كانت ليلة هادئة في أرجاء البيت يسبق السفر لاجازه كنت انتظرها، أجهز فيه نفسي لرحلة نحو مكة المكرمة ثم للمدينة عبر مطار الملك خالد الدولي بالرياض. وبينما كنت اتجهز للنوم، أقبلت عليّ والدتي، وفي عينيها نظرة دافئة يمازجها قلق. نظرت إليّ وقالت بصوت هادئ:
"وش رأيك نلغي الرحلة؟ أحسّ أن قلبي مو متطمن..."
ابتسمتُ محاولاً تبديد قلقها قائلاً: "إن شاء الله الأمور طيبة يا أمي، توكلنا على الله."
يوم الرحلة توجهنا إلى المطار، أنا والوالدة والعاملة المنزلية التي كانت تخطو خطواتها الأولى نحو مكة، ويملأ قلبها الشوق لرؤية البيت الحرام.
من عادتي في كل سفر أن أقصد صالة "حيّاك" لأستريح حتى يحين موعد الصعود، لكن سرًا خفيًا إلاهيًا هذه المرة جعلني أعدل عن عادتي، أخبرت أمي أننا سنجلس عند البوابة مباشرة.
ذهبت لتبديل ملابسي وارتداء إحرامي، عدت بعد الوضوء، وجلست إلى جوار أمي نتبادل أطراف الحديث، ونرقب الوجوه المارة من حولنا.
كان المكان يفيض بالحياة والأنس، جمع غفير من المعتمرين البنغلاديشيين يستعدون للرحلة، ��ينهم رجل مهيب يوزع عليهم المكسرات بابتسامة سمحة، اكتشفت لاحقًا أنه المفتي البنغلاديشي "نصر الله البدر" -رحمه الله-، ومجموعات من المواطنين تعلو وجوههم البِشر والسكينة.
وفجأة، أُعلن عن فتح البوابة. ولأول مرة في تاريخ سفري، شعرت برغبة عارمة في الإسراع، حثثت أمي والعاملة على اللحاق بي لنكون أول الركاب.
وقفت في مقدمة صف الدرجة السياحية، انتظرنا قليلاً حتى اكتمل دخول ركاب رجال الأعمال وذوي الاحتياجات الخاصة، ثم سمح لنا بالعبور.
في الممر المؤدي إلى الطائرة، استقبلنا موظف الخدمات الأرضية بابتسامة مشرقة ودعوة طيبة: "تقبل الله طاعتكم".
دخلنا المقصورة، وكان هناك طفل يمرح في الممر بجوار سيد وسيدة بنغلاديشية مسنة تتكئ على عربتها، بينما كانت المضيفة تتعامل مع الطفل بكثير من اللباقة والصبر حتى أخذ مقعد��.
وصلت إلى مقعدي، وضعت الحقائب في المكان المخصص وحقيبة الظهر تحت المقعد الأمامي. وما إن جلست والتفتُ أنظر من شباك الطائرة بكل هدوء، حتى شُقّ الهدوء بصوت دويّ مرعب انفجار هائل هزّ أركان صالة المطار التي كنا نقف فيها قبل لحظات!
في ثوانٍ معدودة، انقلبت الأجواء، وبدأ طاقم الطائرة بالإخلاء السريع. التفتُّ إلى أمي والعاملة: "توكلوا على الله وبألحقكم".
وأثناء تقدمي، وجدت أمامي ذات السيدة البنغلاديشية المسنة، كان ظهرها منحنيًا ومشيتها بطيئة جدًا بحكم سنها. كان المضيف خلفي يحثني بلهفة: "Go Go we need to evacuate the plane now!"، فنظرت إليه بثبات وقُلت: "Relax what happened is happened do not make this old lady panic".
وفي تلك اللحظة الإنسانية، تقدمت ذات المضيفة بخفة وشهامة، وحملت السيدة المسنة بين ذراعيها كما يُحمل الطفل الصغير، وركضت بها ن��و المخرج لتنقذ حياتها.
خرجتُ إلى ممر الطائرة، كان الناس متوقفين ينظرون برعب، ورأيت أمي تحتضن العاملة وسيدة أخرى لتطئمنهما، وصوتها يعلو باليقين: "الحمد لله.. لا إله إلا الله!".
