعلًا ضروريًّا مباشرًا، يُنتجُ المعرفة المباشرة لأنّ الله يخلقُ العادةَ المنتظمةَ بين النور والعين والمرئيّ.
في مطلع الكتاب، يقول ابنُ الهيثم: "إنّ الحقَّ يُطلبُ لذاته، ومن ابتغاه لم يرضَ بما نُقل إليه، بل يُلزمُ نفسَه النظرَ والبرهانَ، ويتّهمُ رأيَه حتى تقوم الحجّةُ عليه" — وهي عبارةٌ تُلخّصُ روحَ المنهجِ العلميّ قبل قرونٍ من نشأة المنهج التجريبيّ الأوروبيّ. فقد دخلتْ واقعيّةُ ابن الهيثم إلى الغرب عبر طليطلة وصقليّة على يد جيرارد الكريموني (1114–1187) وميخائيل سكوت (1175–1232)،
عاصرت هذه الترجمات عن العربية بدايات الدولة الحفصيّة في إفريقية، فكان زمنُ الترجمة هو زمنُ تفتّحِ المدارسِ الأشعريةِ الحفصيّةِ في طرابلس وتونس. ومن اهم هذه المدارس الحفصية الأشعرية (المدرسة المستنصرية) في طرابلس، والتي تضررت في الغزو الأسباني، ثم أحياها عثمان باشا الساقزلي، فعرفت بإسمه (مدرسة عثمان باشا الساقزلي)، وهي، حفظها الله، أعرق مدرسة في طرابلس،
ومن خلال غروستست وبيكون في أكسفورد، تحوّلَ "المنهجُ الهيثميّ" إلى قاعدةٍ للبحثِ العلميّ تقومُ على التجربةِ والتحقيقِ بدلَ التسليمِ للسلطة. ومن هذا النبعِ تدفّقتْ الواقعيّةُ التي ترى أنّ المعرفةَ اتصالٌ مباشرٌ بالواقع، لا تمثيلٌ له في الذهن. ثمّ ورثها فلاسفةُ الحسّ المشترك في اسكتلندا، وتلقّاها جون كوك ولسن في أكسفورد، ليُعلنَ في كتابه Statement and Inference أنّ "المعرفةَ علاقةٌ فريدةٌ بالواقع" لا تختزلُ إلى تصديقٍ أو تبريرٍ.
إنّ هذا السند التاريخي الممتدَّ من البصرة وبغداد إلى طليطلة وصقليّة عبر طرابلس وتونس، إلى أكسفورد، ومن ابن الهيثم إلى غروستست وبيكون وولسن، إنّما هو خيطٌ واحدٌ من الواقعيّة الإيمانيّة التي ترى في نظامِ الخلقِ الإلهيّ أساسَ موضوعيّةِ الحقيقة. فالعالَمُ عندهم منظمٌ لأنّه مخلوقٌ، ومعرفتُه يقينٌ لأنّها من سننِ الله. كما يقول الإمام النسفي: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقق، خلافا للسفسطائية).
وهكذا يتّضح أنّ الواقعيّة الأكسفورديّة، في عمقها، ليست سوى آخرِ تَجَلٍّ لأصولٍ أشعريّةٍ عريقةٍ في رؤيةِ العالم والمعرفة، وأنّ النورَ الذي انبثقَ من مناظرِ ابن الهيثم ما زال يضيءُ عقولَ الباحثين في أكسفورد إلى يومنا هذا.
ومضات (104)
الخطَائِيّة Fallibilism : تصحيح الأخطاء طريقُ المعرفة
من (سقراط) إلى (بيرس) و(بوبر)، كان الوعي بالخطأُ دائمًا مُحرِّكًا للمعرفة. فـ«الخطَائِيّة» أو Fallibilism ليست دعوةً إلى الريبة، بل اعترافٌ بأنّ العقلَ البشريَّ محدودٌ، وأنّ المراجعةَ والتصحيحَ هما طريقُ التقدّم. الإنسانُ لا يبلغُ المعرفة دفعةً واحدة، بل عبرَ سلسلةٍ من المحاولات، والسقوط والقيام، في رحلةِ بحثٍ لا تنتهي نحوَ العلم.
