ما هو مكانك "الثالث"؟
وقعت مؤخرا على مفهوم "المكان الثالث" الذي طرحه كتاب The Great Good Place لعالم الاجتماع راي أولدنبورغ، وهو مفهوم يلامس وترا حساسا في طريقة عيشنا اليوم، ويفسر الكثير من مشاعر الاغتراب أو الانتماء التي نختبرها في مدننا.
يقسم أولدنبورغ مساحات حياتنا إلى ثلاثة عوالم رئيسية..
المكان الأول هو المنزل، وهو الملاذ الفطري ومساحة الأسرة والانتماء الأول.
والمكان الثاني هو العمل أو المدرسة، وهي بيئة تحكمها الهيكلية، الالتزام، التنافسية، والإنتاج.
أما المكان الثالث، وهو حجر الزاوية في الكتاب، فهو تلك المساحة العامة غير الرسمية والمحايدة التي نلجأ إليها طواعية، مثل المقاهي المفتوحة، الساحات، المكتبات، والأندية المجتمعية البسيطة.
ما يجعل المكان الثالث حقيقيا ليس النخبوية ولا الطبقية ولا الأجواء الخاصة، بل يميزه التجرد التام من الألقاب والمقامات.
فبمجرد عبور بوابته، تسقط الفوارق المهنية، وتصبح المحادثة العفوية وتبادل الأفكار هي الغاية الأساسية. ولهذا السبب تحديدا، يرى الكاتب أن الأندية النخبوية أو الأرستقراطية المغلقة لا تعد مكانا ثالثا؛ لأنها تبنى أساسا على فكرة الإقصاء وحماية الهيكلية الطبقية، وغالبا ما تتحول إلى امتداد لبيئة الأعمال وتمرير المصالح. المكان الثالث الأصيل يرحب بالجميع على قدم المساواة.
وإذا تأملنا هذا المفهوم، سنجد أنه ليس غريبا عنا، بل متجذر بوضوح في تراثنا الإسلامي وتاريخنا الاجتماعي. فمثلًا كان "المسجد هو المكان الثالث بامتياز (وفق هذا المفهوم)، وأعظم نموذج لتذويب الفوارق. لم يكن مجرد مساحة لأداء الشعائر ومغادرتها وحسب، بل كان القلب النابض للمجتمع؛ فيه تصطف الأكتاف وتتساوى المقامات تماما، فلا فضل لأمير على بسيط، وكل الألقاب الدنيوية تسقط عند عتباته. تحت سقفه كانت تنعقد حلقات العلم والمناقشات، وتتداول أخبار المجتمع، وتبنى أواصر التعارف بعيدا عن تكلف الحياة اليومية. وإلى جانبه، كان "السوق" و"المجلس" مساحات مفتوحة أخرى تتداخل فيها الطبقات وتنشط فيها الحوارات.
هذا المفهوم وإن كان متجذرا في هويتنا، فهو حاجة إنسانية عالمية عبرت عنها شعوب ومجتمعات أخرى بطرق تتناسب مع ثقافاتها. ففي إيطاليا مثلا، تعتبر ساحات الـ "بيازا" (Piazza) القلب النابض للمدينة ومكانها الثالث، حيث تخرج العائلات في نهاية اليوم بلا مواعيد مسبقة، ويجتمع كبار السن لتبادل الأحاديث، وتلعب الأجيال في مساحة مفتوحة للجميع.
وفي فرنسا وفيينا، لعبت مقاهي الرصيف التاريخية هذا الدور، فكانت الملاذ الذي تذوب فيه الطبقات وتتخلق فيه الأفكار بعيدا عن صرامة الأكاديميات.
وحتى في اليابان، التي تعرف ببيئة عملها شديدة الهرمية والصرامة، مثلت حمامات "السينتو" العامة مساحات تسقط فيها الألقاب والفوارق حرفيا ومجازيا، ليصبح الجميع مجرد أفراد يبحثون عن السكينة بعد عناء اليوم.
واليوم، ونحن نعيش إيقاعا حضريا متسارعا، تشتد حاجتنا لإعادة ابتكار وممارسة هذه المساحات. فالمنزل يظل هو القلب النابض بالحب والسكينة، ولكنه يحمل في طياته مسؤوليات والتزامات التربية والرعاية. والعمل يستهلك طاقتنا الذهنية ويدخلنا في سباق الإنجاز اليومي.
بين هذا وذاك، نحتاج إلى رئة نتنفس منها لنجدد أرواحنا.
الأماكن الثالثة هي الحواضن الخفية لسلامة نفسياتنا ومجتمعاتنا، بل ولاكتشاف وتطوير المواهب والمهارات، وغيابها يخلق مدنا موحشة وأفرادا يعانون من العزلة، وحضورها يصنع مجتمعات حية ومترابطة.
لذا نعود لأول الكلام: ما هو مكانك الثالث؟
وهل فعلت ما يكفي لتكتشف -وربما تبني- المكان الثالث المثالي لك؟
الحمد لله الذي ألهمني أن أعود للقرآن كلما ضاقت بي التربية, فوجدت فيه الداء والدواء والطبطبة . هذا الكتاب ليس من تأليفي فقط...
بل من توجيه ربّي .... ورسالة لكل أب وأم تائهين وسط الزحام 🤍🥹
الحمد لله الذي ألهمني أن أعود للقرآن كلما ضاقت بي التربية, فوجدت فيه الداء والدواء والطبطبة . هذا الكتاب ليس من تأليفي فقط...
بل من توجيه ربّي .... ورسالة لكل أب وأم تائهين وسط الزحام 🤍🥹