التفتُّ نحو ساحة المطار، فإذا بي أرى ملحمة تسطر من البسالة، رجال الشرطة العسكرية، والدفاع المدني، والأسعاف، يهرعون بجرأة وفداء نحو قلب الخطر ومنطقة الانفجار.
فتحت مسارات الخروج، ودخلنا صالة المطار.. وهنا تجسدت فظاعة المشهد: غبار يكتم الأنفاس، حطام يملأ الأرجاء، وجثث ومصابون في كل زاوية، مشهد لم أرَ مثيلاً له إلا في الأفلام. اختلط الدم الزكي بالزجاج المتناثر بالحطام وبالمياه الهاطلة من رشاشات السلامة. كان أحد المعتمرين ممددًا على الأرض وقد بـُترت ساقه اليسرى، والدم يصبغ ثوب إحرامه الأبيض.
وسط هذا الركام وهذا الذهول، كان أبطالنا وإخواننا من موظفي المطار والعسكريين وبقية اخواني المواطنين السعوديين يتحركون بكل شجاعة، يضمدون الجراح، ويهدئون النفوس، ويؤمنون الخروج.
لم يكن ذاك مجرد واجب وظيفي، بل كان إيمانًا عميقًا بالله، ثم ثقة مطلقة بقيادتنا ودفاعاتنا وجنودنا البواسل بأن هذا الاعتداء الغادر من الميليشيات الحوثية على ضيوف الرحمن الآمنين لن يمر مرور الكرام، وأن الثأر للدم الطاهر قادم لا محالة.
خرجنا إلى الشارع خارج صالة المطار، فإذا بنا أمام مشهد آخر من الانضباط والتلاحم، تنظيم مروري عالي الدقة، وتواجد أمني وإسعافي مكثف يحتضن الفاجعة ويحتويها.
وعلى الرصيف، رغم ألم قدميها وثقل تعبها، خرّت أمي ساج��ة لله شكرًا على النجاة.
تلفتُّ حولي، فرأيت أطفالاً مرتعدين من هول صدمة لا يفهمون سببها، وآباء يضمون أبنائهم وزوجاتهم إلى صدورهم بلهفة، ورجالاً من عامة الشعب، هذا يواسي مفجوعًا، وهذا يسعف مصابًا، وذاك يقف مع رجال المرور ينظم السير.
كل شخص كان يقدم ما لديه لخدمة دينه ووطنه في لحظة فارقة.
ضحايا الإعتداءات الغاشمة لجماعة الحوثي على مطار الملك خالد بالرياض🇸🇦
الشهيدة لميس النبهاني
الشهيدة منيرة العنزي
الشهيدة مريم النملة
الشهيد حمود الملثمين
الشهيد سعد الميم��ني
الشهيد تركي الصيخان
الشهيدة عروب الجربا
الشهيد سعود بن بداح الشلاحي
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار، واغفر لهم وتقبّلهم في واسع رحمتك، واجعل دماءهم الطاهرة نورًا وكرامةً لهم، وارفع مقامهم في الفردوس الأعلى، واجزهم عن أوطانهم وأهلهم
حقيقة وليست رأي | السعودية - بفضل المولى - حالة خاصة جدًا:
• يتم تهديد الاستثمار الدولي، فيأتي التعويض الإلهي فورًا من النفط والمعادن وبشكل مضاعف.
• يتم تهديد خطوط الإمداد النفطي واللوجستي، فيتم الإعلان عن خطوط بديلة لتتحول الأزمة إلى قصة نجاح عالمية.
• حتى في ذروة القلق من أصوات الاعتراض الجوي، يأتي صوت المآذن صادحة بذكر المولى تعويضًا وطمأنةً للبشر والحجر.
- منشور قد يكون مليئًا بالعاطفة، ولكنه مسنود بالوقائع المشهودة.
- للسعوديين مع العوض الإلهي قصة قديمة، منذ عهد الملك ��بدالعزيز، منذ أزمة تولي رعاية الحرمين غربًا وتفجر آبار النفط شرقًا.