يقول الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف ٧٦)، ويقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء ٨٥). في هذين النصّين يتجلّى الهدي القرآنيُّ بضرورة إستيعاب محدودية علم الإنسان أمام علمِ اللهِ المطلق، ويوجه دعوة مفتوحة للتفكّرِ والمراجعةِ الدائمة.
وقال ﷺ: «كلُّ ابنِ آدمَ خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون» (الترمذي)، و«لولا أنكم تخطئون لذهبَ اللهُ بكم، ولجاءَ بقومٍ يخطئون فيستغفرون فيغفرُ لهم» (مسلم). فالخطأُ ليس امرا عابرا بل جبلة بشرية، وقيمتُه في الأوبة والتوبةِ والتصحيح. وقال ﷺ في بيانٍ دقيقٍ للمنهج: «سَدِّدوا وقارِبوا، القصدَ القصدَ تبلغوا» (البخاري ٦٤٦٣، مسلم ٢٨١٦).
وقد جمعت هذه الأحاديث وغيرها في كتيّبٍ بعنوان (الأربعون النافعة المنجية من ضرر الخطيئة والمعصية)صادرٍ عن مجمع ليبيا للدراسات المتقدّمة (LIAS)، يُبرزُ عمقَ هذا المبدأ في التراثِ النبوي، وكيف أنّ الاعترافَ بالخطأ والتوبةَ الفكريةَ والعمليةَ هما جوهرُ الإصلاحِ في الإسلام. (انظر الرابط ادناه)
ولقد ميز مشايخنا الأشاغرة والماتريدية بين علمِ اللهِ الأزليّ الكاملِ، والعلمِ الكسبيّ البشريّ المحدود والمتدرّج. والإمام الغزاليّ وجد من خلال الحيرة طريقًا إلى علم موثوق ولكنه متواضعٍ لا مطلق (انظر كتابه المنقذ من الظلال، وآخر كتابه ميزان العمل)، والرازيُّ ميّز بين مراتبِ الظنّ واليقين، مؤسِّسًا لتفكيرٍ احتماليٍّ مبكر. أمّا في أصولِ الفقه، فكلُّ اجتهادٍ اعترافٌ ضمنيٌّ بعدم العصمة إلا للأنبياء عليهم السلام؛ إذ يُبنى الفقهُ على المراجعةِ، والتصويبِ الجماعيّ، واحترامِ اختلافِ العلماءِ بوصفه رحمةً وتكاملًا.
وقد أدرك المفكّر الأمريكي جوسايا رُويْس Josiah Royce (1855–1916) أنَّ الخطأَ ليس مجرّدَ عثرةٍ معرفيّة، بل هو نافذةٌ على الحقيقة. قال إنَّ «الخطأَ هو وعيٌ ناقصٌ بالحقيقة، ولكنه وعيٌ بها على أيّ حال»، فهو مرحلةٌ في مسارِ اقترابِنا من الصواب. عند رُويْس، الخطأُ علامةُ وجودِ عقلٍ حيٍّ يسعى للمعرفة.
أما تشارلز ساندرز بيرس Charles Sanders Peirce (1839–1914)، فقد جعل من الخطأِ مبدأً منهجيًا في فلسفته البراغماتية؛ فكلُّ فكرةٍ قابلةٌ للاختبارِ والتصحيح، والعقلُ البشريّ ينمو من خلال التجريبِ والخطأِ وإعادةِ النظر. ومنه استلهمَ كارل بوبر Karl Popper (1902–1994) فكرته عن «قابليّةِ الدحض» (Falsifiability)، إذ جعلَ الخطأَ شرطًا أساسيًّا لتقدّمِ العلم.
وفي العلمِ والتقنية، أصبح مبدأ المحاولة والخطأ (Trial and Error) منهجًا في التطوّرِ ذاته: من أدواتِ الإنسانِ الأولى إلى أحدثِ خوارزمياتِ التعلّمِ الآليّ. التجربةُ الفاشلةُ تُعيدُ التوجيهَ وتُعمّقُ الفهم، وكلُّ اكتشافٍ عظيمٍ كان يومًا خطأً مصحَّحًا. بهذا المعنى، فإنَّ الخطأَ ليس نقيضَ الصواب، بل طريقُه.
الخطَائِيّةُ ليست ضعفًا، بل أخلاقُ القوةِ المعرفيّة؛ فهي تزرع التواضعَ والانفتاحَ في زمنٍ يهدّدُه التعصّبُ والجمود. وهي في عصر الذكاء الاصطناعيّ أكثرُ إلحاحًا: فكما أنّ الإنسانَ ليس معصومًا، فخوارزمياتُه كذلك، ولا حكمةَ بلا وعيٍ بالحدود.
فكما تمسحُ ماسحاتُ الزجاج المطرَ عن زجاج السيارة دونَ أن تتوقّف، تُبقيكَ الخطَائِيّةُ قادرًا على الرؤيةِ في مطرِ الشكّ والالتباس. إنّها حركاتُ التصحيحِ المستمرّ التي تُمكِّننا من القيادةِ بأمانٍ في العاصفة.
وكما يبدو المُتوازِنُ الذي يمشي على الحبل مستقرا في نظرِنا، وهو في الحقيقةِ يسقطُ ويُصحِّحُ سقوطَه في كلِّ لحظة، فإنَّ الثباتَ المعرفيَّ لا يكمن في انعدامَ الخطأ، بل في فنُّ تصحيحه الدائم.
فالعقلُ المتواضعُ كالمتوازنِ الماهر: لا يستقرُّ إلّا لأنه لا يتوقّفُ عن التعديل.
https://t.co/VEzUk1zjQK
مضات (106)
السفير حسونة الدغيّس و"قانون الأمم" لإيمر دو فاتيل
نشكر الكاتب الفذ د. بدرالدين المختار على مقالته القيّمة التي لفتت أنظارنا إلى مذكرات حاكم هونغ كونغ البريطاني السير جون بورينغ، كما نشرها ابنه ليوين بورينغ عام 1877م، وفيها ذكرٌ نادرٌ وساطعٌ لاسم السفير حسونة الدغيّس الطرابلسي بين الشخصيات التي أثّرت في فكر بورينغ وبنثام.
تلك الفقرة القصيرة في مذكرات بورينغ تستحقّ لمزيد من الدراسات الدقيقة، لا سيما لذكرها أنّ الدغيّس كان يقرأ للمشرّع السويسري إيمر دو فاتيل صاحب كتاب قانون الأمم (Le Droit des Gens)، وهو من أهمّ الكتب المؤسسة لفكرة القانون الدولي الحديث.
تُعدّ هذه الإشارة لمحة فكرية هامة، إذ بينما نُوقشت علاقة الدغيّس بجرمي بنثام في بعض الأبحاث، فإنّ علاقته بـفاتيل لم تُتناول قطّ. ومع ذلك، فإنّ قراءة الدغيّس لفاتيل تفتح أفقاً واسعاً لفهم خلفيته الفكرية في الإصلاح الدستوري والقانوني.
يقوم فكر فاتيل (1714–1767) على مبادئ جوهرية:
أنّ الأمم كيانات أخلاقية تخضع لقانون طبيعي عامّ، مثل الأفراد في المجتمع.
وأنّ السيادة لا تعني الاستبداد، بل مسؤولية الدولة عن الخير العام واحترام حقوق الشعوب الأخرى.
وأنّ القانون الدولي يقوم على مبدأ العدل والمعاملة بالمثل، لا على مبدأ القوّة أو الاحتلال.
كما يفرّق بين الحرب العادلة والظلم الدولي، داعياً إلى ضبط العلاقات بين الدول بروح القانون والإنصاف.
هذه المبادئ نجد صداها واضحاً في رسالة حسونة الدغيّس إلى السير جيمس سكارليت عام 1822 بشأن إبطال تجارة العبيد، إذ دعا فيها الأوروبيين إلى التمييز بين الحقيقة والمبالغة في وصف إفريقيا، محذّراً من ظلم الشعوب بالصور النمطية والتقارير المتحيّزة، ومؤكّداً أنّ الإصلاح الإنساني لا يقوم على الإدانة، بل على الاحترام المتبادل بين الأمم، بل انه يذكر حقوق الأمم صراحة.
ويمكننا القول إنّ الدغيّس قرأ "قانون الأمم" لا بوصفه تنظيراً أوروبياً، بل بمنظار الإصلاح الإسلاميّ والعثمانيّ المبكر، فحوّل فكر فاتيل إلى خطابٍ من داخل العالم الإسلامي موجَّهٍ إلى أوروبا نفسها، يدعوها إلى أن تكون أمينة لمُثُلها الإنسانية.
لقد وجد السفير حسونة الدغيس في فضاء لندن الإصلاحيّ مطلع القرن التاسع عشر شبكة فكرية فريدة، فيها يتقاطع القانون الطبيعي بالعقلانية النفعية، ويُعاد فيها بناء صورة طرابلس والعالم الإسلامي كطرفٍ فاعل في الحوار الكوني حول القانون والحرية، تارة في حوار مع بنثام وتارة مع فاتيل. هكذا وثق لنا حاكم هونغ كونغ لحظة تاريخية هامة، نشكر د. بدر الدين المختار على إبرازها.
ومضات (105)
مراسلات السفير حسونة الدغيس مع أسرة (بلسنغتون) ودلالاتها
الكونت تشارلز جون غاردنر (إيرل بلسنغتون) وزوجته الكاتبة الشهيرة الليدي مارغريت بلسنغتون، صاحبة الصالون الأدبي الذي كان من أبرز محافل لندن في العقدين الثاني والثالث من القرن التاسع عشر، حيث اجتمع السياسيون والأدباء والموسيقيون والمصلحون.
في سنة 1822 أقام السفير الليبي حسونة الدغيس في 33 شارع ألبمارل (Albemarle Street)، أحد أشهر شوارع النشر والعلم في لندن، قريبًا من الصالونات الرفيعة التي كانت تديرها الليدي بلسنغتون. هذا القرب الجغرافي والاجتماعي وضعه في قلب النخبة الفكرية والسياسية للعاصمة البريطانية.
تحتفظ مكتبة نيويورك العامة برسالتين بخطّ السفير حسونة الدغيس، إحداهما موجهة إلى الليدي بلسنغتون والأخرى إلى اللورد بلسنغتون، بتاريخ 4 يوليو 1822، تؤكد اتصالهم المباشر وتبادلهم المشورة.
كان بيت الليدي بلسنغتون أحد مراكز التلاقي بين الأدب والسياسة، يجمع بين الدبلوماسيين والمفكرين، وتُناقش فيه قضايا الإصلاح والنهضة. حضور حسونة في هذه الدائرة يعني أنه لم يكن مجرد سفيرٍ رسميّ، بل مثقفٌ منخرطٌ في حركة الفكر الأوروبي الحديثة.
في العام نفسه كانت علاقة حسونة تتوطد مع جيرمي بنثام وفريقه الإصلاحي الذي صاغ مشروع "دستور لطرابلس". ومخاطبته أسرة بلسنغتون تُظهر سعيه إلى نشر صورةٍ إنسانية وثقافية عن طرابلس، وإلى بناء جسورٍ بين الإصلاح الدستوري والعالم الأدبي اللندني.
مراسلات السفير حسونة الدغيس مع أسرة بلسنغتون توثّق وجود حسونة الفاعل في مركز الدبلوماسية والثقافة الأوروبية. وتكشف وعيه بأهمية الرأي العام والصالون الأدبي كأداة تأثير. وتُمثّل مراسلات سفيرنا لحظة التقاء الشرق والغرب في كلمةٍ ومراسلةٍ راقية، تسبق بكثير خطاب الإصلاح في المشرق العربي.
إن مراسلات حسونة الدغيس مع أسرة بلسنغتون سنة 1822، من عنوانه في 33 ألبمارل ستريت، ليست مجرد صفحة في تاريخ الدبلوماسية الليبية، بل علامة على دخول الفكر الليبي المبكر في الحوار الكوني حول الحرية والإصلاح.
ومضات (104): عنوان السفير حسونة الدغيس في لندن (1821-1823) واهميته
في البيت رقم 33 من شارع ألبِمارل في قلب مايفير اللندنية، أقام السفير حسونة الدغيس ما بين عامي 1821 و1823، زمن انشغاله بالحوار الفكريّ مع الفيلسوف جيرِمي بنثام، وإعداده لأفكاره حول الإصلاح الدستوريّ ومكافحة الرقّ.
لم يكن هذا العنوان مجرّد مكان إقامة، بل كان مركزًا من مراكز النهضة الفكرية والسياسية في لندن.
ففي نفس الشارع كانت دار النشر “جون مَري” (رقم 50) التي نشرت أعمال بايرون وكتب الرحلات إلى الشرق، وكان المعهد الملكي للعلوم (رقم 21) حيث ألقى ديفي وفاراداي دروسهما في العقل والتجريب، وكانت صالونات ليدي بلسِنغتون تستقبل شعراءً ومفكرين ودبلوماسيين من الشرق والغرب.
وعلى بُعد مسافة قصيرة — عبر حديقة سانت جيمس — كان بيت بنثام في كوين سكوير بليس (Queen’s Square Place)، مقره الدائم و”مختبره التشريعيّ“، حيث كتب مشاريعه الإصلاحية وراسل حسونة الدغيس في شأن دستور لطرابلس، وفيه وُلدت أفكار «منع سوء الحكم» (Securities Against Misrule)، التي استوحاها من محاوراته مع الدغيس حول الشورى والمساءلة.
بين بيت ألبِمارل وبيت كوين سكوير مسافة كيلومتر ونصف فقط، لكنها مثّلت جسرًا بين عالمين:
بين رحمة الشريعة وعقل التشريع،
بين صوت طرابلس وفكر وستمنستر،
بين الضمير الإصلاحيّ الإسلاميّ والمنهج النفعيّ الأوروبيّ.
من ألبِمارل كتب الدغيس رسائله ضدّ الرقّ إلى جيمس سكارلت عضو “المؤسسة الإفريقية” لمناهضة تجارة الرقيق، مترجمة إلى الإنجليزية على يد د. كيلي، ومطبوعة في دور النشر القريبة.
ومن كوين سكوير بعث بنثام بمسوّداته الدستورية إلى حسونة، يختبر فيها كيف يمكن للعقل العمليّ أن يتصالح مع ضمير الشريعة.
كانت تلك المراسلات أول بذور لفكرة الدستور في ليبيا الحديثة، ولبنة في الحوار المبكر بين العالم الإسلاميّ والعالم الغربيّ حول العدالة والحرية.
وهكذا، في شوارع لندن بين ألبِمارل وويستمنستر، نشأت أقصر المسافات وأعمق المعاني.
ومضات (103)
أوّل دستور عربي حديث: الفيسوف بنثام و السفير الدغيس وتجربة (دستور طرابلس)
في مطلع القرن التاسع عشر، التقى الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام (1748–1832م) بالسفير الطرابلسي حسونة الدغيس (1778–1836م) في لندن. لم يكن اللقاء عادياً، بل تحوّل إلى مختبر فكري حيّ، جمع بين همّ إصلاحي عربي وتجربة فلسفية أوروبية. والنتيجة كانت مسوّدة لدستور لطرابلس، عُرفت لاحقاً باسم "دستور بنثام لطرابلس"، لم يُكتب له التطبيق، لكنه مثّل خطوة مبكّرة في تاريخ التفكير الدستوري في العالم العربي والإسلامي.
صاغ بنثام دستوره حول قاعدة واحدة أساسية: "الغاية العظمى من الحكومة هي منع سوء الحكم" (the prevention of misrule).
هذا الشعار لم يكن وليد ذهن الفيلسوف وحده، بل نتيجة حوار مع الدغيس، الذي نقل له معاناة الطرابلسيين من:
الاستبداد المطلق.
الجبايات الجائرة.
غياب العدالة.
فساد الإدارة.
عسف الجند والمرتزقة.
لقد كانت شهادة الدغيس بمثابة "وصف سريري" للمرض السياسي، فجاء قلم بنثام ليصوغ الوصفة العلاجية في شكل مواد دستورية.
من وصف السفير الدغيس إلى نصوص الفيلسوف بنثام، يمكننا أن نرى التحويل المباشر لما رواه الدغيس في مواد الدستور:
الضرائب الجائرة والابتزاز المالي: علاجها النصّ على الشفافية المالية ونشر الحسابات العامة.
الاعتقالات التعسفية ومصادرة الأملاك: علاجها ضمان حق الأمان، وعدم جواز السجن أو المصادرة إلا بحكم قضائي.
سلطة الحاكم المطلقة: علاجها تقييد سلطات الباشا بمواد دستورية ومجلس تمثيلي منتخب.
انفلات الجند والمرتزقة: علاجه إنشاء جيشا منظّما خاضعا للقانون.
القضاء المسخّر للحاكم: علاجه استقلال القضاء وضمان نزاهته.
سرّية الحكم وضعف الثقة العامة: علاجه ترسيخ مبدأ العلانية (publicity) في الإدارة والتشريع.
وبذلك تبلورت ملامح الدستور عند بنثام والدغيس:
تقييد السلطة التنفيذية وعدم تركيزها في يد الباشا وحده.
مجلس تمثيلي منتخب يراقب أداء السلطة ويعبّر عن الناس.
استقلال القضاء وضمان الحقوق الفردية والجماعية.
تنظيم الجيش لمنع الانقلابات والابتزاز.
العلنية والشفافية في الشؤون المالية والإدارية.
احترام الشريعة والعادات المحلية ضمن إطار الدستور.
رغم أن دستور بنثام/الدغيس لطرابلس لم يُطبّق، إلا أن أثره الفكري يتجاوز حدوده. فقد حمل الدغيس معه إلى إسطنبول خبرته الدستورية الناشئة، ليشارك هناك في تحرير الصحافة العثمانية باللغات الأوروبية، ويغدو من أوائل المساهمين في نشر خطاب الإصلاح.
ومن هنا يمكن القول إن بذور (المشروطية) العثمانية قد زُرعت في لندن على يد سفير طرابلسي وفيلسوف إنجليزي، قبل أن تُثمر لاحقاً في إسطنبول.
يكشف دستور بنثام لطرابلس عن تاريخٍ بديلٍ للتحديث العربي: تحديث لم يأتِ من أوروبا وحدها، بل من حوار حيّ بين دبلوماسي عربي إصلاحي وفيلسوف غربي.
لقد كان المشروع تجربة مبكّرة في الدستورية العربية، وصوتاً سابقاً على الطهطاوي والكواكبي، يؤكّد أن ليبيا وطرابلس بالذات كانت حاضنة لبذور الإصلاح السياسي والفكري منذ وقت مبكر.
المراجع:
عمار جحيدر "حسونة الدغيس، المثقف/السياسي/المترجم: هل يُعَدُّ مؤرِّخاً؟"، مجلة مجمع اللغة العربية، العدد التاسع عشر (1444هـ/2022م)، ص 711–763.
Bentham, First Principles Preparatory to Constitutional Code (1822): “The main end in view, in every political constitution, ought to be the prevention of misrule.”
Bentham, Securities Against Misrule, and Other Constitutional Writings for Tripoli and Greece, ed. Schofield et al. (Oxford, 1990).
ومضات (102)
سبق سفيرنا حسونة الدغيس على الطهطاوي والكواكبي في نبذ (سؤ الحكم)
"الغاية العُظمى من الحُكومة هي منعُ سوء الحُكم."
هذا الشعار الذي بلوره جيرمي بنثام في لقائه مع السفير الليبي حسونة الدغيس سنة 1822 بلندن، يكشف عن سبقٍ ليبيّ مبكّر في الفكر الإصلاحي العربي.
حسونة الدغيس (1778–1836):
منذ عشرينيات القرن التاسع عشر كان يُطالب بدستور يربط مصلحة الحاكم بمصلحة المحكوم، ويرى أنَّ الهدف الأول من أي نظام سياسي هو منع الاستبداد وسوء الحكم. هذه الصياغة تبلورت في أوراقه مع بنثام حول طرابلس.
رفاعة الطهطاوي (1801–1873):
بعد سنوات، سيكتب في باريس والقاهرة عن أنَّ "العدل أساس المُلك"، ناقلًا روح الدستور الفرنسي إلى مصر. لكن دعوته الإصلاحية جاءت بعد تجربة الدغيس بسنوات.
عبد الرحمن الكواكبي (1855–1902):
في نهاية القرن التاسع عشر سيكتب طبائع الاستبداد، مُعلنًا أنَّ الاستبداد أصل الداء، وأنَّ الحرية والشورى هي الدواء. لكن نصه سيأتي بعد ستة عقود من الدغيس.
التسلسل التاريخي والذي يبين سبق سفيرنا الدغيس:
الدغيس: منع سوء الحكم (طرابلس – لندن، 1822).
الطهطاوي: العدل أساس الملك (القاهرة، 1830s–40s).
الكواكبي: الاستبداد أصل الداء (حلب، 1899).
قبل الطهطاوي والكواكبي، كان هناك صوت ليبيّ سبّاق يضع إصبعه على جوهر الإصلاح: منع سوء الحكم هو الأساس لكل حكم صالح.
طرابلس كانت السّبّاقة، ثم تبعتها القاهرة وحلب.